الملياردير كان بيمثل انه مش قادر يمشى

لمحة نيوز

الملياردير كان بيمثل إنه مش قادر يمشي... لحد ما بنت الخدامة الصغيرة 
كان مروان الهلالي عنده قصر فيه اتنين وعشرين أوضة، وثلاث شركات كبيرة، وكرسي متحرك... هو في الحقيقة ماكانش محتاجه.
بقاله تلات سنين والعالم كله مقتنع إن الملياردير ده مبقاش يقدر يمشي.
لحد ما بنت عندها تلات سنين دخلت قصره الساكت، بصتله من غير خوف، وسمّت بيته بيت النجوم.
قصر الهلالي ما بقاش فيه إحساس البيت من زمان... بقى عامل زي متحف الحزن قفل كل أبوابه من جوه.
الستاير كانت دايمًا مقفولة نص قفلة حتى في الصبح المشمس. البيانو الكبير كان عليه طبقة تراب. الأكل كان بيتحط قدام مكتب مروان ويرجع زي ما هو من غير ما حد يلمسه. أما أوضة الأطفال اللي في آخر الجناح الغربي، فكانت مقفولة طول الوقت، ولسه اللوحة النحاسية اللي عليها الاسم بتلمع فوق الباب الأبيض.
أوضة جنة.
مروان عمره ما فتحها.
كان قاعد ورا مكتبه على كرسي متحرك أسود شيك، بيبص لتقارير ما بقاش بيقراها أصلًا، وشه كان وش راجل الناس كلها بتتعاطف معاه وتحترمه من بعيد.
المستثمرين كانوا شايفينه عبقري.
المجلات كانت بتسميه الرجل المأساوي.
والموظفين كانوا بيوطوا صوتهم أول ما يعدوا جنب مكتبه.
الكل كان مقتنع إن الحادثة أخدت رجليه.
بس الحقيقة إنها ما أخدتهمش.
عموده الفقري كان سليم، وأعصابه كانت كويسة. الدكاترة قالوله الحقيقة بهدوء، وبعدها كرروها أكتر من مرة.
ماكانش فيه أي سبب طبي يمنع مروان الهلالي إنه يقف على رجليه.
لكن من تلات سنين، في ليلة مطر من ليالي أكتوبر، كانت مراته الحامل دينا قاعدة جنبه في العربية وبتضحك.
في لحظة كانت بتتكلم عن بنتهم اللي لسه ما اتولدتش.
وفي اللحظة اللي بعدها...
نور عربية دخل عليهم فجأة في الحارة المقابلة.
صوت الحديد صرخ.
والإزاز اتكسر.
مروان نجا بكسر في إيده وارتجاج

بسيط في المخ.
أما دينا...
فما نجتش.
والطفلة جنة ما أخدتش حتى أول نفس ليها في الدنيا.
ولأن مروان هو اللي كان سايق...
ولأنه هو اللي اختار الطريق...
ولأنه هو اللي خرج من الحادثة عايش...
حاجة جواه قررت إنه ما ينفعش يمشي تاني.
فعاش على الكرسي.
في الأول الناس سألت.
وبعدين اتعودوا.
وبعدين بطلوا يتوقعوا إنه يعيش فعلًا.
وده كان أسوأ نوع من الراحة.
أرمل مكسور على كرسي متحرك...
الناس بتسمحله يختفي وهو لسه عايش.
لحد ما الحاجة أمينة قررت تطلع معاش.
كانت هي اللي مشغلة القصر بقالها عشر سنين، وكانت الموظفة الوحيدة اللي لسه عندها الجرأة تكلمه على إنه بني آدم، مش جرح مفتوح.
في آخر يوم ليها وقفت قدامه وقالت
البيت ده محتاج ناس يا أستاذ مروان.
رد عليها ما هو فيه ناس.
قالت دول موظفين.
ابتسم ببرود وقال وده اللي قولته.
هزت راسها وقالت لا يا فندم... مش هو ده اللي قصدته.
وقالتله إن مدبرة المنزل الجديدة اسمها إلهام عبدالسلام.
عندها تلاتين سنة.
شقيانة.
هادية.
وأم بتربي بنتها لوحدها.
وأضافت ومعاها طفلة صغيرة.
مروان رفع عينه بسرعة.
لأ.
لكن الحاجة أمينة ما اتأثرتش.
وقالت القصر ده فيه اتنين وعشرين أوضة ومفيهوش نبض واحد. صوت طفل مش هيقتلك.
الأسبوع اللي بعده، وصلت إلهام قبل الشروق من باب العاملين، شايلة شنطة قديمة شوية، وملف ورق، والتعب اللي بيبان على وش أي ست محتاجة الشغل ده ومش مسموح لها تغلط.
وجنبها كانت ماشية لي لي.
عندها تلات سنين.
لابسة فستان أصفر.
شراباتها مش شبه بعض.
وماسكة أرنب لعبة في إيديها.
إلهام حاولت تاخدها بسرعة ناحية المطبخ، لكن لي لي وقفت فجأة في مدخل القصر الرخامي وبصت لفوق.
النجفة الضخمة كانت معلقة فوقهم، مئات الكريستالات فيها بتعكس نور الصبح الهادي.
لي لي فتحت بقها بانبهار.
وهمست يا ماما...
وبعدين قالت بصوت
أعلى
يا ماما بصي... ده كأن فيه نجوم جوه البيت!
الصوت وصل لمروان وهو قاعد في مكتبه.
صوت طفلة.
مشرق.
غير متوقع.
ومليان حياة.
لف بالكرسي ناحية الباب وهو ناوي يمشيهم الاتنين فورًا.
لكن أول ما شاف لي لي وهي بتلف تحت النجفة، وشعرها بيتحرك مع لفّتها، ووشها مليان دهشة بريئة...
حس إن البيت الميت ده بقى أقل موتًا ولو لثانية واحدة.
إلهام جريت عليها بسرعة.
أنا آسفة جدًا يا فندم... هي عمرها ما شافت بيت بالحجم ده. هخليها تفضل في المطبخ.
فتح مروان بقه عشان يرد.
الكلام القاسي كان جاهز.
لكن اللي جه في باله كان اسم واحد بس...
جنة.
يا ترى بنته كانت هتبص للنجفة بنفس الطريقة؟
كانت هتسميها نجوم هي كمان؟
تنهد وقال
عادي... سيبيها تتفرج.
إلهام بصتله باستغراب.
أما لي لي فبصتله من ورا كتف أمها وقالت
هو إنت اللي ساكن في بيت النجوم؟
بصلها مروان كام ثانية طويلة.
وبعدين قال
أيوه.
ابتسمت لي لي وقالت
محظوظ.
وفي اللحظة دي...
ولأول مرة من تلات سنين...
حس مروان الهلالي إن حاجة جواه اتكسرت واتفتحت من جديد.
مش شفاء.
لسه بدري على الشفاء.
لكن بالقدر الكافي...
اللي يخلي صوت بنت صغيرة يعدّي من الشق ده...
ويوصل لقلب كان فاكر إنه مات من زمان.
القصة كاملة اول التعليق في اليوم اللي بعده، دخلت لي لي القصر وكأنها داخلة عالم سحري. كانت كل شوية تكتشف حاجة جديدة، مرة تقف قدام ساعة قديمة وتسأل
يا ماما... الساعة دي بتتكلم؟
ومرة تضحك وهي بتجري في الممر الطويل، وصوت ضحكتها يملأ المكان اللي بقاله سنين ساكت.
مروان كان بيتابعها من بعيد، ويحاول يقنع نفسه إنه مش مهتم.
لكن كل مرة يسمع ضحكتها، كان يلاقي نفسه بيبتسم من غير ما يحس.
...
بعد أسبوع، كانت لي لي واقفة قدام الباب الأبيض المقفول في آخر الجناح الغربي.
مدت إيدها الصغيرة تلمس اللوحة النحاسية.
جنة...

