اول مافتحت باب الشقه بقلم شروق خالد
المحتويات
قبل الفجر مباشرة.
رغم إن الشرطة كانت خلصت معاينتها، طلبت منهم يسمحولي أدخل أوضة أمي دقائق.
كانت الأوضة ساكتة بشكل غريب.
علبة الخياطة الزرقا كانت لسه مكسورة في الركن، زي ما سابتها نيرمين.
قعدت على الأرض، ولمّيت محتوياتها واحدة واحدة.
إبر.
بكر خيط.
مقص صغير.
أزرار قديمة كانت أمي محتفظة بيها من هدوم أبويا.
قلّبت العلبة من كل ناحية، ومفيش أي كتابة.
افتكرت كلام أمي
الاسم المكتوب خلف علبة الخياطة.
خلفها...
مش جواها.
قلبت العلبة على ظهرها.
في الأول، ملاحظتش حاجة.
لكن لما سلطت كشاف الموبايل بزاوية مائلة، ظهر أثر حروف باهتة جدًا، كأنها كانت مكتوبة بحبر بيختفي مع الوقت.
جبت عدسة مكبرة من مكتبي.
وبدأت الحروف تظهر واحدة واحدة.
لم يكن اسم شخص...
كان اسم مكان.
ورشة العم سعيد.
استغربت.
ورشة العم سعيد؟
دي كانت ورشة نجارة قديمة في الحي اللي اتربيت فيه.
صاحبها كان صديق عمر أبويا، لكنه قفلها من سنين طويلة بعد ما كبر في السن.
في اللحظة دي افتكرت حاجة نسيتها تمامًا.
قبل وفاة أبويا بأيام، أخدني معاه للورشة، وقالي وهو بيضحك
في حاجات قيمتها مش في تمنها... قيمتها في إنها تفضل مع الشخص الصح.
وقتها افتكرت إنه كان بيتكلم عن صندوق عدة قديم، لكن دلوقتي بدأت أشك إنه كان يقصد حاجة تانية.
اتصلت بالضابط، وحكيت له اللي لقيته.
قال من غير تردد
محدش يروح لوحده. هنروح كلنا.
بعد أقل من ساعة كنا واقفين قدام الورشة.
الباب كان مقفول بسلسلة صدئة.
العم سعيد كان عايش في بيت صغير جنبها.
أول ما شافني، دمعت عينه.
وقال
عرفت إنك رجعت... بس كنت مستني اليوم ده من سنين.
سألته مباشرة
أبويا ساب عندك حاجة؟
بص حواليه، واتأكد إن مفيش حد غريب.
ثم قال
أبوك سلمني أمانة... وقالي ما أسلمهاش لحد غيرك.
الضابط سأله
إيه هي الأمانة؟
ابتسم العم سعيد بحزن.
ومد إيده ناحية منضدة نجارة قديمة في آخر الورشة.
رفع لوح خشب سميك، وظهر تحته تجويف مخفي.
لكن...
كان التجويف فاضي.
اتغير لون وش العم سعيد.
وقال وهو بيرتعش
لا... مستحيل.
قربت منه بسرعة.
في إيه؟
قال
الصندوق كان هنا... أنا متأكد.
الضابط ركع على الأرض يفحص المكان.
وبعد ثوانٍ،
ناولها لي.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط أبويا.
لكنها كانت مجرد جملة واحدة
لو وصلت للورقة دي... يبقى حد سبقك بخطوة.
وفي أسفل الورقة...
كان فيه تاريخ.
وهو نفس اليوم...
اللي سافرت فيه أنا إلى السعودية قبل ثمانية أشهر مسكت الورقة بإيدي وأنا بحاول أستوعب.
نفس يوم سفري.
يعني اللي حصل ماكانش صدفة.
أبويا مات من سنين... فإزاي يكتب رسالة مرتبطة بيوم سفر حصل بعد وفاته؟
بصيت للتاريخ مرة تانية.
وفجأة انتبهت.
ده مش تاريخ ميلادي ولا تاريخ وفاة أبويا...
ده تاريخ آخر مرة فتحت فيها الورشة رسميًا، وكان نفس اليوم اللي سافرت فيه لأننا كنا بننقل بعض الأغراض القديمة من البيت، والعم سعيد هو اللي سلمني المفتاح وقتها. وقتها استعجلت عشان ألحق الطيارة، وقلت له خليها لما أرجع.
