اخويا قعدنى على ترابيزة العيال فى الفرح

لمحة نيوز

كلامه، فضحكت وقالت
خلاص يا كريم... خلصنا من القصة دي من زمان.
رد وهو يبتسم
يمكن إحنا خلصناها... لكن لازم كل أب وأم وأخ يسمعوها، عشان ميكرروش غلطتي.
في تلك اللحظة، دخل ياسين، الذي أصبح مهندسًا شابًا، ومعه مجموعة من الأطفال المشاركين في المؤسسة.
اقترب من جنى وقال
فاكرة أول تنين رسمتيهولي؟
ضحكت وقالت
فاكرة.
ناولها إطارًا زجاجيًا صغيرًا.
كان بداخله الورقة القديمة... أول رسمة للتنين الأخضر بالنار الخضراء، محفوظة بعناية طوال هذه السنين.
لم تتمالك جنى نفسها، واغرورقت عيناها بالدموع.
قال ياسين
الرسمة دي كانت أول مرة حد يحسسني إن أفكاري تستحق الاهتمام.
احتضنته جنى، ثم رفعت الرسمة أمام الحضور وقالت
يمكن كلمة طيبة، أو رسمة بسيطة، أو موقف صغير... يغيروا حياة إنسان من غير ما نحس.
وقف الجميع يصفق.
وفي زاوية القاعة، كانت هناك ترابيزة صغيرة عليها لافتة كتب عليها
ترابيزة 19
لكنها لم تكن مخصصة للأطفال...
كانت مخصصة لأي شخص يشعر يومًا أنه غير مرئي، ليجلس عليها، ويحكي حلمه، ويجد من يستمع إليه.
وهكذا، تحولت أكثر لحظة مؤلمة في حياة جنى... إلى باب أمل لآلاف الأشخاص.
وهذا كان أعظم نجاح حققته في حياتها بعد مئة عام...
لم يعد أحد يعرف شكل جنى الحقيقي.
اختفت الصور القديمة، وبهتت الألوان، وتغيّرت المدن، لكن بقي اسم واحد يتردد في كتب المدارس وقصص الأطفال
حكاية ترابيزة
19.
لم تكن تُدرَّس لأنها قصة عن فتاة ناجحة...
بل لأنها قصة عن الكرامة.
في إحدى المدارس، سأل المعلم تلاميذه
لو لقيتوا زميلًا قاعد لوحده في الفصل، هتعملوا إيه؟
رفعت طفلة صغيرة يدها وقالت
هقعد جنبه.
ابتسم المعلم وسألها
وليه؟
قالت بثقة
عشان يمكن بعد مئة سنة يحكي الناس عن اللحظة دي، زي ما حكوا عن ترابيزة 19.
ابتسم المعلم، وأغلق الكتاب.
وفي آخر الصفحة كانت الجملة التي أصبحت شعارًا يردده الجميع
لا أحد يصغر لأنه جلس في آخر القاعة... وإنما يصغر من يظن أن مكان الآخرين يحدد قيمتهم.
وفي مكان بعيد، كانت شجرة كبيرة قد زُرعت يوم افتتاح مؤسسة جنى.
كبرت الشجرة، وصارت تظلّل كل من يجلس تحتها.
وكان الناس يطلقون عليها اسم
شجرة جنى.
لا لأنها زرعتها...
بل لأنها كانت تؤمن أن الخير يشبه الأشجار.
قد لا يجلس من زرعها تحت ظلها يومًا...
لكن سيأتي غيره لينعم به.
وهكذا، بقي اسم جنى حيًا، ليس في الحجر ولا في الصور...
بل في كل قلب اختار الرحمة بدل التكبر، والاحترام بدل السخرية، والاحتواء بدل الإقصاء.
وهذه هي النهاية الأخيرة...
لأن بعض الحكايات لا تنتهي بموت أصحابها، بل تبدأ من الأثر الذي يتركونه وراءهم بعد خمسين عامًا...
لم يبقَ أحد ممن حضروا ذلك الفرح.
تغيّرت المدينة، وتغيّرت الوجوه، وهُدم الفندق الذي أقيمت فيه الليلة التي بدأت منها الحكاية.
لكن في المكان نفسه، بُني مركز
ثقافي كبير.
