اول مافتحت باب الشقه بقلم شروق خالد
المحتويات
الأدراج، وتقلب الدولايب، وتقول لنفسها بعصبية
استحالة... كانت هنا.
دخلت أوضة أمي.
فتحت دولابها كله.
طلعت علبة الخياطة الزرقا... نفس العلبة اللي نادية طلبت مني أدور فيها.
فتحتها بسرعة.
قلبت البكر والإبر والمقصات.
ولما ملقتش اللي بتدور عليه، خبطت العلبة في الأرض واتناثرت محتوياتها.
وقالت وهي بتضغط على أسنانها
يبقى أخدتها... البنت دي أخدتها.
في اللحظة دي، فهمت إن علبة الخياطة مش كانت هي السر...
كانت مجرد مكان كان مخبي فيه السر.
فتحت تسجيل اليوم اللي بعده.
لقيت نادية مستنية لحد ما نيرمين خرجت من البيت.
دخلت أوضة أمي وقفلت الباب.
قعدت على الأرض تجمع أدوات الخياطة واحدة واحدة، وكأنها بترتب الفوضى.
لكن فجأة...
شالت القماش اللي كان مفروش في قاع العلبة.
تحته كان فيه تجويف صغير جدًا.
مدت إيدها جواه، وطلعت ظرف أبيض قديم.
فتحته بسرعة، وبصت على اللي جواه، واتغير لون وشها.
قبل ما تلحق تقراه كله، سمعت صوت عربية نيرمين وهي بتركن قدام الفيلا.
ارتبكت.
حطت الظرف في مكان تاني غير مكانه الأول، وقفلت العلبة، وخرجت تجري تساعد أمي كأن مفيش حاجة حصلت.
وقفت الفيديو وأنا بفكر.
إذن... الظرف ما بقاش في علبة الخياطة.
وده يفسر ليه نادية، وهي راكبة الإسعاف، ما قالتليش هات اللي في العلبة.
قالت
دور في علبة الخياطة.
كأنها كانت بتديني أول خيط بس.
وأنا لسه بفكر، جالي إشعار على اللابتوب.
تم تسجيل محاولة دخول إلى السيرفر من جهاز غير معروف.
بصيت على عنوان الجهاز...
واتجمدت في مكاني.
المحاولة كانت جاية من شبكة الإنترنت الخاصة ببيتي... في الوقت اللي نيرمين المفروض كانت فيه محتجزة في قسم الشرطة اتسمرت قدام شاشة اللابتوب.
بصيت على توقيت المحاولة.
من خمس دقايق بالظبط.
راجعت بيانات الاتصال مرة واتنين.
مفيش شك... الإشارة خارجة من شبكة البيت نفسها.
أول حاجة جت في دماغي إن حد دخل الفيلا بعد ما خرجنا كلنا.
فتحت تطبيق نظام المراقبة، ودخلت على البث المباشر.
الصالة فاضية.
المطبخ فاضي.
أوضة أمي زي ما هي.
لكن لما فتحت كاميرا المخزن الصغير اللي تحت السلم... لقيت الباب مفتوح.
وده كان غريب.
المخزن ده محدش بيدخله تقريبًا.
رجعت
ظهر راجل لابس كاب وجاكيت واسع، ووشه مستخبي.
دخل الفيلا بمفتاح.
ماكسرش باب... ولا شباك.
يعني معاه نسخة من المفاتيح.
اتحرك بخطوات سريعة كأنه حافظ البيت شبر شبر.
دخل على طول أوضة أمي.
فتح الدولاب.
طلع علبة الخياطة الزرقا.
قلبها بعنف.
ولما ملقاش اللي بيدور عليه، رماها على الأرض بنفس العصبية اللي شفتها عند نيرمين قبل كده.
بعدها نزل على المخزن.
اختفى عن الكاميرا دقيقتين.
ولما خرج، كان ماسك شنطة سوداء صغيرة.
وقف قبل الباب بلحظة، وطلع موبايله.
رن على حد.
الصوت كان بعيد، لكن الميكروفون التقط آخر جملة قالها
ملقتوش... حد سبقنا.
وقفل.
خرج من الفيلا في أقل من دقيقة.
وقبل ما العربية تتحرك، الكاميرا الخارجية جابت جزء من لوحة الأرقام.
مش كلها...
آخر أربع أرقام بس.
