قدام الشركة

لمحة نيوز

ترتعش.
وقرأ الجواب كله.
كل كلمة كانت بترجعه خمسة وعشرين سنة لورا.
لحد ما وصل لآخر سطر...
قول لجدك يسامحني.
قفل الورقة ببطء.
وسكت...
سكت لدرجة إن مهران قلق.
وفجأة...
نزلت دمعة من عين الجارحي الكبير لأول مرة قدام أي حد.
رفع عينه ناحية زينب.
فضل يبصلها ثواني طويلة.
وبعدين قال بصوت مخنوق
اسمك زينب؟
هزت رأسها.
أيوه.
قام من مكانه بصعوبة.
وقرب منها خطوة...
واتنين...
وتلاتة...
لحد ما بقى قدامها مباشرة.
رفع إيده المرتعشة ولمس شعرها برفق، وهو بيتمتم
نفس عيون فايزة... ونفس ملامح أمها.
زينب دموعها نزلت من غير ما تتكلم.
قال لها
سامحيني... سامحيني يا بنتي.
زينب بصت له بدهشة.
حضرتك بتعتذرلي ليه؟
قال بصوت كله ندم
لأننا ضيعنا عمركم بعيد عننا... ولو كنت دورت على بنتي أكتر، ماكنتش هتموت وهي شايلة الوجع ده كله.
وساعتها...
زينب مقدرتش تمنع نفسها.
حضنته وهي بتعيط لأول مرة من يوم وفاة أمها.
والجارحي الكبير حضنها هو كمان، وهو بيقول
من النهارده... البيت ده بيتك، وإنتِ حفيدتي قبل أي حاجة... ومش هتخرجي منه إلا وإنتِ مرفوعة الرأس.
أما مهران، فوقف بعيد وهو حاسس إن وصية عمته بدأت تتحقق... لكن ماكانش يعرف إن الأيام الجاية هتكشف سرًا أكبر، سرًا هيقلب تاريخ عائلة الجارحي كلها في نفس الليلة...
الفيلا كانت هادية بشكل غريب.
زينب دخلت الأوضة اللي جهزوها ليها، لكنها مقدرتش تنام. كانت كل شوية تبص حواليها وهي مش مستوعبة إن المكان ده كان يومًا بيت أمها.
في الوقت نفسه، كان الجارحي الكبير قاعد في مكتبه القديم، قدامه ألبوم صور متغبر بقاله سنين.
فتح صفحة قديمة...
طلعت صورة لفايزة وهي صغيرة، واقفة جنب أخوها، والد مهران.
تنهد بحزن وقال يا ريتني سمعتك قبل ما تسيبينا يا بنتي...
دخل مهران بهدوء.
حضرتك طلبتني يا جدي؟
الجد قفل الألبوم
وقال اقعد... لازم تعرف الحقيقة كلها.
مهران قعد وهو مستغرب.
قال الجد فايزة مخرجتش من البيت عشان اتجوزت منصور وبس... في حد وقتها لعب بينا، وزوّر كلام ووصلني إن منصور طمعان في فلوس العيلة، وإن فايزة وافقت تساعده.
مهران عقد حاجبيه.
يعني كل اللي حصل كان بسبب كدب؟
الجد هز رأسه بحسرة.
اكتشفت الحقيقة بعد سنين... لكن كان فات الأوان. فايزة رفضت ترجع وهي شايفة إن كرامتها اتكسرت، وأنا كابرِت ومروحتش أصلح اللي عملته.
وقبل ما يكمل...
خبط محمود، مدير المكتب، على الباب.
آسف يا فندم... بس في موضوع مهم.
ادخل.
محمود حط ملف قديم على المكتب وقال أثناء مراجعة أوراق الأراضي، لقينا الملف ده في الأرشيف. عليه اسم فايزة هانم، ومختوم سري.
الجارحي الكبير فتح الملف بسرعة.
وفجأة اتغير لون وشه.
مهران سأل بقلق فيه إيه؟
الجد رفع الورقة وهو مصدوم وقال
مستحيل... دي وصية أبويا!
قرأ السطور الأولى، ثم قال بصوت مرتعش
أبويا كان كاتب قبل وفاته إن لفايزة نصيب ثابت في بعض أملاك العيلة، ولو كانت متوفية ينتقل الحق كاملًا لابنتها زينب.
سكت الجميع.
ثم أغلق الملف وقال بحزم
من بكرة الصبح... كل حق زينب هيرجع لها رسميًا، قدام القانون وقدام العيلة كلها.
لكن في الخارج...
كان رجل يقف أمام بوابة الفيلا يراقب المكان من بعيد، وأخرج هاتفه وقال بصوت خافت
بلغ الباشا... البنت وصلت للجارحي الكبير، ولازم نتحرك قبل ما الحقيقة كلها تظهر.
وهنا بدأت الأحداث تأخذ منحنى جديدًا في صباح اليوم التالي...
اجتمعت الأسرة كلها في الفيلا بعد اتصال عاجل من الجارحي الكبير.
وصل الأعمام وأولاد العم، وكل واحد مستغرب سبب الاجتماع المفاجئ.
دخل مهران ومعاه زينب، وكانت لابسة ملابس بسيطة زي عادتها.
أول ما شافها الحضور، بدأت الهمسات.
مين دي؟ بنت مين؟ إيه اللي جابها هنا؟

