بعد موت امى ستى
خمس سنين...
بقى اسم المشغل معروف، وبقيت أملك ورشة كبيرة فيها عشرات الستات والبنات، وكل واحدة فيهم كانت ليها حكاية وجع شبه حكايتي.
وفي يوم، وأنا براجع الحسابات، دخلت عليّ السكرتيرة وقالت
في راجل مصر إنه يقابلك، وبيقول إنه قريبك.
قلت لها دخليه.
دخل... واتجمدت مكاني.
كان جوز عمتي.
كبر أوي، وشعره كله بقى أبيض.
قعد قدامي وقال أنا جاي أطلب منك تنقذي ابن عمك.
بصيت له باستغراب.
قال أمه ماتت من سنة، وهو بقى لوحده... ومريض ومفيش معاه فلوس العلاج.
سكت شوية، وكمل كل الناس رفضت تساعده بعد اللي عمله.
فضلت ساكتة.
افتكرت كل دمعة نزلت مني بسببه... وكل ليلة نمت فيها مكسورة.
قال وهو بيبكي عارف إنه ميستحقش... لكن مفيش غيرك.
أخدت نفسًا طويلًا وقلت
أنا مش هرجعله... ولا هيفضل له مكان في حياتي.
اتوتر وقال يعني هتسيبيه يموت؟
قلت بهدوء
لا... العلاج هيتدفع كامل، لكن من غير ما يعرف إن الفلوس مني.
بعد أسبوع، اتصل المستشفى وأكدوا إن تكاليف العلاج كلها اتسددت.
ولما عرف بعد خروجه إن في شخص مجهول هو اللي دفع، فضل يسأل ويبحث.
وبعد شهور، عرف الحقيقة.
وقف قدام المشغل، لكن المرة دي ما طلبش يرجعني.
قال والدموع في عينه
أنتِ انتصرتِ... لأنك بقيتِ أحسن مني.
ابتسمت لأول مرة من غير وجع، وقلت
أنا ما انتصرتش عليك... أنا انتصرت على البنت الضعيفة اللي كانوا مقنعينها إنها ملهاش قيمة.
لف وراح في طريقه، وأنا دخلت مكتبي.
بصيت لصورة ستي المعلقة على الحيطة، وقلت
يا ستي... أخيرًا فهمت قصدك. القناعة عمرها ما كانت قبول بالظلم... القناعة إن القلب يرضى بالحلال، لكن الكرامة ما تتباعش مهما كان الثمن.
وأغلقت باب مكتبي، وأنا عارفة إن الحكاية اللي بدأت ببنت كانت بتغسل المواعين ليلة فرحها... انتهت بسيدة صنعت لنفسها مكانة، وأصبحت سببًا في إنقاذ حياة غيرها، دون أن تسمح لأحد أن يكسرها مرة أخرى. تم بعد عدة أشهر...
وفي صباح يوم هادئ، كنت قاعدة في مكتبي، دخلت السكرتيرة وهي مبتسمة وقالت
في سيدة كبيرة مستنياكي بره، ومعاها بنت صغيرة، وبتقول إن عندها أمانة لازم تسلمها لك.
استغربت وطلبت
أول ما دخلت، عرفت إنها كانت جارة ستي زمان.
ابتسمت لي وقالت
قبل ما ستي تموت بأيام، ادتني صندوق صغير وقالتلي لو حفيدتي في يوم بقت قوية وقادرة تقف على رجلها، سلميها الأمانة دي.
اتسمرت مكاني.
فتحت الصندوق بإيدي المرتعشة.
لقيت فيه مصحف قديم، ومنديل كانت ستي دايمًا بتلبسه، ورسالة مكتوبة بخط إيدها.
فتحت الرسالة وأنا ببكي.
كان مكتوب فيها
يا بنتي... لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا خلاص مشيت. يمكن ناس كتير يفتكروا إني علمتك السكات، لكن والله ما كان قصدي كده. أنا علمتك الأدب، مش الذل. علمتك القناعة، مش التنازل عن حقك. ولو جه يوم وحد ظلمك، اوعي تكسري نفسك علشانه. ارفعي راسك، وخدي حقك بالحلال، واعملي الخير حتى للي ظلمك... لأن الخير بيرجع لصاحبه.