7314.
كتبت الرقم بسرعة في ورقة.
وفي اللحظة دي، افتكرت المفتاح النحاسي اللي كان مع نادية.
رقم 17.
والشنطة السودا.
والظرف الأبيض.
كلهم مرتبطين ببعض... لكن إزاي؟
وأنا سرحان، تليفوني رن.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة وأنا قلبي بيدق.
الممرضة قالت بصوت متوتر
أستاذ طارق... نادية فاقت من البنج، وأول كلمة قالتها إنها لازم تشوف حضرتك حالًا... وقالت لو اتأخرت، الورقة اللي مخبياها ممكن تختفي للأبد.
لبست جاكتي وجريت ناحية باب المستشفى.
لكن أول ما وصلت قدام أوضة نادية...
لقيت فرد أمن واقف قدام الباب، ووشه شاحب.
بص لي وقال
حضرتك طارق؟... البنت أصرت تديك دي بإيدها قبل ما أي حد يدخل.
ومد إيده بمظروف صغير مختوم بالشمع الأحمر...
وعلى ظهر المظروف كانت مكتوبة جملة واحدة بخط مرتعش
ما تفتحوش إلا بعد ما ترجع علبة الخياطة مكانها وقفت أبص للمظروف في إيدي.
كل حاجة جوايا كانت بتقولي افتحه فورًا.
لكن الجملة المكتوبة عليه كانت واضحة جدًا، وكأن اللي كتبها كان متأكد إن أي استعجال هيضيع كل حاجة.
دخلت أوضة نادية.
كانت شاحبة، وإيدها متوصلة بالمحاليل، لكن أول ما شافت المظروف معايا، تنفست براحة.
همست بصوت ضعيف
حضرتك... مفتحتوش؟
هزيت راسي.
ابتسمت لأول مرة من ساعة اللي حصل.
وقالت
كويس... يبقى لسه عندنا فرصة.
قربت منها وسألتها
فرصة
بصت ناحية الباب تتأكد إن مفيش حد بيسمع، وقالت
كل اللي حصل لوالدتك كان علشان حاجة مستخبية من سنين... وأنا اكتشفتها بالصدفة.
اتعجبت.
إيه هي؟
قبل ما ترد، دخلت الممرضة تقيس الضغط، فسكتت تمامًا.
استنيت لحد ما خرجت.
رجعت نادية تكمل
من حوالي شهر، الست والدتك طلبت مني أطلع بطانية من فوق الدولاب. وأنا بنزلها، لقيت علبة الخياطة وقعت واتفتحت.
ولقيت الظرف؟
هزت رأسها بالنفي.
لا... لقيت القاع بتاع العلبة طالع.
اتسعت عيني.
يعني كان فيه مكان سري؟
قالت
أيوه... وكان جواه مفتاح صغير، وورقة مكتوب فيها رقم 17.
اتنفست بسرعة.
المفتاح اللي وقع منك في الفيديو.
بصت لي بدهشة.
يبقى حضرتك شفت التسجيلات.
أومأت بالإيجاب.
قالت
أنا خبيت المفتاح بعدها في مكان تاني، لأن مدام نيرمين كانت كل يوم تفتش أوضة والدتك.
سألتها
والمفتاح بيفتح إيه؟
قبل ما ترد، دموعها نزلت.
وقالت
معرفش... والله معرفش.
سكتت لحظة، ثم أضافت
بس والدتك كانت كل ما تشوفه تقول جملة واحدة.
إيه هي؟
اللي جوه الأمانة... هيرجع الحق لأصحابه.
الجملة دي ضربت في دماغي.
الأمانة.
وفجأة افتكرت.
قبل وفاة أبويا بسنين طويلة، كان عنده صندوق أمانات في أحد البنوك.
وفي يوم وهو بيهزر معايا، قال
لو حصلي حاجة، أمك معاها مفتاح... وأنا معايا التاني.
وقتها كنت صغير، ونسيت الموضوع تمامًا.
لكن دلوقتي...
رقم 17.
مفتاح صغير.
وكلمة الأمانة.
كلهم بيركبوا على بعض.
رفعت عيني لنادية بسرعة.
المفتاح معاك؟
هزت رأسها بالنفي.
لا... خبيته.
فين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
كنت لسه هسألها، لكن باب الأوضة اتفتح فجأة.
