ابويا جه بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز

وتحت السرير، وفوق الدولاب، وهو بيقول
أكيد هنا... أكيد هنا.
عدت عشرين دقيقة من غير فايدة.
بدأ العرق ينزل من جبينه.
وفجأة...
سمعنا صوت تكسير خفيف.
بصيت للسقف، ولقيت حتة خرسانة صغيرة وقعت على الأرض.
قلت بسرعة
يلا نمشي.
قال بعناد
مش هخرج غير لما ألاقيه.
وفضل يدور بجنون.
وفجأة افتكر الصندوق الخشب القديم اللي كان أبوه بيحتفظ فيه بالأوراق.
جرى ناحيته، وركع على الأرض، وفتحه.
طلع منه ملفات كتير.
بدأ يقلب فيها بسرعة.
وفجأة صاح
لقيته!
ابتسم لأول مرة.
لكن في نفس اللحظة...
سمعنا صوت فرقعة قوية جدًا.
والحيطة اللي كانت جنب باب الأوضة بدأت تتشقق قدام عينينا.
بصيتله وأنا مرعوبة وصرخت
محمود... الباب!
جرينا ناحية الباب...
لكن قبل ما نوصل له، وقع جزء كبير من السقف قدام الممر، وقفله تمامًا.
بقينا محبوسين داخل الشقة...
ومفيش غير شباك واحد مفتوح على الشارع، وصوت الناس تحت بدأ يعلى بعد ما سمعوا صوت الانهيار.
يتبع...اتجمد الدم في عروقي.
الغبار مالي المكان، ومحمود واقف حاضن الملف بإيده كأنه ناسي إن حياتنا نفسها بقت في خطر.
صرخت فيه
سيب الملف دلوقتي وشوف هنخرج إزاي!
فوق كأنه فاق من صدمة، وجري ناحية الشباك.
بص لتحت... لقينا الناس متجمعة، والبواب بيزعق
حد جوه؟! ردوا!
محمود صرخ بأعلى صوته
إحنا هنا... الحقونا!
بدأ الجيران يجروا، وحد اتصل بالمطافي والإسعاف.
لكن المشكلة إن باب الشقة بقى وراه كومة خرسانة، والسلم نفسه كان جزء منه وقع.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وأثناء ما إحنا مستنيين، محمود قعد على الأرض، وحط الملف جنبه.
بصلي وقال بصوت كله ندم
شايفة؟ أنا كنت بخاف على الطوب أكتر من البني آدمين... لو كنت
سمعت كلامك وبعت الشقة أو رممتها، مكنّاش بقينا هنا.
مردتش.
لأني لأول مرة حسيت إن الكلام اللي بيقوله طالع من قلبه.
بعد حوالي ربع ساعة، سمعنا صوت رجال الإنقاذ بينادوا من بره.
واحد منهم صرخ
متتحركوش... هنفتح فتحة من ناحية الشباك.
بدأوا يركبوا سُلَّم هيدروليكي، وكل الجيران واقفين تحت يدعوا.
وأول ما وصل رجل الإنقاذ للشباك، قال
هنطلع الست الأول.
قلت بسرعة
لا... طلعوه هو الأول.
لكن محمود هز راسه بعنف وقال
مستحيل... هي الأول.
أول مرة في حياتنا يصر على حاجة فيها مصلحتي أنا.
طلعت، وبعدها هو طلع، وأول ما نزلنا الأرض...
لفينا نبص على العمارة.
وفي اللحظة نفسها، سمعنا صوت انهيار مرعب...
وجزء كبير من الدور اللي كانت فيه الشقة انهار بالكامل.
لو كنا اتأخرنا دقيقتين بس...
مكنّاش هنخرج أحياء.
الناس كانت بتبص لنا بصدمة، ومحمود واقف ساكت، بيبص للعمارة، وبعدين للملف اللي لسه في إيده.
فتح الملف...
وبصله ثواني.
وبعدين، قدام كل الناس...
قفله، وراح ناحية أقرب صندوق قمامة.
أنا جريت عليه وقلت
إنت بتعمل إيه؟
بصلي وقال
الورق ده كان هيضيع حياتنا... وكرامة الناس أغلى من أي أرض أو فلوس.
ورفع إيده...
وكان على وشك يرمي الملف كله...
يتبع...جريت عليه ومسكت إيده قبل ما يرمي الملف.
قلت بحزم
استنى يا محمود... الغلط مش إن يبقى عندنا رزق، الغلط إن الرزق يبقى أغلى عندنا من الناس.
وقف يبصلي شوية، وبعدين نزل إيده في هدوء.
قلت
احتفظ بالورق... لكن اتعلم الدرس.
هز راسه من غير ما ينطق.
في اليوم ده روحنا بيت أبويا في الفيوم، لأن شقتنا الجديدة كانت لسه مليانة كراتين، وأنا كنت محتاجة أقعد مع أبويا بعد اللي حصل.
أول ما وصلنا،
أمي فتحت الباب، ولما عرفت اللي حصل فضلت تحمد ربنا وهي تبكي.