تنهد العم سعيد وقال بحزن
أنا افتكرت إنك هترجع بعد كام أسبوع... محدش كان متوقع غيابك يطول.
سألته بسرعة
مين كان يعرف بموضوع الصندوق؟
سكت شوية، ثم قال
أنا... ووالدك... ووالدتك.
الضابط سأله
ونيرمين؟
هز رأسه بالنفي.
عمرها ما دخلت الورشة.
وقبل ما أتكلم، رن هاتف الضابط.
رد، وبدأت ملامحه تتغير.
أنهى المكالمة وقال
لقينا معلومة مهمة.
إيه هي؟
الرجل اللي دخل الفيلا ما راحش الورشة.
استغربت.
أمال الصندوق اختفى إزاي؟
قال
لأن الصندوق اتشال قبل دخوله الفيلا بيومين.
ساد الصمت.
يعني في شخص تالت...
سبق الجميع.
لا نيرمين.
ولا الرجل صاحب الكاب.
ولا حتى الشرطة.
بصيت للعم سعيد.
كان شاردًا، وفجأة ضرب كف بكف وقال
استنى!
جرى ناحية دولاب خشبي قديم، وطلع دفتر حسابات مهترئ.
قلب صفحاته بسرعة، لحد ما وقف عند صفحة معينة.
وأشار لسطر مكتوب بخط إيده.
هنا... في اليوم ده.
قريت السطر.
تم تسليم الطرد بناءً على كلمة السر.
رفعت رأسي بسرعة.
كلمة السر؟
قال
والدك كان عامل احتياط. قال لي لو جه ابنه بنفسه ياخد الأمانة، لازم يقول كلمة معينة. ولو حد تاني جه من غيرها، مايدخلش.
سألته بلهفة
إيه الكلمة؟
هز رأسه.
مكتبتهاش... علشان محدش يعرفها.
طب إزاي سلمت الطرد؟
بلع ريقه وقال
لأن اللي جه... قالها صح.
أنا والضابط بصينا لبعض.
سألته
كان شكله إيه؟
قفل عينيه يحاول يتذكر.
ثم قال ببطء
كان لابس كمامة ونضارة... وصوته هادي... لكن كان عارف تفاصيل محدش يعرفها.
زي إيه؟
رد
ناداني بالاسم اللي كان والدك بيناديني بيه... اسم عمره ما كان بيقوله غير هو.
شعرت بقشعريرة.
ده معناه إن الشخص ده كان قريب جدًا من العائلة...
أو سمع السر من حد قريب جدًا.
وفي تلك اللحظة، رن هاتفي.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة.
الممرضة قالت
أستاذ طارق... والدتك فاقت تاني.
قالت حاجة؟
قالت
أيوه... قالت إنها افتكرت أخيرًا اسم الشخص اللي كانت خايفة منه من سنين... وطلبت تبلغك قبل ما تنساه تاني.
أغلقت الهاتف، وانطلقت نحو المستشفى... بينما كان اسم ذلك الشخص هو أول خيط حقيقي قد يقلب القضية كلها وصلت المستشفى وأنا قلبي بيدق بعنف.
دخلت أوضة أمي بسرعة.
كانت مغمضة عينيها، لكن أول ما سمعت صوتي فتحتهم بالعافية.
مسكت إيدها وقلت
قولي يا أمي... مين هو؟
بصتلي ثواني طويلة، كأنها بتتأكد إن مفيش حد غيري.
ثم همست
مش شخص واحد...
استغربت.
يعني إيه؟
قالت بصوت متقطع
كانوا... اتنين.
قبل ما تكمل، دخل الدكتور يطلب مني أخرج دقيقتين عشان يديها العلاج.
وقفت برة وأنا حاسس إن كل إجابة بتولد سؤال أكبر.
بعد عشر دقائق خرج الدكتور وقال
تقدر تدخل، لكن متتعبهاش.
رجعت لها تاني.
ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت
فاكر مكتبة أبوك القديمة؟
هزيت رأسي.
كانت مكتبة ضخمة في مكتبه، محدش كان بيلمسها.
قالت
أبوك كان دايمًا يقول إن أغلى حاجة بيملكها... مش الفلوس.
قلت بسرعة
أمال إيه؟
ردت
الورق.
استغربت.
ورق إيه؟
قالت
أوراق تثبت حقوق ناس كتير... كانوا سايبينها عنده أمانة.
