اخويا قعدنى على ترابيزة العيال فى الفرح

لمحة نيوز

طلع على المسرح ماكانش عمر...
كانت جنى.
وقف عمر وقال أمام الجميع
أي شركة ناجحة محتاجة قيادة تعرف تحكي الحكاية الصح... ومن النهارده، أقدم لكم المدير الإبداعي لشركتنا... الأستاذة جنى.
وقف الحضور يصفق بحرارة.
وكان أول واحد واقف بيصفق بكل فخر...
كريم.
المرة دي، ماكانش بيحاول يبهر حد.
كان فخور بأخته فقط.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب منها وقال مبتسمًا
فاكرة ترابيزة الأطفال؟
ضحكت وقالت
أيوه.
قال
لو الزمن رجع... كنت هقعد جنبك عليها.
ابتسمت وربتت على كتفه وقالت
المهم إنك عرفت مكانك الحقيقي... جنب أهلك، مش فوقهم.
وفي تلك اللحظة، أدرك كريم أن أغلى نجاح حققه في حياته لم يكن صفقة، ولا منصبًا، ولا صورة مع رجل أعمال... بل أنه استعاد أخته قبل أن يخسرها إلى الأبد بعد خمس سنوات...
كان اسم جنى بقى معروف في كل مؤتمر وكل شركة كبيرة.
لكن رغم شهرتها، لسه كانت بتشتغل من نفس المكتب الصغير اللي بدأت منه، ونفس المج اللي كانت بتشرب فيه قهوتها كل صباح.
وفي يوم، وصلها اتصال من مدرسة ياسين.
قالت لها المديرة
إحنا عاملين يوم للمهن، وكل طفل هيستضيف شخص ناجح يحكي عن شغله... وياسين مصر إن حضرتك تيجي.
ضحكت ووافقت.
دخلت المدرسة وسط تصفيق الأطفال.
وقفت قدام الفصل وقالت
مين فيكم يعرف يعني إيه نجاح؟
رفع طفل إيده وقال
إن يبقى عندي فلوس كتير.
وقالت طفلة
إن الناس كلها تعرف اسمي.
أما ياسين، فابتسم وقال
النجاح إنك تفضل محترم حتى لما الناس تقلل منك.
سكتت جنى للحظة، وشعرت أن الدرس الذي عاشته بنفسها وصل إلى جيل جديد.
بعد انتهاء الندوة، طلبت منها المديرة أن تكتب جملة في لوحة الشرف الخاصة بالمدرسة.
أمسكت القلم وكتبت
لا تسمح لأحد أن يحدد قيمتك بالمكان الذي أجلسك فيه، فمكانتك الحقيقية يصنعها خلقك وعملك.
بعد أيام، انتشرت صورة اللوحة على مواقع التواصل، ووصلت إلى
آلاف الأشخاص.
قرأها كريم وهو في مكتبه، فابتسم واتصل بأخته.
قال لها
لسه بتعلم منك كل يوم.
ضحكت وقالت
وأنا كمان... لسه بتعلم إن الاعتذار الصادق يقدر يصلح حاجات كتير.
أغلق الهاتف، ونظر كل واحد منهما إلى حياته، وقد أدركا أن أكثر ما يبقى في النهاية ليس النجاح ولا الشهرة، بل الأشخاص الذين وقفوا إلى جوارك عندما لم يرَ الآخرون قيمتك.
وهكذا أصبحت ترابيزة الأطفال مجرد ذكرى... لكنها ظلت دائمًا بداية الحكاية التي غيّرت حياة الجميع مرّت ستة أشهر.
وفي يوم جمعة، كانت أمي هي اللي اتصلت بيا.
صوتها كان متردد.
جنى... هتيجي الغدا النهارده؟
استغربت.
من سنين، عمري ما سمعتها بتكلمني بالنبرة دي.
قلت
في مناسبة؟
قالت
لأ... بس البيت ناقص من غيرك.
روحت.
أول ما دخلت، لاحظت إن كل حاجة مختلفة.
أبويا قام من مكانه أول ما شافني، وسلم عليّا بحضن طويل.
حتى كريم، أول ما دخل، قام وقف وقال قدام الكل
قبل ما ناكل... أنا عايز أقول حاجة.
سكت الجميع.
بصلي وقال
أنا كنت فاكر إني بحمي صورتي قدام الناس، لكن الحقيقة إني كنت بهد أجمل علاقة في حياتي.
ثم مد إيده وناولني برواز صغير.
فتحته.
كانت صورة من الفرح.
لكنها مش صورته هو والعروسة.
كانت صورة ليا وأنا قاعدة على ترابيزة الأطفال، وياسين واقف جنبي بيضحك وأنا برسم له التنين.
استغربت.
قال
دي أكتر صورة علمتني درس في حياتي.
أمي بدأت تعيط.
وقالت
إحنا آسفين يا بنتي... كنا بنقيس النجاح بالغلط.
ابتسمت ومسحت دموعها.
وقلت
المهم إننا فهمنا قبل ما العمر يضيع.
في نفس اللحظة، رن جرس الباب.
دخل ياسين مع مامته.
أول ما شافني، جري عليّا وقال
جنى... رسمت التنين الجديد؟
ضحكت وقلت
لسه مستنيك.
طلع من شنطته كراسة رسم.
ولما فتحها، لقيت أول صفحة فيها رسمة كبيرة.
أنا وهو، قاعدين جنب بعض.
وفوق الرسمة مكتوب بخط أطفال
صاحبتي جنى.
وقتها
حسيت إن كل الجوائز والعقود اللي خدتها في حياتي، ما كانتش تساوي الفرحة البسيطة دي.