وفي مدخله كانت توجد قطعة زجاجية، بداخلها ورقة قديمة اصفرّ لونها مع الزمن.
ورقة توزيع الترابيزات...
وعند ترابيزة رقم 19 كانت هناك ملاحظة صغيرة كتبها أحدهم
من هنا بدأت قصة غيّرت حياة آلاف الناس.
كان الزوار يقفون أمامها باستغراب.
كيف يمكن لرقم على ورقة أن يصبح رمزًا؟
فتشرح لهم المرشدة
لأن صاحبة هذا الرقم لم تجعل الإهانة نهاية حياتها... بل جعلتها بداية رسالتها.
وفي كل عام، كان المركز يمنح جائزة باسم جائزة ترابيزة 19.
لا تُمنح لأغنى شخص...
ولا لأشهر شخص...
بل لمن أعطى فرصة لإنسان لم يكن أحد يراه.
وفي إحدى حفلات التكريم، وقف طفل في الثانية عشرة من عمره، وقال أمام الجميع
أنا كنت طفلًا خجولًا، وكل الناس كانت تضحك على رسوماتي... لحد ما معلمتي شجعتني. لو هي ما صدقتنيش، ما كنتش واقف هنا النهارده.
صفق الجميع بحرارة.
وفي آخر القاعة، كانت لوحة كبيرة تحمل صورة جنى وهي تبتسم، وأسفلها كلماتها الأخيرة
إذا وجدت شخصًا يجلس وحده... فلا تسأله لماذا هو هناك، بل اجلس بجواره. ربما تكون أنت بداية تغيير حياته.
خرج الحضور من القاعة وهم يحملون هذا المعنى في قلوبهم.
وهكذا، لم تعد ترابيزة 19 مجرد رقم...
بل أصبحت رمزًا لكل إنسان رفض أن يسمح للإهانة بأن تكسر روحه، واختار أن يحولها إلى خيرٍ يبقى بعده.
وهنا... تنتهي الحكاية، لكن لا تنتهي رسالتها أبدًا مرت سنوات
طويلة، وتفرقت الطرق، ورحل بعض الأحبة، وكبر من بقي منهم.
وفي يوم هادئ، عادت جنى إلى القاعة التي بدأت فيها كل الحكاية. لم تكن قاعة أفراح هذه المرة، بل أصبحت مركزًا مجتمعيًا يستضيف الأطفال والشباب.
وقفت في المكان الذي كانت فيه ترابيزة رقم 19.
ابتسمت، ولم تشعر بأي ألم.
قالت لنفسها
سبحان الله... يومها كنت فاكرة إن حياتي انتهت، وماكنتش أعرف إنها لسه هتبدأ.
وفي تلك اللحظة، دخل كريم ببطء، وقد غزا الشيب شعره.
وقف بجوارها وقال
لو فيه أمنية واحدة أتمنى تتحقق، فهي إني أرجع اليوم ده وأعاملك بالشكل اللي تستحقيه.
ابتسمت جنى وربتت على كتفه.
وقالت
لو رجع الزمن، يمكن ما كنتش هبقى جنى اللي واقفة قدامك دلوقتي. ربنا بيخرج الخير حتى من أصعب المواقف.
سكت كريم، ثم احتضن أخته طويلًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن بينهما اعتذار، ولا عتاب، ولا دموع...
كان بينهما سلام.
خرجا من القاعة معًا، فإذا بمجموعة أطفال يركضون ويضحكون في الحديقة.
اقترب طفل صغير من جنى وسألها
هو حضرتك تعرفي ترسمي تنين؟
ضحكت من قلبها، وجلست على الأرض، وأخذت ورقة وقلمًا، ورسمت له تنينًا أخضر بجناحين كبيرين... تمامًا كما فعلت منذ سنوات مع ياسين.
نظر إليها كريم وابتسم.
فهم أن بعض الناس لا يغيّرهم النجاح، بل يزيدهم تواضعًا.
وفي نهاية اليوم، أغلقت جنى دفترها الأخير، وكتبت فيه سطرًا واحدًا
سامحت كل من ظلمني،
لأن قلبي يستحق السلام أكثر مما يستحق الانتقام.
ثم أغلقت الدفتر، ومشت في طريقها مطمئنة.
تمت.

تم نسخ الرابط