بدأت الصورة تتضح.
أبويا لم يكن يخفي كنزًا من ذهب أو أموال.
كان يحفظ مستندات ووثائق وأمانات تخص آخرين، ولذلك كان حريصًا جدًا عليها.
وأضافت أمي
لما حس إن تعبه زاد... خبّى الأوراق في مكان محدش يتوقعه.
سألتها
ونيرمين كانت عايزة الأوراق دي؟
هزت رأسها بالنفي.
هي كانت تعرف إن في أمانة... لكن متعرفش إيه هي.
طيب مين عرفها؟
تنهدت وقالت
حد سمع كلامنا زمان... وإحنا فاكرين إن محدش موجود.
وقبل أن تكمل، دخل الضابط إلى الغرفة.
قال
أستاذ
فتح الجهاز اللوحي، وشغل مقطع قصير.
ظهر الرجل صاحب الكاب وهو خارج من الفيلا.
لكن بعد عدة أمتار، خلع الكاب والكمامة، ودخل سيارة ثانية كانت مستنياه.
وجهه كان لسه مش واضح بالكامل.
لكن اللي كان واضح جدًا...
إنه كان بيصافح شخصًا آخر واقف جنب العربية.
شخص لم يقترب من الفيلا أصلًا.
والأغرب...
أن الشخص الثاني كان يعرج في رجله الشمال بنفس الطريقة.
اتسعت عينا أمي أول ما شافت المشهد.
وأشارت بإصبعها المرتعش إلى الرجل الذي لم يدخل الفيلا أصلًا.
وقالت بصوت يكاد لا يُسمع
هو ده... اللي كان بييجي مع أبوك... وهو أول واحد عرف سر الأمانة.
ثم أغمضت عينيها من شدة الإرهاق.
أما أنا، ففضلت مثبت نظري على الصورة.
لأن ملامح الرجل لم تكن واضحة...
لكن الساعة المعدنية المميزة في معصمه كانت واضحة جدًا.
وساعتها فقط تذكرت أين رأيت تلك الساعة من قبل... لكنها كانت ذكرى قديمة احتجت إلى بعض الوقت لأتأكد منها فضلت مكبر الصورة على الشاشة.
الوش لسه مش واضح.
لكن الساعة...
ساعة فضية قديمة، بإطار أسود، وفيها خدش طويل عند الرقم 12.
الخدش ده أنا اللي عملته.
من أكتر من خمسة عشر سنة.
وقتها كنت طفل، وكنت بلعب في مكتب أبويا، ووقعت الساعة من على المكتب.
افتكرت إن أبويا هيزعل.
لكنه ضحك وقال
دي مش ساعتي... دي بتاعة راجل استأمنّي عليها يومين.
ساعتها سألته
مين الراجل ده؟
رد بابتسامة
لما تكبر هتعرف.
قفلت اللابتوب فجأة.
وبصيت للضابط.
قلت
الساعة دي مش صدفة... صاحبها كان يعرف أبويا شخصيًا.
رد الضابط
يبقى عندنا دليل جديد.
وفي نفس اللحظة، نادية بعتت تطلب تشوفني.
دخلت أوضتها.
كانت أفضل شوية، لكنها أول ما شافت الصورة، قالت من غير تردد
أنا شفت الساعة دي.
قلبي دق.
فين؟
قالت
في البيت... قبل حضرتك ترجع بأسبوع.
استغربت.
يعني الراجل دخل الفيلا قبل كده؟
هزت رأسها.
لأ... هو ما دخلش.
أمال؟
قالت
نيرمين كانت قاعدة في الجنينة الخلفية، وكانت بتتكلم مع راجل من وراء السور.
وشوفتيه؟
لأ... السور كان عالي.
إيه اللي خلاكي تفتكري الساعة؟
قالت
لأنه مد إيده من بين الحديد، وكان لابسها.
سكتت
وأنا سمعتها بتقوله لسه ملقتهاش... بس العجوز أكيد مخبياها.
الضابط سجل كل كلمة.
وسألها
سمعتي اسمه؟
قالت
لا... لكن هي كانت بتناديه بكلمة واحدة...
إيه هي؟
قالت
يا أستاذ.
سكتنا كلنا.
كلمة يا أستاذ مش هتساعد في تحديد حد.
لكن نادية كملت
قبل ما
متابعة القراءة