بعدها بأيام، أعلنت إحدى المجلات الاقتصادية قائمة أكثر الشخصيات تأثيرًا في مجال صناعة المحتوى.
وكان اسم جنى بينهم.
الصحفي سألها أثناء اللقاء
لو رجع بيكي الزمن، إيه أول حاجة هتغيريها؟
ابتسمت وقالت
ولا حاجة... لأن أصعب المواقف هي اللي عرفتني مين بيحبني بجد، ومين كان بيحب الصورة اللي رسمها عني.
انتشرت الجملة على مواقع التواصل.
ولما شافها كريم، احتفظ بصورة المقابلة على مكتبه.
كل يوم يبص عليها، ويفتكر إن احترام الناس يبدأ من احترام أقرب الناس ليك.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن الدرس فضل يعيش مع كل واحد سمعها
قد يجلس الإنسان على أبعد ترابيزة في القاعة... لكنه يظل صاحب أعلى قيمة، إذا عرف نفسه ولم يسمح لأحد أن يحدد مكانته بعد ثلاثين عامًا...
كانت جنى قد تجاوزت الستين، وقررت أخيرًا تكتب كتابًا عن حياتها.
لكنها رفضت تحط اسمها على الغلاف.
واختارت عنوانًا واحدًا فقط
ترابيزة 19
أول ما نزل الكتاب، حقق نجاحًا كبيرًا، والناس افتكرت إنه مجرد رواية.
ولا أحد عرف أنه يحكي قصة حقيقية.
وفي حفل توقيع الكتاب، وقف شاب وسألها
لو رجع بيكي الزمن، ولقيتي نفسك واقفة عند باب القاعة يوم فرح أخوكي... هتعملي إيه؟
ابتسمت جنى، وساد الصمت في القاعة.
ثم قالت
هحضنه.
اتصدم الحضور.
وأكملت
لأن الإنسان اللي يجرح غيره بالشكل ده... بيكون محتاج يتعلم الحب أكتر من أي حاجة تانية. ولو كنت عرفت وقتها اللي أعرفه دلوقتي، كنت هسامحه أسرع.
في الصف الأول، كان كريم يجلس على كرسي متحرك بعدما تقدمت به السن.
أطرق رأسه وهو يمسح دمعة نزلت من عينه.
وبعد انتهاء الحفل، طلب الكلمة.
وقف بصعوبة، وقال
أنا كنت بفتكر إن النجاح هو إن الناس تعرف اسمي... لكن لما أكبر، اكتشفت إن النجاح الحقيقي هو إن أختي
لسه راضية عني.
صفق الجميع بحرارة.
اقتربت جنى منه، واحتضنته طويلًا.
وفي طريق العودة، مرّا على القاعة القديمة التي أقيم فيها الفرح.
كانت قد تحولت إلى مكتبة عامة.
دخلاها معًا.
وفي الركن البعيد، حيث كانت ترابيزة الأطفال يومًا ما، جلس طفل صغير يرسم تنينًا أخضر بجناحين كبيرين.
ابتسمت جنى.
سألها الطفل
حضرتك تعرفي ترسمي تنانين؟
ضحكت وجلست بجواره.
أخذت القلم من يده، ورسمت له نفس التنين الذي رسمته لياسين منذ ثلاثين عامًا.
نظر إليها الطفل بسعادة وقال
شكرًا.
خرجت جنى من المكتبة وهي تبتسم.
قال كريم
لسه بترسمي التنين؟
أجابت وهي تنظر إلى السماء
أيوه... لأن في كل طفل محتاج حد يصدق خياله، وفي كل إنسان كبير لسه جواه طفل مستني كلمة تشجيع.
أمسك كريم بيد أخته، وسارا ببطء.
ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا، لم تعد ترابيزة 19 ذكرى مؤلمة...
بل أصبحت رمزًا للأمل، والبدايات الجديدة، والقلوب التي تعلمت ألا تحكم على أحد من مكانه.
النهاية بعد خمسة عشر عامًا...
في صباح هادئ، كانت جنى تقف أمام مبنى جديد يحمل لافتة كبيرة
مؤسسة ترابيزة 19 لتنمية المواهب الشابة.
ابتسمت وهي تتأمل الاسم.
كل الصحفيين سألوها يوم الافتتاح
ليه اخترتِ اسم ترابيزة 19؟
ابتسمت وقالت
لأنها كانت أبعد ترابيزة في القاعة... لكنها كانت أقرب مكان عرفت فيه حقيقتي.
دخل الأطفال والشباب إلى القاعة، وكل واحد فيهم كان عنده حلم صغير، لكن خايف حد يستهين بيه.
وقفت جنى على المسرح وقالت
يمكن حد فيكم اتقال له إنه مش كفاية... أو إن حلمه ملوش قيمة. أنا كمان سمعت الكلام ده. لكن متصدقوش.
في الصف الأول، كان كريم يجلس مع زوجته وأولاده.
هذه المرة، لم يكن يتصدر المشهد، بل كان يصفق لأخته بكل فخر.
وبعد انتهاء الحفل، اقتربت منه صحفية وسألته
حضرتك أخو الأستاذة جنى... إيه أكتر درس اتعلمته منها؟
ابتسم وقال
إن
أقرب الناس ليك ممكن يكونوا كنز، لكن غرورك يعميك عنه.
ثم نظر إلى جنى وقال أمام الجميع
ولو الزمن رجع بيا ألف مرة... مستحيل أخليها تقعد غير جنبي.
سمعت جنى
تم نسخ الرابط