ابويا جه بقلم زهرة الربيع
المحتويات
تمنه غالي.
يتبع...مضتش عشر دقايق، ولمحنا محمود داخل المطعم وهو بيلف بعينيه في كل اتجاه، لحد ما شافنا.
مشى ناحيتنا بخطوات سريعة، لكنه أول ما وصل للترابيزة، اتفاجأ إن أبويا قاعد بيضحك لأول مرة من ساعة ما دخل القاهرة، وقدامه الأكل متقدم باحترام، وكل اللي في المكان بيعاملوه كضيف عزيز.
وقف محمود وقال بصوت حاول يخليه هادي
يعني كان لازم تعملي كل ده؟
رديت وأنا بصب الشوربة لأبويا
كل إيه؟ دي مجرد وجبة غدا... مش أكتر.
قال بعصبية مكتومة قدام الناس بتحرجيني؟
ابتسم كريم وقال اللي بيحرج نفسه، محدش بيعرف يستره.
محمود بصله بضيق، لكن سكت لما لقى الناس حواليهم بدأت تلتفت.
أبويا حس بالتوتر، فحاول يخفف الجو وقال
يا جماعة، خلاص... إحنا أهل.
لكن الموقف كان أكبر من إنه يعدي بكلمتين.
محمود شد كرسي وقعد من غير ما حد يعزمه، وبص للأطباق اللي على الترابيزة.
قال وهو بيحاول يغير الموضوع واضح إن الحساب هيبقى كبير.
قلت بهدوء متشغلش بالك... الحساب متدفع من قبل ما نوصل.
رفع حاجبه باستغراب مين اللي دفعه؟
رد كريم أنا.
اتغير لون وش محمود، وقال بسرعة لا... مينفعش.
ابتسم كريم وقال الغريب هو اللي يدفع؟ ولا بنت الراجل اللي جه من آخر الدنيا عشان يطمن عليها تتكسف من جوزها؟
محمود مقدرش يرد.
وبدأ ياكل في صمت.
وأثناء الأكل، أبويا فتح الشنطة اللي كان جايبها معاه، وقال بابتسامة
أنا كنت مخبي حاجة لهبة عشان أديهالها بعد الغدا.
مد إيده وطلع ظرف بني سميك.
أنا استغربت وقلت إيه ده يا بابا؟
قال وهو بيحطه قدامي
افتحيه.
فتحت الظرف...
ولقيت جواه أوراق مختومة، ومعاها دفتر توفير باسمي.
محمود لمح الورق من بعيد، واتسعت عينيه.
قال بسرعة إيه الأوراق دي؟
أبويا ابتسم لأول مرة بثقة وقال
دي حاجة تخص بنتي... كنت مستني الوقت المناسب.
مديت إيدي أقلب الأوراق...
وفجأة اتجمدت مكاني.
لأن أول ورقة كانت عقدًا رسميًا، وعليه اسمي بالكامل...
وفي اللحظة دي، سقطت الشوكة من إيد محمود على الأرض، وبص لأبويا بذهول، وقال بصوت مرتعش
حضرتك... إنت عملت ده إمتى؟!
أما أبويا... فاكتفى بابتسامة هادئة، وقال
من سنين... واليوم بس جه وقته.
يتبع...مديت إيدي وأنا مرتبكة، وبدأت أقلب الورق واحدة واحدة.
طلع عقد شقة صغيرة في القاهرة... باسمي أنا.
مش قصر ولا فيلا، لكنها شقة نضيفة في منطقة متوسطة، متشطبة بالكامل.
بصيت لأبويا بذهول وقلت
إيه ده يا بابا؟ أنا أول مرة أشوف الكلام ده.
ابتسم وقال
فاكرة يا بنتي لما كنت بقولك إني بنزل القاهرة كل شهر أخلص شغل؟
هزيت راسي.
قال مكنش كله شغل... كنت بقسط الشقة دي. كل جنيه كنت أوفره من أرضي ومن تعبي كنت أحطه فيها. كنت بقول يمكن في يوم تحتاجي مكان يحفظ كرامتك.
اتسعت عيون محمود، وفضل باصص للعقد كأنه مش مستوعب.
لكن الصدمة الأكبر لسه جاية.
أبويا طلع دفتر توفير، وحطه قدامي.
وقال وده باسمك برضه.
فتحت الدفتر...
لقيت مبلغ أكبر بكتير مما كنت أتخيل.
قلت بسرعة يا بابا... كل ده؟!
قال بابتسامة كلها حنان
ده تحويشة عمر. كنت شايلها ليكي من يوم اتجوزتي. كل ما أبيع محصول، أحط جزء. قولت يمكن الأيام تضيق عليكي.
محمود بلع ريقه، وبصلي بنظرة مختلفة تمامًا.
وفجأة قال
يعني... الشقة دي ممكن تتأجر؟
سكتت.
أما كريم فبصله باستغراب وقال
أول سؤال جه في بالك الإيجار؟
محمود حس بالإحراج وقال بسرعة
لا... قصدي يعني... استثمار.
أبويا سحب العقد من قدامي بهدوء، ورجعه للظرف، وقال بنبرة لأول مرة كانت حازمة
متقلقش... لا الشقة ولا الدفتر ليهم أي علاقة بحد غير بنتي.
ساد صمت ثقيل على الترابيزة.
ومحمود فضل مطأطئ راسه.
بعد الغدا، وأنا بودع أبويا عند العربية، مسك إيدي وقال بصوت واطي
أنا مكنتش زعلان إنه بخل عليا بالأكل... الزعل الحقيقي
دموعي نزلت غصب عني.
