قدام الشركة
زينب شهادة ميلادها، وقدم الجارحي الكبير الأوراق التي تثبت نسبها.
بعد مراجعة طويلة...
قادهم المدير إلى غرفة الخزائن.
أدخل المفتاح الأول، ثم طلب من زينب أن تدخل المفتاح الذي وجدوه داخل الدفتر.
صدر صوت خافت...
ثم انفتح باب الخزنة ببطء.
في الداخل كان يوجد صندوق خشبي صغير.
حمله مهران ووضعه على الطاولة.
فتح الصندوق...
فوجدوا بداخله مجموعة خطابات، وبعض الصور، وعقد بيع قديم، وجهاز تسجيل صغير.
نظر الجارحي الكبير إلى جهاز التسجيل وقال
ده كان بتاع أبويا... كان بيسجل عليه كل حاجة مهمة.
شغله مهران.
خرج صوت رجل مسن
أنا الجارحي الكبير... لو حد بيسمع التسجيل ده، يبقى أعرف إن الحقيقة لازم تظهر. فايزة بنتي بريئة، ومنصور بريء. اللي لفّق لهم التهمة هو شريكي السابق علشان يستولي على جزء من أملاك العيلة. وأنا عرفت الحقيقة متأخر... لكن قدرت أرجع كل الحقوق بالأوراق دي.
ساد الصمت.
زينب انفجرت في البكاء.
أما الجارحي الكبير، فجلس على الكرسي وهو يغطي وجهه بيديه.
قال بصوت مكسور
يا بنتي... ظلمت أمك سنين طويلة.
وفي نفس اللحظة...
دخل أحد رجال الأمن مسرعًا وقال لمهران
يا فندم... في محاولة لسرقة مكتبك في الشركة الليلة، لكن الكاميرات صورت الجناة.
نظر مهران بسرعة إلى الشاشة التي عرضها رجل الأمن...
واتسعت عيناه.
الشخص الذي ظهر في التسجيل لم يكن غريبًا...
كان سليم، ابن عمه، يقود المجموعة بنفسه.
أغلق مهران الشاشة وقال بهدوء شديد
انتهى اللعب... والمرادي، محدش هيهرب من الحساب خرج مهران من البنك وهو ماسك الصندوق بإيده، لكن ملامحه كانت هادئة بشكل أخاف كل اللي حواليه.
ركب العربية وقال لمحمود
على الشركة... واستدعي كل أفراد مجلس الإدارة والعيلة.
بعد ساعتين...
قاعة الاجتماعات في برج الجارحي كانت مليانة.
سليم كان قاعد بثقة، وكأنه مفيش حاجة حصلت.
مهران دخل، وخلفه الجارحي الكبير وزينب.
حط الصندوق الخشبي على الترابيزة.
وقال بهدوء
الاجتماع النهارده مش عشان شغل... الاجتماع عشان الحقيقة.
بدأ يعرض الأوراق، ثم شغّل التسجيل أمام الجميع.
الصمت خيم على القاعة.
كل واحد كان بيبص للتاني، وسليم بدأ العرق يظهر على جبينه.
مهران بص له مباشرة وقال
تحب أجيب كمان تسجيل كاميرات الشركة؟ ولا تعترف بنفسك؟
سليم حاول يتمالك نفسه وقال
دي مؤامرة... التسجيلات متفبركة.
في اللحظة دي، دخل محمود ومعاه رجال الأمن.
وقال
يا فندم، الشرطة وصلت.
وقف ضابط الشرطة وقال
أستاذ سليم... معانا إذن بضبطك وإحضارك بتهمة الشروع في السرقة وإتلاف مستندات مهمة.
سليم حاول يجري، لكن رجال الأمن أمسكوا به.
وهو خارج، بص لزينب وقال بغل
كل ده بسببك!
لكن زينب ردت بهدوء
لا... بسبب الحقيقة اللي حاولتوا تدفنوها.
بعد أيام...
أقيم مجلس عزاء كبير على روح فايزة.
الجارحي الكبير وقف أمام الجميع وقال
بنتي ماتت وهي مظلومة... لكن الحمد لله ربنا أظهر الحق قبل ما أموت.
ثم أمسك بيد زينب وقال
أعلن قدامكم كلكم إن زينب حفيدتي، وليها كل حقوقها الأدبية والقانونية، وهتكمل تعليمها، ولو حبت تشتغل، مكانها محفوظ في شركات الجارحي.
صفق الجميع احترامًا.
أما مهران، فابتسم لأول مرة منذ بدأت القصة، وقال لزينب
أمك كانت واثقة إنك هتوصلي لينا... وأنا أوعدها قدام ربنا إني هفضل أخ كبير ليكي، وسند طول العمر.
ابتسمت زينب ودموع الفرح في عينيها، وهي حست لأول مرة منذ سنوات إن عندها عائلة، وبيت، واسم تفتخر به.