أما أبويا، فكان قاعد في الجنينة الصغيرة قدام البيت.
أول ما شاف محمود، افتكر إنه جاي يعتذر بالكلام وخلاص.
لكن محمود عمل حاجة محدش كان متوقعها.
مشى لحد أبويا...
وانحنى قدامه، ومسح دموعه بإيده، وقال
سامحني يا حاج... أنا غلطت في حقك غلطة كبيرة.
أبويا حاول يقومه، لكنه رفض.
وقال
أنا أهنت راجل تعب وشقي عشان يربي بنته، وافتكرت إن كوباية عصير تكفيه. والله لو فضلت أعتذر عمري كله مش هوفيك حقك.
سكت أبويا شوية، وقال
الاعتذار سهل يا ابني... اللي صعب إن الإنسان يتغير.
رد محمود من غير تردد
وده اللي جاي أثبته.
في اللحظة دي، طلع من جيبه ظرف.
حطه في إيد أبويا.
أبويا فتحه باستغراب...
ولقى عقد إيجار الشقة الجديدة وإيصالاتها.
قال محمود
من النهارده، أول بند في مصروف البيت هو حق الضيف، وحق صلة الرحم. وكل شهر هنزوركم، ولو حضرتك جيت القاهرة، البيت بيتك قبل ما يكون بيتي.
أبويا ابتسم لأول مرة، لكنه قال
أنا مش عايز فلوس ولا ورق... أنا عايز بنتي تعيش مكرمة.
رد محمود
وده وعد قدام ربنا وقدامكم.
وقبل ما حد يرد...
سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
نزل منها ساعي بريد وهو بينادي على اسم محمود.
ومعاه جواب مسجل.
محمود استلمه، وفتح الظرف.
قرأ أول سطر...
فاتغير لون وشه فجأة.
بصلي، ثم بص لأبويا، وقال بصوت منخفض
واضح إن امتحاننا الحقيقي... لسه ما بدأش.
يتبع...محمود فضل ماسك الجواب بإيده، ووشه شاحب.
قلت بقلق
خير؟ مكتوب فيه إيه؟
ناولني الورقة من غير كلام.
قريتها بسرعة... كانت جهة حكومية بتبلغه إن العمارة القديمة اتقرر إزالتها بالكامل، وإن أصحاب الوحدات لازم يحضروا
خلال أسبوع لإنهاء الإجراءات واستلام التعويضات المستحقة، بعد مراجعة المستندات.
بصيت لمحمود وقلت
يعني الحمد لله... خير.
لكنه قال وهو بيهز راسه
لأ... لأن إخواتي كلهم هيبقوا هناك.
وفعلاً، بعد يومين رحنا.
أول ما دخلنا مقر اللجنة، لقينا إخوات محمود قاعدين، وكل واحد ماسك ملف، والجو كله توتر.
أول ما شافوه، واحد منهم قال بسخرية
أهو الأستاذ جه... أكيد جاي يحسب التعويض بالجنيه زي عادته.
زمان كان محمود هيرد بعصبية.
لكن المرة دي سكت.
دخل الموظف، وقال
التعويض هيُصرف بعد توقيع جميع الورثة على الإقرار.
بدأت المفاجآت.
اتضح إن فيه ورقة ناقصة، ومفيش حد معاه نسخة منها.
الكل بدأ يتهم التاني.
واحد يقول أكيد محمود مخبيها.
والتاني يقول هو عمره ما كان بيطلع حاجة من إيده.
أنا كنت مستنية محمود ينفجر.
لكنه فتح شنطته بهدوء، وطلع الملف اللي خاطر بحياته عشانه.
مده للموظف وقال
كل الأوراق الأصلية هنا.
الموظف راجعها، وابتسم وقال
كده الملف كامل.
إخواته بصوا له بدهشة.
أخو الكبير قرب منه وقال
إنت... جبت الورق ده إزاي؟
محمود حكى باختصار إنه دخل الشقة قبل انهيارها بدقائق.
سكت الجميع.
ثم قال الموظف
التعويض هيتم توزيعه بالتساوي حسب الأنصبة.
في اللحظة دي، محمود عمل حاجة خلت الكل يبصله في ذهول.
قال للموظف
قبل أي توقيع... فيه طلب.
الموظف قال
اتفضل.
قال محمود
عايز أتنازل عن جزء من نصيبي... يتصرف على علاج أختي الأرملة، وتعليم ابن أخويا اللي لسه في الجامعة.
ساد الصمت.
إخوته كانوا بيبصوله وكأنهم أول مرة يشوفوه.
حتى أنا... مكنتش مصدقة.
أخوه قرب منه، وربت على كتفه، وقال
أول مرة أحس إن أخويا رجع.
محمود ابتسم ابتسامة هادئة،
وبصلي.
فهمت من غير كلام إن الراجل اللي كان بيحسب البرتقانة، ويستكثر غدا على ضيف، بدأ أخيرًا يفهم إن قيمة الإنسان مش في اللي بيخبيه... لكن في اللي بيقدمه للناس.
تمت.

تم نسخ الرابط