بعد موت امى ستى

لمحة نيوز

بكمية رخص وقلة قيمة عمري ما تخيلت إني هعيشها. وفي وسط وجعي، سمعت ضحكة العروسة وهي طايرة من الفرحة بكلامه، وكأن كرامتي اللي اتدست تحت رجليهم كانت هي المهر اللي بيقدمهولها عشان يرضيها.
ياترى هتفضل ساكته وراضيه بالذل ده ولا هتروح فين ؟؟
الكاتبه_امانى_سيد
ومننساش نذكر الله
القصة كاملة اول التعليق خرجت من عند قبر ستي وأنا حاسة لأول مرة إن نفسي خفيفة، لكن كنت عارفة إن اللي جاي مش هيبقى سهل.
بعد يومين، وأنا في الشغل، لقيت رقم غريب بيرن.
رديت.
لقيت صوت بابا.
قال بصوت واطي ارجعي يا بنتي... الناس أكلوا وشي بالكلام.
ابتسمت بمرارة وقلت فاكر إن ليك بنت؟ من يوم ما سلمتني ليهم من غير ما تسألني وأنا مت بالنسبة لك.
سكت شوية وقال أنا غلطت.
قلت الغلط اللي ينكسر بيه عمر بني آدم مش بيتصلح بكلمة آسف.
وقفلت السكة.
بعدها بكام يوم، جه جوزي بنفسه قدام المشغل.
كان شكله متبهدل، ولأول مرة شفته واقف مطاطي راسه.
قال تعالي نرجع ونفتح صفحة جديدة.
ضحكت.
قلت صفحة جديدة؟ وإنت فاكر إني نسيت أول ليلة جواز؟ ولا نسيت الضرب؟ ولا لما قدمتني لعروستك على إني شغالة؟
قال بسرعة أمي هي السبب... كانت بتحركني.
بصيت له بثبات.
الراجل اللي يمشي ورا ظلم أمه وهو شايف الحق، يبقى شريك في الظلم.
سكت ومقدرش يرد.
وفي اللحظة دي خرج صاحب المشغل، وكان راجل كبير في السن، وشافه واقف.
قال له بمنتهى الحزم البنت دي بقت في حمايتي طول ما هي هنا. لو شوفتك قربت منها تاني هبلغ الشرطة.
مشي وهو بيبصلي بنظرة ندم، لكن الندم جه متأخر.
مرت الشهور...
واتعلمت الخياطة باحتراف، وبقيت المسؤولة عن البنات الجداد في المشغل.
وفي يوم، وأنا قاعدة بشتغل، دخلت ست كبيرة لابسة إسدال أبيض.
أول ما رفعت عيني، اتجمدت.
كانت عمتي.
وشها شاحب، وشعرها كله شاب.

قربت مني وقالت سامحيني... أنا تعبانة ومحدش راضي يبص في وشي.
بصيت لها بهدوء.
افتكرت كل ليلة نمت فيها وأنا بعيط... وكل مرة ضربتني فيها... وكل مرة قالت إني خدامة.
قالت وهي بتبكي أنا بدفع تمن كل حاجة عملتها فيكي.
أخدت نفسًا طويلًا، وقلت أنا سامحتك بيني وبين ربنا... لكن مستحيل أرجع أعيش تحت ظلمك تاني.
خرجت من عندي وهي بتبكي.
أما أنا...
رجعت أكمل شغلي، وأنا حاسة إن ربنا أخيرًا عوضني بحاجة أغلى من أي بيت وأي جواز...
عوضني بكرامتي، وبنفسي اللي رجعتلي بعد سنين من الضياع عدّت سنة كاملة...
وفي يوم، كنت قاعدة في المشغل، لقيت عربية فخمة وقفت قدام الباب. نزل منها راجل كبير في السن، ومعاه بنت صغيرة.
دخل وسأل مين الأستاذة...؟
أشاروا عليّ.
قرب وقال أنا سمعت عن شغلك وأمانتك، وعندي مصنع ملابس، وعايز حد أمين يدير قسم التفصيل.
وافقت بعد تفكير، وكانت أول مرة في حياتي حد يختارني علشان كفاءتي، مش علشان أخدمه.
اشتغلت بكل إخلاص، وخلال شهور بقيت من أهم العاملين في المصنع.
وفي المقابل...
وصلني خبر إن عمتي باعت الشقة اللي كانت متمسكة بيها عشان تسدد ديون ابنها.
أما ابنها، فبعد ما الناس عرفت اللي عمله، محدش بقى يثق فيه، وخسر شغله، وكل اللي كانوا حواليه بعدوا عنه.
وفي يوم، وأنا خارجة من المصنع، لقيته واقف على الرصيف.
كان باين عليه التعب.
قال أنا جعان... ومش لاقي شغل.
افتكرت الأيام اللي كنت باكل فيها بقايا الأكل بعد ما الكل يخلص.
لكن قلبي ما بقاش فيه كراهية.
طلعت مبلغ من شنطتي واديتهوله.
قال وهو مستغرب بعد كل اللي عملته فيكي؟
قلت بهدوء أنا مش بساعدك علشان تستحق... أنا بعمل كده علشان ما أبقاش شبهك.
وسبتُه ومشيت.
بعدها بأيام، جالي اتصال من المحامي.
قال في خبر حلو... المحكمة ألزمته يدفع لك كل
حقوقك المتأخرة، والحكم بقى نهائي.
قفلت المكالمة، وسجدت لله شكرًا.
وقفت قدام المراية في بيتي الصغير اللي استأجرته من تعبي، وافتكرت البنت اللي كانت بتغسل المواعين ليلة فرحها.
ابتسمت وقلت لنفسي
النهارده بقيت ست بيت بحق... في بيت اخترته أنا، وحياة بنيتها بإيدي، ومن غير ذل ولا إهانة.
وهكذا انتهت رحلة الألم، وبدأت رحلة الكرامة... لأن الإنسان قد يتحمل الفقر، لكنه لا ينبغي أن يقبل أبدًا أن يعيش بلا احترام ولا قيمة. تم بعد مرور عدة أشهر، كنت بدأت أستعيد هدوئي، وحياتي بقت مستقرة لأول مرة.
وفي صباح يوم جمعة، كنت قاعدة في البيت، لقيت حد بيخبط على الباب.
فتحت...
اتفاجئت بأخويا الكبير واقف قدامي.
أول ما شافني، وطّى راسه وقال إحنا ظلمناكي... وسكتنا وإحنا شايفين اللي بيحصلك.
بصيتله وسألته فاكر الكلام ده بعد كام سنة؟
قال والدموع في عينه والله كل يوم كنت بندم، بس كنت جبان.
دخل وقعد شوية، وبعدها طلع ظرف من جيبه وقال دي فلوس من نصيبك في أرض أمي... بابا كان مخبي حقك، وإحنا قررنا نرجعهولك.
بصيت للظرف، لكن مردتش آخده.
قلت أنا هخد حقي بالقانون، مش بالمنة.
هز راسه وقال عندك حق.
ومشي.
بعد أسبوع، صدر الحكم بالفعل، وأثبت حقي في الميراث، وأجبر والدي وإخوتي على إعطائي نصيبي كاملًا.
كان أول مبلغ كبير يدخل حياتي.
بدل ما أصرفه في مظاهر، اشتريت شقة صغيرة باسمي.
وأول حاجة عملتها...
علقت على بابها لوحة مكتوب عليها
هذا البيت بُني بالكرامة، وليس بالخضوع.
كل ما أدخل البيت، أفتكر البنت اللي كانت بتنام وهي خايفة، وتصحى تجري على المطبخ قبل ما حد يناديها.
أما الآن...
فما بقاش في حياتي حد يرفع صوته عليّ، ولا حد يأمرني، ولا حد يعتبرني خدامة.
تعلمت أن الطاعة شيء، والذل شيء آخر.
وتعلمت أن الصمت أمام الظلم
لا يحل المشكلة، بل يجعل الظالم يتمادى أكثر.
ولأول مرة منذ وفاة أمي، شعرت أنني أعيش الحياة التي كنت أستحقها منذ البداية، وأن دعوة ستي لي كانت تتحقق أخيرًا...
أن أكون إنسانة كريمة، لا تؤذي أحدًا، ولا تسمح لأحد أن يهينها وبعد سنتين...
كنت بقيت صاحبة مشغل صغير باسمي، واشتغل معايا بنات كتير ظروفهم كانت شبه ظروفي. كنت دايمًا أقول لهم
الشغل مش عيب... لكن الذل هو العيب.
وفي يوم، وأنا قاعدة في المكتب، دخلت عليا سكرتيرة المشغل وقالت
في ست كبيرة برا، بتقول إنها قريبتك وعايزة تشوفك.
خرجت...
ولما بصيت، اتصدمت.
كانت مرات أبويا.
وشها كان باين عليه الإرهاق، وقالت وهي بتبكي
أبوكي تعبان جدًا... وكل يوم بينادي باسمك.
وقفت ساكتة شوية، وبعدين قلت
أنا هزوره... لأنه أبويا، لكن اللي فات مستحيل يتنسى.
روحت المستشفى.
لقيته نايم على السرير، أول ما شافني دموعه نزلت.
قال بصوت ضعيف
سامحيني... أنا بعتك بإيدي.
مسكت إيده، وقلت
أنا مسامحاك لوجه الله... لكن يا ريت لو الزمن يرجع، ما تكررش اللي عملته مع أي بنت.
بكى لأول مرة قدامي.
بعد أيام قليلة، توفي.
حضرت جنازته، ودعيت له بالرحمة، ورجعت بيتي من غير حقد.
مرت الشهور...
وفي افتتاح الفرع الجديد للمشغل، كانت القاعة مليانة ناس.
وأثناء الحفل، شفت بنت صغيرة واقفة مع جدتها، نفس النظرة اللي كانت في عيني وأنا طفلة.
قربت منها وسألتها
بتدرسي؟
الجدة نزلت راسها وقالت
ظروفنا صعبة... وكانت هتسيب المدرسة.
ابتسمت وقلت
من النهارده مصاريف تعليمها كلها عليّ.
الجدة فضلت تدعيلي وهي بتبكي.
بصيت للبنت وافتكرت نفسي...
وقتها فهمت إن أجمل انتقام من اللي كسروك، إنك تبقى سبب في جبر غيرك.
ومن يومها، بقيت أتكفل كل سنة بتعليم بنت يتيمة أو محتاجة، وكنت كل ما أشوف واحدة منهم تحقق
حلمها، أحس إن روح ستي بتبتسم لي من بعيد.
وهكذا انتهت الحكاية... ليس بانتصار المال، بل بانتصار الكرامة، والرحمة، والعدل. بعد
تم نسخ الرابط