قلت حقك عليا يا بابا.
ربت على كتفي وقال
حقّي يرجع لما أشوف بنتي عايشة مرفوعة الراس.
الكلمات دي فضلت ترن في ودني طول الطريق.
ولما رجعنا البيت...
اتفاجأت إن محمود كان قاعد في الصالة مستنينا، لكن المرة دي ملامحه كانت مختلفة.
قدامه ورقة وقلم... وحاطط جنبهم علبة معدنية قديمة عمرها سنين.
أول ما دخلت، فتح العلبة، وطلع منها رزم فلوس صغيرة متربطة بأستيك، وعمل حاجة عمره ما عملها قبل كده...
وقال
لازم أحكيلك الحقيقة... الحقيقة اللي خلتني أبقى بالشكل ده.
ثم حط آخر رزمة على الترابيزة، وقال
بعد ما تسمعيها... يا إما هتسامحيني... يا إما هتسيبيني للأبد.
يتبع...بصيتله من غير ما أتكلم.
كانت أول مرة أشوفه بنفس الارتباك ده. محمود اللي طول عمره صوته عالي وكلامه أوامر، كان قاعد مطأطئ راسه، وإيده بتترعش وهو بيفتح العلبة.
قال بصوت واطي
الفلوس دي مش مسروقة... ولا حرام. دي تحويشة عمري.
قلت ببرود
وأنا مالي؟
اتنهد وقال
أنا من يوم ما أبويا مات وأنا شايل هم الدنيا. شفت أمي وهي بتستلف عشان نعرف ناكل، وشفت إخواتي يتخانقوا على الجنيه. من يومها خوفت من الفقر بشكل مرضي. بقيت كل جنيه يدخل جيبي أخبيه، وأحسب كل قرش يخرج.
سكت شوية، وكمل
في الأول كنت فاكر إني بحافظ على بيتي... لكن من غير ما أحس بقيت بحافظ على الفلوس وأنسى الناس.
رديت عليه
الخوف من الفقر عمره ما كان مبرر لإهانة أبويا.
نزل راسه أكتر وقال
عارف... والكلمة اللي قلتها امبارح من أسوأ الكلام اللي خرج من لساني.
فضلنا ساكتين ثواني.
بعدها قام، وفتح دولاب الأوضة، وطلع كشكول قديم.
حطه قدامي.
فتحته...
لقيت فيه كل مصاريف البيت من يوم جوازنا.
ثمن رغيف العيش، وأنبوبة الغاز، وكيس السكر، وحتى جنيهين اشتريت بيهم مشبك شعر قبل سنة كانوا مكتوبين.
قلت
إنت كنت بتكتب كل ده؟
هز راسه وقال
كل حاجة... كنت فاكر إن دي شطارة.
قلبت آخر صفحة...
ولقيت مكتوب بخط كبير
زيارة والد هبة كوبايتي عصير.
اتجمدت.
هو نفسه كان كاتبها.
بص للورقة، ومسحها بإيده بسرعة، وقال بصوت مكسور
لما شوفت أبوكي وهو خارج من البيت من غير لقمة... حسيت إني بقيت شخص أنا نفسي أكرهه.
وفي اللحظة دي...
رن جرس الباب.
بصينا لبعض باستغراب.
فتحت الباب...
لقيت راجل لابس بدلة، وفي إيده ملف.
قال
الأستاذ محمود موجود؟
محمود خرج وهو مستغرب.
الراجل بص في الورق وقال
حضرتك كنت مقدم من فترة على شراء قطعة أرض في المزاد، صح؟
محمود قال
أيوه... بس الموضوع اتقفل.
الراجل ابتسم وقال
بالعكس... في مستند ناقص، ولو متقدمش خلال 48 ساعة، هتضيع عليك الأرض والمبلغ اللي دفعته مقدم.
اتغير وش محمود فجأة...
ولأول مرة، بان عليه خوف أكبر من خوفه على الفلوس...
لأن المستند المطلوب كان في مكان واحد فقط...
داخل الشقة القديمة المهددة بالسقوط... التي كان رافض يدخلها أو يبيعها منذ سنوات.
يتبع...محمود اتسمر مكانه، وخطف الورقة من إيد الراجل وهو بيقرأها أكتر من مرة.
قال بتوتر
إنت متأكد إن آخر ميعاد بعد يومين؟
الراجل هز راسه وقال
للأسف أيوه. لو المستند متقدمش في المعاد، الملف هيتقفل.
مشي الراجل، وقفلنا الباب.
فضل محمود واقف ساكت، وبعدها جري على الأوضة وبدأ يدور في كل الأدراج.
قلتله
بتدور على إيه؟
قال وهو بيقلب الدولاب
مفتاح الشقة القديمة.
لقيه بعد دقائق، ومسكه كأنه لقى كنز.
بصلي وقال
أنا لازم أروح حالًا.
قلت بهدوء
أنا جاية معاك.
اعترض في الأول، لكنه وافق.
وصلنا العمارة القديمة، وكانت حالتها أسوأ بكتير من آخر مرة شفناها.
شقوق كبيرة في السلم، وأجزاء من المحارة واقعة على الأرض.
البواب أول ما شاف محمود قال
الحمد لله إنك جيت. البلدية كانت هنا
طلعنا السلم بحذر.
كل خطوة كانت بتطلع صوت يخوف.
فتح محمود باب الشقة، ودخل يجري على أوضة النوم.
بدأ يقلب في الدولاب،
متابعة القراءة