حسيت إن ستي أخيرًا جاوبت السؤال اللي كان جوايا من سنين.
خرجت من المكتب، وجمعت كل البنات اللي بيشتغلوا معايا.
وقلت لهم
من النهارده، أي بنت يتيمة أو مالهاش سند، باب المكان ده مفتوح لها تتعلم شغل، وتاخد مرتب يحفظ كرامتها.
البنات سقفوا، وبعضهم كان بيعيط.
وفي آخر اليوم، رجعت البيت، وحطيت رسالة ستي في برواز على الحائط.
كل ما أمر من جنبها، أقرأ آخر سطر فيها
الكرامة رزق... والرزق اللي ربنا يديه للإنسان، ما يفرطش فيه أبدًا.
وكانت دي أعظم ميراث سابته لي ستي... ميراث غيّر حياتي كلها. بعد افتتاح الجمعية الخيرية بسنة...
وصلتني رسالة من المحكمة.
استغربت، لأن كل قضاياي كانت انتهت من زمان.
لما روحت، القاضي طلبني وقال
في وصية باسمك.
اتفاجئت.
الوصية كانت من جوز عمتي، اللي توفى بعد مرض طويل.
كتب فيها
أنا شاهدت الظلم اللي وقع عليها، وسكت، وده أكبر ذنب في حياتي. عشان كده أوصي إن نصيبي من البيت والأرض يروح لها، لأنها أكتر واحدة اتظلمت في العيلة.
خرجت من المحكمة وأنا مش مصدقة.
مش بسبب الفلوس...
لكن لأن أول مرة حد من العيلة يعترف رسميًا إني كنت المظلومة.
لما وصل الخبر لباقي العيلة، حصلت مشاكل كتير.
إخواتي جم يطلبوا مني أتنازل عن الوصية.
قالوا إحنا أولى.
بصيت لهم بهدوء وقلت
لما كنت محتاجة حد يقول كلمة حق،
سكتوا كلهم.
وبعد أيام، بعت البيت القديم.
كان نفس البيت اللي اتكسرت فيه أحلامي، واللي وقفت فيه أغسل المواعين ليلة فرحي.
أول ما استلمت ثمنه، قررت أعمل حاجة مختلفة.
بنيت دارًا صغيرة لاستقبال البنات اليتيمات والمُعنَّفات، يكون لهم مكان آمن يتعلموا فيه ويشتغلوا ويبدأوا حياة جديدة.
وعلّقت على باب الدار لافتة كبيرة مكتوب عليها
دار ستي للكرامة.
كل بنت كانت تدخل من الباب، كنت أشوف فيها نفسي وأنا صغيرة.
وأقول لها بابتسامة
هنا... محدش هيكسرك، ومحدش هيقولك إنك خدامة. هنا إنتِ إنسانة، وليكي قيمة.
وفي ليلة الافتتاح، وقفت أبص للسماء، وقلت
يا ستي... يمكن ماقدرتش أعيش طفولتي، لكن هساعد غيري يعيش حياته بكرامة.
وشعرت لأول مرة أن كل الألم الذي مررت به لم يذهب هباءً، بل تحول إلى نور يضيء طريق غيري.
وهنا انتهت الحكاية فعلًا... لأن نهاية الظلم ليست الانتقام، بل أن تنجو منه، وألا تسمح له أن يصنع منك شخصًا قاسيًا. بعد افتتاح دار ستي للكرامة بشهور، كنت ماشية في الممر، لقيت بنت صغيرة قاعدة في ركن لوحدها وبتعيط.
قعدت جنبها وقلت مالك يا حبيبتي؟
بصتلي وقالت بيقولوا إني يتيمة ومليش حد.
وقلت بصي حواليكي... كل اللي هنا أهلك، وأنا أولهم.
ابتسمت لأول مرة.
في اللحظة دي، افتكرت نفسي وأنا في سنها، لما كنت مستنية حد يقولي الكلمة دي وما لقيتهاش.
ومن يومها قررت إن الدار مش هتكون مكان للأكل والنوم بس، لكن هتكون بيت حقيقي.
