ركع قدام الجردل
خرج محمود إليه.
كان رجلًا في السبعين من عمره، يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال
أنا كنت محاسب عند والدك الله يرحمه. قبل وفاته سلمني الصندوق ده، وقالي لو حصل لي حاجة، سلمه لابني لما تحس إنه بقى راجل يقدر يشيل الأمانة.
فتح محمود الصندوق، فوجد دفترًا قديمًا بخط والده.
وكانت أول جملة فيه
يا محمود... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. افتكر دايمًا إن الشركة دي ما اتبنتش بالفلوس... اتبنت بدعوات أمك، وتعبها، وصبرها.
لم يتمالك نفسه، وانهمرت دموعه.
احتضن الدفتر، ثم ذهب إلى أمه وقبّل رأسها.
قال لها
أبويا كان عارف إنك سبب كل خير في حياتنا.
ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت
الفضل كله لله يا ابني.
وفي مساء ذلك اليوم، قرر محمود إنشاء مؤسسة خيرية
باسم والديه، تساعد الأرامل وكبار السن، وتوفر العلاج لغير القادرين.
وعُلقت عند مدخل المؤسسة لافتة كتب عليها
من رحم التعب يولد الأمل، ومن برّ الوالدين يفتح الله أبواب الرزق.
وأصبحت قصة الحاجة فاطمة تُروى لكل من يعمل في المؤسسة، لا كقصة عن الظلم فقط، بل كقصة عن الصبر، والكرامة، وأن دعوة المظلوم لا تضيع عند الله.
تمت بحمد الله بعد افتتاح المؤسسة الخيرية بستة أشهر...
كان محمود يتفقد الأقسام بنفسه، وفجأة لمح وجهًا
اقترب ببطء...
ولما بصت له، عرفها فورًا.
كانت أم دينا.
كبرت في السن جدًا، وكانت تجلس على كرسي متحرك.
أول ما شافته، بدأت تبكي وقالت
يا ابني... أنا جاية أطلب منك طلب واحد.
قال باحترام
اتفضلي يا خالتي.
قالت وهي تمسح دموعها
بنتي دينا توفت من شهر... قبل ما تموت كانت كل يوم تقول لي لو شوفتي محمود أو الحاجة فاطمة، قولي لهم يسامحوني.
سكت محمود، وتأثر بالكلام.
ثم سألها
كانت عاملة إيه في آخر أيامها؟
ردت الأم
كانت بتخدم كبار السن في دار الرعاية من غير ما تاخد جنيه واحد... وكانت تقول يمكن ربنا يغفرلي بسبب خدمة ناس كنت زمان بهدد واحدة زيهم.
خفض محمود رأسه، وقال
ربنا يرحمها ويغفر لها.
وفي المساء...
حكى لأمه كل ما حدث.
رفعت الحاجة فاطمة يديها وقالت
اللهم إن كانت تابت توبة صادقة، فاغفر لها وارحمها، فأنت أرحم الراحمين.
ثم نظرت إلى محمود وقالت
يا ابني... الإنسان ممكن يغلط، لكن أحسن الناس هو اللي يرجع عن غلطه قبل ما يقابل ربنا.
ابتسم محمود وقال
الحمد لله إن النهاية كانت فيها عبرة لكل واحد.
ومنذ ذلك اليوم، وضع محمود في مدخل المؤسسة لوحة صغيرة كُتب عليها
لا تؤجل الاعتذار، ولا تؤجل رد المظالم، فربما يأتي يوم لا
وأصبحت هذه العبارة يقرأها كل من يدخل المؤسسة، لتبقى رسالة بأن الظلم مهما طال، فإن العدل والرحمة والتوبة الصادقة تظل أعظم ما يتركه الإنسان بعده بعد رحيل الحاجة فاطمة بعشر سنوات...
كان محمود كل يوم جمعة يزور قبرها، يقرأ القرآن، ويدعو لها، ثم يذهب مباشرة إلى المؤسسة الخيرية التي تحمل اسمها.
وفي أحد الأيام، وجد شابًا يقف عند الباب، يحمل في يده ملفًا قديمًا.
قال الشاب
حضرتك الأستاذ محمود؟
أيوه.
أنا حفيد الست اللي كانت بتشتغل مع الحاجة فاطمة في السوق من أكتر من أربعين سنة.
استغرب محمود وقال
خير؟
فتح الشاب الملف، وأخرج صورة قديمة باهتة.
كانت للحاجة فاطمة وهي تقف أمام عربية صغيرة تبيع عليها الطعام، وإلى جوارها طفل صغير لا يتجاوز العاشرة...
كان محمود.
ابتسم وهو يمسك الصورة بيد مرتعشة.
وقال الشاب
جدتي قبل ما تتوفى قالتلي الصورة دي لازم توصل لمحمود، عشان يفضل فاكر منين بدأ.
دمعت عينا محمود.
ولأول مرة منذ سنوات، بكى كما بكى يوم رأى أمه راكعة أمام جردل الماء.
نظر إلى الصورة طويلًا وقال
سبحان الله... الناس فاكرة تعبي، وأنا كنت فاكر إن الزمن نسي.
علق الصورة في المدخل الرئيسي للشركة، وكتب تحتها
من هنا كانت البداية... فلا تنسوا البدايات
وأصبح كل موظف جديد يقف أمامها قبل استلام عمله.
وكان محمود يحكي لهم قصة الصورة، ويختم دائمًا بقوله
لو شفتوا حد ضعيف... سندوه. ولو شفتوا أمًا كبيرة في السن... احترموها. ولو ربنا وسّع عليكم... افتكروا الأيام اللي كنتم محتاجين فيها.
لأن الإنسان لا يقاس بما يملك...
بل بما يتركه من أثر طيب في قلوب الناس.
النهاية الحقيقية. مرت السنوات...
ورحل محمود بعد عمرٍ طويل، بعدما أوصى أبناءه وأحفاده بثلاث وصايا فقط
لا تظلموا أحدًا، ولا تكسروا قلب أم، واجعلوا جزءًا من رزقكم للفقراء.
نفذ أبناؤه وصيته كما نفذ هو وصية أمه.
وبقيت الشركة تحمل اسم والده، وبقيت المؤسسة الخيرية تحمل اسم الحاجة فاطمة، يخرج منهما الخير كل يوم، وكأن دعواتها ما زالت تبارك المكان.
وفي أحد الأيام، وقف حفيده الأكبر أمام صورة الحاجة فاطمة المعلقة في مدخل المؤسسة، وسأله ابنه الصغير
مين الست دي يا بابا؟
ابتسم وقال
دي ست علمتنا إن الكرامة أغلى من المال، وإن الصبر عمره ما يضيع عند ربنا.
ثم أمسك بيد ابنه، ودخلا ليقدما الطعام للمحتاجين، كما كانت تتمنى هي دائمًا.
وهكذا انتهت حكاية بدأت بدموع أم راكعة أمام جردل ماء، وانتهت بدعوات آلاف المحتاجين الذين وجدوا من يمد لهم يد العون.
فقد انتصر الحق، وسقط الظلم، وبقي الأثر الطيب هو الشيء الوحيد الذي لا يموت.
تمت.