دخل ضابط الشرطة، وقال
أستاذ طارق... في تطور جديد.
وقفت بسرعة.
قال وهو بيبص في الملف اللي بإيده
إحنا فتشنا شنطة مدام نيرمين بعد القبض عليها... ولقينا فيها ورقة عليها نفس رقم العربية اللي حضرتك بلغتنا عنه... ومعاها إيصال قديم جدًا باسم والد حضرتك.
قلبي دق بعنف.
سألت
إيصال إيه؟
الضابط رفع الورقة قدامي وقال
إيصال استلام... خاص بصندوق أمانات رقم 17 اتجمدت مكاني.
بصيت للإيصال، ولقيت التاريخ عليه راجع لأكتر من عشرين سنة.
اسم أبويا كان واضح، وتحت
لكن اللي شد انتباهي أكتر، ملاحظة صغيرة مكتوبة بالقلم الجاف في آخر الإيصال
لا يُفتح إلا بحضور صاحب الحق أو بتوكيل قانوني.
رفعت عيني للضابط.
قلت بهدوء
الورقة دي كانت بتعمل إيه في شنطة نيرمين؟
هز كتفه وقال
وده اللي إحنا بنحاول نعرفه. هي رافضة تتكلم، وكل ما نسألها عن الإيصال تقول إنها عمرها ما شافته.
سكت لحظة، ثم أضاف
بس في حاجة أغرب.
ناولني صورة مطبوعة من كاميرا مراقبة خارجية.
كانت لرجل الكاب اللي دخل الفيلا.
الصورة كانت أوضح المرة دي.
وشه لسه مش باين بالكامل، لكن كان ماسك في إيده ملف بني... نفس لون الملف اللي شفته في مكتب البيت.
وقال الضابط
العربية دي اتعرفت. مش مسروقة، ومش بأرقام مزورة.
بلعت ريقي.
تبقى لمين؟
رد
لموظف سابق في مكتب محاماة كان بيتعامل مع والد حضرتك من سنين.
الاسم كان غريب عليّ.
عمري ما سمعته قبل كده.
لكن أمي... أول ما وريتها الاسم وهي على سرير المستشفى، وشها اصفر.
ورفعت إيدها المرتعشة وقالت
إوعى... تثق فيه.
سألتها بسرعة
تعرفيه؟
أغمضت عينيها وكأنها بتحاول تفتكر.
وبعد ثوانٍ قالت
كان بييجي لأبوك... بس أبوك طرده قبل ما يموت بشهور.
ليه؟
هزت رأسها بتعب.
قال إنه حاول يسرق أمانة... وأبوك اكتشفه.
الكلمات دي قلبت كل الحسابات.
يعني الموضوع قديم...
أقدم بكتير من وجود نيرمين في حياتي.
وفي اللحظة دي، رن موبايل الضابط.
رد، وسكت وهو بيسمع.
بعدها بصلي مباشرة وقال
في خبر مهم.
إيه؟
إحنا فتشنا الفيلا مرة تانية.
قلبي اتقبض.
ولقيتوا إيه؟
قال
ولا حاجة.
استغربت.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
وده اللي مقلقنا.
مش فاهم.
قال
المخزن اللي تحت السلم... اللي الراجل دخل له... لقيناه فاضي تمامًا.
وده الطبيعي.
هز رأسه بالنفي.
لأ... لأن فريق الأدلة الجنائية اكتشف إن في حائط كامل جوه المخزن معمول من الجبس الحديث.
حسيت بقشعريرة.
يعني فيه حاجة وراه؟
قال
واضح إن كان فيه.
وكان؟
الحائط متكسر من الداخل... مش من الخارج.
بصيت له بعدم فهم.
قال بصوت منخفض
يعني اللي كان مستخبي وراه... حد أخده قبل ما نوصل.
وفي نفس اللحظة، دخلت ممرضة وهي بتجري.
وقالت بلهفة
أستاذ طارق... الست والدتك مصرة تقولك كلمة
جريت ناحيتها.
مسكت إيدي بقوة، وهمست بصوت يكاد لا يُسمع
المفتاح... مش هو اللي هيفتح الصندوق...
سكتت لحظة، ثم أكملت وهي بتبص في عيني مباشرة
...اللي هيفتحه هو الاسم المكتوب خلف علبة الخياطة رجعت للفيلا
متابعة القراءة