لفت تبص لأمها.
مين جنة يا ماما؟
إلهام اتوترت بسرعة.
تعالي يا حبيبتي... مالكيش دعوة بالأوضة دي.
لكن في اللحظة دي، كان مروان واقف وراهم.
صوته خرج هادي لأول مرة.
دي... كانت بنتي.
لي لي بصتله بعينيها الواسعتين.
هي فين؟
بلع ريقه بصعوبة.
عند ربنا.
الطفلة سكتت شوية... وبعدها قالت بمنتهى البراءة
يبقى أكيد عندها نجوم أحلى من اللي هنا.
الجملة نزلت على قلبه كأنها لمسة حنان كان محروم منها.
...
في الليل، مروان وقف قدام أوضة جنة لأول مرة من تلات سنين.
إيده كانت بترتعش وهو بيمسك المقبض.
فتح الباب ببطء.
ريحة الأوضة لسه زي ما هي.
سرير صغير.
دبدوب أبيض.
ستاير وردي.
وألعاب عمرها ما حد لمسها.
وقف يبكي بصمت... لأول مرة من يوم الحادثة.
كان بيبكي على بنته...
وعلى نفسه...
وعلى العمر اللي ضاع وهو بيعاقب نفسه.
ومن برة الباب، كانت لي لي واقفة من غير ما حد يحس بيها.
قربت منه بهدوء...
وهي تقول
ما تعيطش... أنا موجودة.
في اللحظة دي، جسم مروان كله اتجمد....
لكن كأنه فك كل القيود اللي كان رابط بيها نفسه.
وبدون ما يفكر...
اتحركت رجله خطوة لقدام...
ثم خطوة تانية.
وساب الكرسي المتحرك وراه لأول مرة منذ ثلاث سنوات... دون أن يشعر.
لما إلهام شافته، شهقت وهي حاطة إيدها على بقها.
أما مروان، فنزل على ركبتيه ، وهو بيبكي بحرقة.
وأدرك وقتها أن الحادثة لم تكن هي التي شلّت قدميه...
بل الشعور بالذنب.
وأن أول خطوة في طريق الشفاء... بدأت بحضن طفلة صغيرة، شافت فيه إنسانًا قبل ما تشوف فيه مليارديرًا مروان فضل راكع على ركبتيه وهو ضامم لي لي، والدموع بتنزل من غير ما يحاول يخبيها.
إلهام جريت بسرعة، وسحبت بنتها وهي مرتبكة.
أنا آسفة يا فندم... هي مزعجاك.
رفع مروان رأسه ومسح دموعه وقال بهدوء
لأ... سيبيها.
بص للي لي وابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية.
هي
أنقذتني.
الخبر انتشر في القصر في ساعات.
الأستاذ مروان وقف!
لكن مروان جمع كل العاملين وقال بحزم
اللي شافه النهارده يفضل بينا. مش عايز حد يعرف.
كلهم وافقوا.
كان عايز أول
تم نسخ الرابط