الجارحي الكبير خبط بعصاه في الأرض وقال بصوت حاسم
اسكتوا كلكم.
ساد الصمت.
أشار ناحية زينب وقال
دي زينب... بنت بنتي فايزة الجارحي، وحفيدتي.
الكل اتصدم.
واحد من أبناء العيلة قال بانفعال
بعد خمسة وعشرين سنة تظهر فجأة؟!
رد الجد بغضب
متتكلمش عن حفيدتي بالطريقة دي.
ثم رفع الملف القديم وقال
ودي وصية أبويا... وكلها موثقة. زينب ليها حق في العيلة، وحقها هيرجع كامل.
ساد الوجوم على الوجوه.
لكن في آخر الصف، كان سليم، ابن عم مهران، مكشر ووشه متغير.
كان عارف إن رجوع زينب هيقلل نصيبه من الميراث.
خرج من الفيلا وهو يكتم غضبه، واتصل بشخص مجهول.
قال بصوت منخفض
الخطة لازم تتغير... البنت لازم تخرج من الصورة بأي طريقة، لكن من غير ما حد يشك فينا.
...
في المساء، كانت زينب واقفة في شرفة الفيلا، تبص للنيل وهي حاسة إن حياتها اتقلبت في يوم واحد.
قرب منها مهران وقال
متخافيش... طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يضرك.
ابتسمت لأول مرة وقالت
أنا مش خايفة على نفسي... أنا خايفة أكون سبب في خلاف جديد بينكم.
ابتسم مهران وقال
وجودك مش سبب خلاف... وجودك رجّع حق كان ضايع.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف مهران.
رد، وفجأة اتغيرت ملامحه.
إيه؟! إزاي حصل كده؟!
قفل المكالمة بسرعة، وبص لزينب بقلق.
سألته
في إيه؟
قال بصوت متوتر
في حد اقتحم شقتك القديمة... وقلبها كلها، وكأنه كان بيدور على حاجة معينة.
نظرت إليه زينب في صدمة، ثم همست
أمي... قبل ما تموت بيوم، قالتلي لو حصل أي حاجة... أوعي تنسي الدفتر الأزرق.
تبادل مهران والجد نظرة سريعة.
واضح أن هناك سرًا آخر لم تكشفه فايزة... وسر الدفتر الأزرق قد يكون أخطر من الميراث نفسه مهران اتجمد مكانه.
بص لزينب وقال بسرعة
الدفتر الأزرق فين؟
زينب حاولت تفتكر، وحطت إيدها على راسها.
أمي كانت مخبياه... بس قبل
ما تموت بيوم قالتلي لو حسيتِ إن حد بيسأل عليه، متقوليش مكانه غير لحد من دمك.
الجارحي الكبير قال بلهفة
تفتكري هو في الشقة؟
هزت رأسها بالنفي.
لا... أنا لما خرجت من الشقة، كنت شايلة شنطة هدوم صغيرة بس... وفيها حاجة ملفوفة في فوطة قديمة، أمي قالتلي ما أفتحهاش.
مهران بص لمحمود وقال
هات الشنطة حالًا من شقة الزمالك.
بعد أقل من ساعة...
كانت الشنطة على الترابيزة.
زينب فتحتها بإيد مرتعشة.
طلعت هدومها، ومصحف صغير، وصورة قديمة لأمها وأبوها.
وفي آخر الشنطة...
كانت الفوطة القديمة.
فتحتها ببطء.
طلع منها دفتر أزرق صغير، متآكل من الأطراف.
الجارحي الكبير أول ما شافه، وشه اصفر.
الدفتر ده... كنت فاكره اتحرق!
فتح أول صفحة.
كان مكتوب بخط والده
سجل الأمانات الخاصة بعائلة الجارحي.
بدأ يقلب الصفحات.
كل صفحة فيها تاريخ، وأسماء، ووثائق تثبت حقوق ناس كانت العيلة مؤتمنة عليها.
وفجأة...
وقع من بين الصفحات ظرف صغير.
فتحه مهران.
كان فيه مفتاح معدني قديم، ومعاه ورقة مكتوب فيها
مفتاح الخزنة رقم 17... فرع البنك الرئيسي.
سكت الجميع.
الجارحي الكبير قال بصوت منخفض
الخزنة دي محدش فتحها من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
مهران قام فورًا.
بكرة الصبح هنروح كلنا.
في الجهة التانية...
كان سليم واقف مع الرجل المجهول.
قال بغضب
لسه ملقوش الدفتر؟
رد الرجل
للأسف لقوه... لكن لسه ميعرفوش اللي جوه الخزنة.
سليم قبض على إيده وقال
يبقى لازم نسبقهم... لأن لو الخزنة اتفتحت، الحقيقة كلها هتظهر... وساعتها مش هنقدر نخبي الجريمة اللي اتعملت من خمسة وعشرين سنة.
انتهى المشهد، بينما كان الجميع ينتظر صباحًا قد يغيّر مصير عائلة الجارحي إلى الأبد في صباح اليوم التالي...
تحركت سيارة مهران، وكان بداخلها الجارحي الكبير وزينب ومحمود.
وصلوا إلى البنك.
مدير الفرع
استقبلهم بنفسه بعدما عرف اسم الجارحي.
قال باحترام
الخزنة رقم 17 لم تُفتح منذ خمسة وعشرين عامًا. وصاحبها اشترط ألا تُفتح إلا بحضور أحد ورثته الشرعيين.
قدمت
تم نسخ الرابط