ركع قدام الجردل
المحتويات
جدًا.
رفع رأسه وقال
مين؟
قالت
مدام دينا.
سكت لحظة، ثم قال
خليها تدخل.
دخلت دينا، لكن لم تكن هي المرأة المتكبرة التي عرفها.
ملابس بسيطة، وملامحها مرهقة، وعيناها مليئتان بالندم.
وقفت أمامه وقالت بصوت منخفض
أنا مش جاية أطلب منك فلوس... ولا أرجعلك... أنا جاية أطلب السماح.
نظر إليها محمود بهدوء ولم يتكلم.
أكملت وهي تبكي
خسرت كل حاجة... الناس اللي كنت فاكرة إنهم سندي اختفوا... وأول ما فلوسي راحت، الكل باعني. عرفت وقتها قيمة البيت اللي أنا هدمته بإيدي.
ظل محمود صامتًا لثوانٍ، ثم قال
السماح بينك وبين ربنا... أما حقي أنا، فقد سامحتك من زمان. لكن حق أمي... ده هي صاحبة القرار فيه.
في تلك اللحظة...
دخلت الحاجة فاطمة، فقد كانت قد جاءت لزيارة ابنها.
رأت دينا، فعرفتها فورًا.
اقتربت دينا منها وهي تبكي، وانحنت لتقبل يدها.
لكن الحاجة فاطمة رفعتها برفق وقالت
متبوسيش إيدي... لو كنتِ احترمتيني وأنا قوية، ماكنتيش جيتي تعتذري وأنا كبيرة في السن.
انفجرت دينا في البكاء.
وبعد لحظات من الصمت، قالت الحاجة فاطمة
أنا مسامحاكي لوجه الله... مش عشانك،
خرجت دينا وهي تبكي، لكن هذه المرة كانت تحمل درسًا لن تنساه أبدًا.
أما محمود، فابتسم وهو ينظر إلى أمه، وقال
كنتِ طول عمرك أقوى واحدة أعرفها.
ابتسمت الحاجة فاطمة وقالت
القوة مش إنك تنتقم... القوة إنك تقدر تسامح لما تبقى قادر تعاقب.
وانتهت القصة، لكن بقيت سيرتها تتردد بين كل من عرفها، لأن احترام الوالدين لا يشتريه مال، ولا يهدمه ظلم بعد عدة أشهر...
في إحدى الليالي، رن هاتف محمود برقم غريب.
رد بهدوء
ألو؟
جاءه صوت رجل كبير في السن
أستاذ محمود؟ أنا مدير دار رعاية... وفي سيدة اسمها دينا موجودة عندنا من أسبوع، وطلبت أشوفك قبل ما نسافر بيها للمستشفى.
اتجمد محمود في مكانه.
راح الدار، ولما دخل لقاها قاعدة في هدوء، ملامحها شاحبة جدًا.
بصت له وقالت
عارف يا محمود... أكتر حاجة كانت بتخوفني زمان إني أدخل دار مسنين. وكنت بهدد بيها والدتك... وربنا ورّاني قد إيه كان قلبي قاسي.
سكتت لحظة، ثم طلعت ظرف من شنطتها.
ده كل اللي فاضل معايا... مذكرات كتبت
أخذ محمود الظرف دون أن يفتحه.
وقال بهدوء
التوبة بابها مفتوح، وربنا أرحم من كل الناس.
بعد أيام...
علم أن دينا بدأت حياة جديدة، بعيدة عن الطمع والصراعات، تقضي وقتها في خدمة كبار السن ومساعدة المحتاجين.
ولما عرفَت الحاجة فاطمة بذلك، رفعت يديها للسماء وقالت
يا رب، كما أصلحت حال ابني، أصلح حال كل إنسان أخطأ ورجع إليك.
ابتسم محمود وقال
يمكن دي تكون النهاية اللي ربنا كان كاتبها... إن كل واحد يتعلم من غلطه.
ومن يومها، أصبح محمود يردد لكل موظف جديد في شركته
النجاح الحقيقي مش في الفلوس... النجاح الحقيقي إنك ترجع بيتك، وما يكونش في رقبتك دمعة مظلوم أو وجع قلب أم.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما انتصر الحق، وعاد لكل إنسان حقه وكرامته، وبقي الدرس أن الظلم قد يطول، لكنه لا يدوم بعد خمس سنوات...
أصبحت شركة عبد الرحمن من أكبر شركات المستلزمات الطبية في المحافظة، وأصبح اسم محمود معروفًا بالأمانة قبل النجاح.
وفي يوم من الأيام، دخل عليه شاب
أستاذ محمود... أنا جاي أشتغل عندك.
ابتسم محمود وسأله
معاك خبرة؟
رد الشاب وهو مطأطئ رأسه
لا... لكن معايا دعوة من أمي، وهي قالتلي روح لمحمود عبد الرحمن، ده عمره ما يكسر بخاطر حد.
ابتسم محمود، وتذكر أمه، وقال
تبدأ من بكرة إن شاء الله.
وفي المساء...
عاد إلى البيت، فوجد الحاجة فاطمة جالسة في الحديقة، تقرأ القرآن.
اقترب منها وجلس عند قدميها كما كان يفعل وهو طفل.
ابتسمت وقالت
مالك يا محمود؟
قال وهو يضحك
افتكرت يوم لقيتك راكعة قدام جردل المية... وافتكرت إني وقتها كنت هموت من القهر.
ربتت على كتفه وقالت
لو كنا انتقمنا وقتها، كان وجعنا فضل جوانا. لكن ربنا خد حقنا بطريقة أحسن.
وفي تلك اللحظة...
سمعوا طرقًا على الباب بعد عامين...
في صباح يوم جمعة، كانت الحاجة فاطمة تجلس في حديقة البيت، تمسك مسبحتها وتردد الأذكار، بينما كان أحفاد محمود يلعبون حولها ويضحكون.
ناداها محمود
يا أمي... فاكرة زمان لما كنتِ بتقولي إن الخير بيرجع لصاحبه؟
ابتسمت وقالت
أهو ربنا ورّاهولك بعينك.
وفي تلك اللحظة، دخل أحد الموظفين
أستاذ محمود... في راجل كبير واقف برة، وبيقول معاه أمانة لازم يسلمهالك.
متابعة القراءة