النهاية بعد مرور ستة
رجعت الحياة تستقر في بيت الجارحي.
زينب رجعت تكمل دراستها في كلية التجارة، وبقت تروح الشركة بعد المحاضرات تتدرب مع مهران على إدارة الأعمال.
الجارحي الكبير كان كل يوم يفطر معاها، وكل ما يشوفها يبتسم ويقول
كأن ربنا رجعلي فايزة من جديد.
ابتسمت زينب وقالت
لا يا جدو... أنا زينب، لكن هفضل أحافظ على اسم ماما طول عمري.
في أحد الأيام...
كان مهران في مكتبه، لما محمود دخل بسرعة.
يا فندم... في راجل كبير برة، مصر يقابلك، وبيقول إنه يعرف سر عن المرحوم منصور.
مهران استغرب.
دخله.
دخل رجل في أواخر الستينيات، وعلى وشه علامات التعب.
قال
اسمي عبدالتواب... كنت صاحب والد زينب.
زينب كانت موجودة، وأول ما سمعت اسم أبوها قامت واقفة.
الرجل طلع ظرفًا قديمًا وقال
أبوكي سلمني الظرف ده قبل ما يموت، وقال لي لو فايزة أو بنتي رجعوا لعيلة الجارحي، سلمهم الأمانة.
فتح مهران الظرف.
كان فيه صورة قديمة لفايزة ومنصور يوم زفافهما، ورسالة قصيرة.
قرأتها زينب وهي تبكي
لو وصلتي للرسالة دي يا زينب، اعرفي إننا عشنا فقراء، لكن عمرنا ما مدينا إيدنا لحد، ولا خنا الأمانة. خليكي دايمًا مرفوعة الرأس، وسامحي كل اللي ظلمونا.
الجارحي الكبير بكى، وقبّل الرسالة، وقال
سامحيني يا فايزة... وربنا يجعل اللي باقي من عمري كفارة عن تقصيري.
بعد سنة...
تخرجت زينب بتقدير امتياز، وكانت الأولى على دفعتها.
وفي حفل التخرج، وقف مهران والجارحي الكبير يصفقان لها بكل فخر.
قال مهران أمام الجميع
النهارده مش بنحتفل بتخرج زينب بس... إحنا بنحتفل بانتصار الحق، وإن الإنسان الشريف عمره ما بيضيع حقه.
ابتسمت زينب وهي تنظر إلى السماء، وهمست
الحمد لله... يا أمي، وصيتك وصلت، وأنا
وانتهت حكاية زينب والجارحي الكبير، بعدما اجتمع الشمل، وعاد الحق لأصحابه، وبقيت الذكرى الأجمل أن التسامح قد يتأخر... لكنه عندما يأتي، يداوي جراح سنوات طويلة. بعد ثلاث سنوات...
كانت قاعة الاحتفالات في برج الجارحي مليانة بالموظفين وكبار رجال الأعمال.
وقف مهران على المنصة وقال بابتسامة
النهارده مش بنعلن عن صفقة جديدة... النهارده بنعلن عن رئيسة مجلس إدارة مؤسسة فايزة الجارحي الخيرية.
اتجهت الأنظار كلها إلى زينب.
طلعت على المسرح وسط تصفيق حار، والجارحي الكبير كان قاعد في الصف الأول، وعينه مليانة فخر.
قال مهران
زمان عمتي فايزة خرجت من البيت وهي فاكرة إنها خسرت أهلها... لكن النهارده اسمها بقى بيتكتب على مؤسسة هتعالج المرضى، وتكفل الطلبة، وتساعد كل بنت ظروفها صعبة.
زينب مسكت الميكروفون، ودموعها في عينيها، وقالت
أنا كنت داخلة الشركة من سنين بظرف قديم، ومحدش كان راضي يدخلني. النهارده واقفة هنا، مش عشان بقيت غنية... لكن عشان ربنا رد ليَّ حقي، ورد ليَّ عيلتي.
ثم نزلت من على المسرح، وراحت حضنت الجارحي الكبير.
قال لها بصوت ضعيف
دلوقتي أقدر أقابل أمك وأنا مطمن... لأنها سامحتني، وإنتِ رجعتي اسم الجارحي مرفوع.
بعد أشهر قليلة، رحل الجارحي الكبير عن الدنيا بهدوء، بعدما أوصى أن يُدفن بجوار ابنته فايزة، وأن يُكتب في وصيته
لا تورثوا أبناءكم المال فقط... ورثوهم العدل، لأن الظلم يهدم عائلات، والعدل يبني أجيالًا.
وقف مهران وزينب أمام قبره، قرآ له الفاتحة، ثم قالت زينب وهي تنظر إلى السماء
رحمك الله يا جدو... أنت رجعت ليَّ عيلة، وأنا أوعدك إن الخير اللي بدأتوه هيفضل مكمل.
غادرا المقابر معًا،
تمت بحمد الله.