كبر المشروع، وبقى فيه فصل لمحو الأمية، وورشة خياطة، وحضانة لأولاد السيدات اللي بيشتغلوا.
وفي يوم، وأنا خارجة من الدار، شفت عربية وقفت قدام الباب.
نزل منها شاب محترم في أواخر الثلاثينات، ومعاه والدته.
سأل عني.
دخل المكتب وقال أنا متابع شغلك من سنين، ووالدتي كانت من أكبر الداعمين للجمعية.
شكرته.
وبعدين قال بتردد أنا مطلق وعندي بنت صغيرة... وجيت أطلب إيدك.
ابتسمت في هدوء.
وقلت أنا مش خايفة من الجواز... لكن خايفة أرجع أعيش اللي عشته.
رد من غير تردد لو في يوم حسيتِ إن كرامتك اتأذت، يبقى أنا ما استحقكيش.
الكلمة دي هزت قلبي...
لأنها كانت
طلبت منه وقت أفكر.
وبعد شهور من الاستخارة والسؤال عنه، وافقت.
المرة دي كان فرحي بسيط.
مفيش مظاهر ولا صخب.
لكن كان فيه حاجة عمري ما شفتها في فرحي الأول...
الاحترام.
ولما دخلت بيتي الجديد، لقيت زوجي ماسك صينية عليها فنجانين قهوة، وابتسم وقال
اتفضلي... أنا اللي عامل القهوة النهارده.
ضحكت من قلبي لأول مرة.
وافتكرت ليلة فرحي الأولى... لما أول طلب سمعته كان اعمليلي فنجان قهوة.
أما النهارده...
فكان أول صوت سمعته
إنتِ تعبتِ كتير... ودلوقتي جه دورك ترتاحي.
وساعتها عرفت أن الله قد يؤخر العوض، لكنه إذا جاء... أنسى القلب كل ما مضى. النهاية
مرت عشر سنوات...
لم يعد أحد يناديني باسم الخدامة، ولا بنت مالهاش حد.
أصبحت زوجة لرجل احترمني، وأمًا لأطفال تربوا على أن الإنسان يُقاس بأخلاقه، لا بماله ولا بنسبه.
أما دار ستي للكرامة، فكبرت وأصبحت ملجأ لعشرات البنات، وكل واحدة كانت تخرج منها وهي تعرف أن لها قيمة وحقًا في حياة كريمة.
وفي
يوم، وقفت أمام قبر ستي ومعي أولادي.
قلت لهم هنا نايمة الست اللي ربتني.
سألني ابني هي كانت طيبة؟
ابتسمت وقلت كانت طيبة جدًا... لكنها كانت عايشة في زمن كانوا فاكرين فيه إن البنت لازم تستحمل كل حاجة.
وضعت باقة ورد على قبرها، وقرأت الفاتحة، ثم همست
اطمني يا ستي... وصيتك وصلت. علمت ولادي القناعة، لكن علمتهم كمان إن السكوت على الظلم مش فضيلة، وإن الكرامة حق ما ينفعش حد يفرط فيه.
وأنا خارجة من المقابر، رن هاتفي.
كانت إحدى البنات اللاتي تربين في الدار.
قالت وهي تبكي من الفرحة يا أمي... اتعينت مدرسة.
ابتسمت ودموعي نزلت، وقلت لها أنا فخورة بيكي يا بنتي.
قفلت الهاتف، ورفعت بصري للسماء.
وقتها فقط، شعرت أن كل ليلة بكيت فيها، وكل ظلم تحملته، لم يضع عند الله.
فقد أخذ مني أمي وأنا صغيرة، لكنه رزقني جدة غرست في قلبي الخير، ثم رزقني القوة لأميز بين الصبر والذل، وبين القناعة والتنازل عن الحق.
العبرة من الحكاية
القناعة كنز... لكن الكرامة أغلى من أي كنز.
والصبر عبادة... لكنه لا يعني أن
أما الله، فقد يمهل الظالم، لكنه لا ينسى المظلوم، ويأتي العوض في وقته، أجمل مما يتخيل الإنسان.
تمت بحمد الله.