الجواز ليكى لكن الحب لها هى

لمحة نيوز

أثر في حياتنا. أكتب عن مين؟
ابتسمت وربتُّ على رأسه.
قلت اكتب عن جدك.
ضحك وقال بس إنتِ اللي علمتيني كل حاجة.
ابتسمت وأنا أنظر إلى زوجي الذي كان يسقي الزرع في الحديقة.
قلت جدك علمني أهم حاجة... إن الاحترام هو أول صورة من صور الحب.
جلس بجواري وقال يعني إيه؟
تنهدت، ثم قلت
يعني لو لقيت يومًا حد يقولك إنه بيحبك، لكنه يكسرك أو يهينك أو يقلل منك... اعرف إن ده مش حب. الحب الحقيقي يخليك مطمئن، مش خائف.
أخذ حفيدي يكتب الجملة في كراسته.
وفي المساء، جلست وحدي أتأمل السماء.
تذكرت تلك الليلة البعيدة...
ليلة الفستان الأبيض.
ولأول مرة منذ عشرات السنين، لم أشعر بأي ألم عندما تذكرتها.
بل شعرت بالامتنان.
لولا تلك الليلة، ما كنت لأتعلم قيمة نفسي، ولا كنت لأقابل الرجل الذي منحني حياة هادئة، ولا كانت المؤسسة التي ساعدت آلاف البنات لترى النور.
أغمضت عيني وقلت في سري
يا رب... كما جبرت قلبي يومًا، اجبر قلب كل إنسان مكسور.
وفي صباح اليوم التالي، علّقت المؤسسة لوحة جديدة
عند المدخل، كُتب عليها
قد تبدأ بعض الحكايات بظلم... لكنها لا يجب أن تنتهي به. النهاية الحقيقية يكتبها الإنسان حين يختار كرامته، ويواصل طريقه دون أن يحمل الكراهية في قلبه.
وبذلك أصبحت الحكاية تُروى لكل فتاة تدخل المؤسسة، ليس لتبكي على الماضي، بل لتؤمن أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد في أي لحظة.
النهاية الأخيرة حقًا. بعد خمسٍ وعشرين سنة...
كانت المؤسسة تحتفل بمرور ربع قرن على تأسيسها، وأصبحت من أكبر المؤسسات الداعمة للفتيات والأسر المحتاجة.
وفي نهاية الحفل، صعدت ابنتي إلى المسرح وقالت
النهارده هنعمل حاجة أمي متعرفهاش.
استغربت.
أشارت إلى الشاشة الكبيرة، وبدأ فيلم قصير يعرض صورًا من رحلة المؤسسة، ثم ظهرت صورتي وأنا في أول يوم افتتحت فيه المكان.
بعدها ظهرت عبارة
إلى المرأة التي حولت جرحها إلى أمل.
لم أتمالك دموعي.
ثم نادت ابنتي
ماما... اتفضلي.
صعدت وسط تصفيق الجميع.
قالت وهي تمسك يدي
زمان كنتِ تقدري تعيشي عمرك كله ضحية، لكنك اخترتِ تكوني سببًا في إن
ناس كتير تنقذ حياتها.
ثم أهدتني مفتاحًا ذهبيًا.
سألتها ده مفتاح إيه؟
ابتسمت وقالت
مفتاح المبنى الجديد للمؤسسة... إحنا وسعناها من غير ما نقولك، وسميناه باسمك.
ساد المكان تصفيق طويل.
نظرت إلى السماء وابتسمت.
تذكرت الفتاة التي كانت تبكي بفستان الزفاف الأبيض، وتظن أن الدنيا انتهت.
لو كانت تعرف أن دموع تلك الليلة ستكون بداية لكل هذا الخير... لما خافت كل هذا الخوف.
وقفت أمام الحضور وقلت
الحياة لا تقاس بعدد المرات التي انكسرنا فيها، بل بعدد المرات التي وقفنا فيها من جديد.
ولو رجع بي الزمن... لن أختار الألم، لكنني أيضًا لن أندم على الرحلة، لأنها جعلتني الإنسانة التي أقف أمامكم اليوم.
انتهى الحفل، وأمسكت يد زوجي، وسرنا بين أولادنا وأحفادنا.
كانت الشمس تغرب بهدوء.
ابتسمت وقلت
سبحان من يبدل الأقدار... في ليلة واحدة ظننت أن حياتي انتهت، لكن الله كان يؤخر لي حياة أجمل مما تخيلت.
وهكذا بقيت الحكاية تُروى، لا لأنها قصة حب فاشلة... بل لأنها قصة كرامة انتصرت،
وإيمان لم يخذله الله أبدًا.
تمت بحمد الله. النهاية
بعد سنوات طويلة، وقفت أمام قبر ابن عمي لأول مرة منذ وفاته.
وضعت وردة بيضاء، وقرأت له الفاتحة، ثم همست
سامحتك... وربنا هو العدل بين عباده.
التفتُّ لأمشي، فلم أشعر بحزن ولا غضب، بل براحة لم أعرفها من قبل.
عندما عدت إلى بيتي، كان أولادي وأحفادي ينتظرونني حول مائدة الغداء، وزوجي ابتسم وقال
اتأخرتِ.
ابتسمت وجلست بينهم.
في تلك اللحظة أدركت أن الله لم يأخذ مني شيئًا إلا ليعطيني ما هو أفضل.
أما هو، فقد رحل وهو يحمل ندمه، وأما أنا، فعشت ما تبقى من عمري محاطة بالحب والاحترام والأسرة التي طالما تمنيتها.
وفي آخر صفحة من مذكراتي كتبت
في ليلة زفافي ظننت أن حياتي انتهت عندما قال لي الجواز ليكي... لكن الحب ليها هي.
لكنني اكتشفت بعد سنوات أن الإنسان لا يموت عندما ينكسر قلبه، بل يموت عندما يتخلى عن كرامته.
اخترت كرامتي، فاختار الله لي عوضًا لم أكن أتخيله.
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن الحب يبرر الإهانة، فالحب الحقيقي
يبدأ بالاحترام، ويستمر بالرحمة، وينتهي بالوفاء.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط