سيب سقتك لاخوك للكاتبة مني سيد
يسألونا
إزاي بنيتوا البيت ده؟
كنا نرد بنفس الجملة
اتبنى بالطوب والأسمنت... لكن فضل واقف بالاحترام والعدل.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن الرسالة فضلت مع كل اللي سمعها المحبة الحقيقية لا تطلب من إنسان أن يتنازل عن حقه، وإنما تدفع الجميع للتعاون من غير ظلم ولا استغلال. بعد عشر سنين...
كنا قاعدين في البلكونة أنا وجوزي، بنتفرج على أولادنا وهم بيلعبوا في الجنينة.
فجأة رن موبايله.
بص للاسم وابتسم.
قلت مين؟
قال أمي.
رد عليها، وكانت بتقوله يا كريم... أنا عملت أكلة بتحبها، تعالى أنت وفاطمة والعيال.
ابتسم وقال حاضر يا أمي... إحنا جايين.
قفلت المكالمة، وبصلي وقال شوفي سبحان الله... زمان كنا بنروح بيتها وإحنا قلقانين، ودلوقتي بنروح وإحنا مشتاقين.
ضحكت وقلت لأن الاحترام رجّع المحبة.
ولما وصلنا، لقيت حفيدها الصغير بيسألها
يا تيتة... صحيح بابا قال إن عمو كريم كان هيسيب شقته لبابا؟
حماتي ابتسمت، وهزت راسها وقالت
لا يا حبيبي... كان هيغلط لو عمل كده، وأنا اللي كنت غلطانة.
الولد استغرب وقال ليه؟
قالت وهي بتربت على راسه
لأن ربنا أمرنا نكون عادلين، مش نضغط على حد عشان يضحي بحقه.
كلنا بصينا لبعض، وحسينا إن الجيل الجديد لازم يعرف الحقيقة من غير تجميل.
بعد الغدا، وأنا بغسل الأطباق، لقيت
قالت فاكرة اليوم اللي قلتلك فيه انزلي من شقتك؟
ابتسمت وقلت أيوه.
قالت وهي ماسكة إيدي
كل ما أدخل بيتكم وأشوفه عامر، أحمد ربنا إنكم رفضتوا. لو كنتوا وافقتوا، كان زماني أنا السبب في خراب بيتين بدل بيت واحد.
، وقلت
المهم إننا اتعلمنا.
ابتسمت وقالت
واتعلمنا إن الاعتذار ما بيقللش من حد... بالعكس، بيرفعه.
خرجنا من عندها آخر النهار، وجوزي قال وهو بيفتح باب العربية
تعرفي إيه أحلى حاجة حصلت؟
قلت إيه؟
قال إن أولادنا عمرهم ما شافوا خلاف بين إخوات بسبب ورث أو شقة... شافوا إن الحق ممكن يتاخد باحترام، وإن التسامح ييجي بعد الاعتراف بالغلط.
ابتسمت وأنا ببص للسماء، وقلت
الحمد لله... كانت أزمة، لكنها علمتنا درس هيعيش في العيلة سنين طويلة.
النهاية الحقيقية ليس كل انتصار يكون بكسب بيت، أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي هو أن تحافظ على كرامتك، دون أن تخسر أخلاقك. بعد مرور عشرين سنة...
كان بيتنا مليان ناس، لكن المرة دي مش بسبب مشكلة... كان بسبب فرح ابننا الكبير.
وأنا بجهز معاه، دخل علينا وقال
يا ماما... في حاجة عايز آخد رأيك فيها.
قلت اتفضل.
قال أخو خطيبتي لسه متخرج، وحالته المادية صعبة. باباها عرض عليّ أسيب له الشقة اللي كنت مجهزها، وأبدأ أنا من جديد في شقة إيجار.
سكتُّ
ابتسم وقال لابننا
وإنت رديت بإيه؟
قال
قلت لهم إني مستعد أساعده بكل اللي أقدر عليه... أديه فلوس، أساعده يجيب عفش، أشغله معايا... لكن مش هبني بيته على حساب بيتي.
ابتسمت، ودموعي نزلت.
قلت له
كده يبقى أنت فهمت الدرس اللي أخدنا سنين عشان نتعلمه.
وفي يوم الفرح، حماتي كانت قاعدة على كرسيها، كبر السن عليها، لكن عقلها بقى أنضج من أي وقت.
نادَت على حفيدها وقالت قدام كل الناس
أوعى في يوم تفتكر إن الطيبة معناها تتنازل عن حقك، وأوعى تفتكر إن العدل يزعل حد. اللي يزعل من العدل، عمره ما كان بيدور على الحق.
صفق الموجودون، وأخو جوزي قام حضن أخوه قدام الجميع وقال
أنا فخور إنك أخويا... ولو رجع بيا الزمن ألف مرة، هقولك ارفض تسيب شقتك كل مرة.
ضحك جوزي وقال
الحمد لله إننا فهمنا الدرس قبل ما نخسر بعض.
وفي آخر الليلة، رجعنا البيت القديم... البيت اللي بدأت فيه كل الحكاية.
فتح جوزي الباب، وبص في كل ركن، وقال
هنا اتخذنا أصعب قرار... لكنه كان أصح قرار.
ابتسمت وقلت
وهنا عرفنا إن البيت مش مجرد أربع حيطان... البيت هو المكان اللي بيتحفظ فيه حق أصحابه.
أغلق الباب خلفه، ومشينا، بينما ظل البيت شاهدًا على حكاية بدأت بطلب ظالم... وانتهت بعائلة تعلمت أن العدل هو الذي يحفظ المحبة،
تمت. كانت الشمس بتغرب، وإحنا واقفين قدام بيتنا لأول مرة من سنين من غير أي وجع في القلب.
جوزي بص للشقة، وابتسم وقال
عارفة... كنت فاكر إن أصعب حاجة في الدنيا إني أبني بيت، لكن اكتشفت إن الأصعب إني أحافظ عليه من غير ما أخسر أهلي.
قلت له
وأنت نجحت... لأنك حافظت على بيتك، وفي نفس الوقت ما قطعتش رحمك.
في اللحظة دي، خرجت حماتي من العربية، ومشت ناحيتنا بخطوات هادئة.
طلعت من شنطتها مفتاحًا قديمًا، ومدته لجوزي.
وقالت
ده مفتاح شقتي القديمة... احتفظ بيه. مش عشان تسكن فيها، لكن عشان كل ما تشوفه تفتكر إن الأم ممكن تغلط... لكن الاعتراف بالغلط هو اللي بيرجع القلوب لبعض.
أخذ المفتاح، وقبّل رأسها، وقال
وأنا عمري ما كنت مستني شقة ولا فلوس... أنا كنت مستنيكي
سامحوني.
قلت لها
ربنا يجمعنا دايمًا على الخير.
بعدها بسنوات، رحلت حماتي إلى رحمة الله، لكنها رحلت وهي راضية، وأولادها مجتمعين حولها، لا خصومة بينهم ولا قطيعة.
وفي كل عيد، كانت العائلة تجتمع في بيتنا، وأحفادها يلعبون معًا، لا يعرفون شيئًا عن الخلاف القديم، إلا درسًا واحدًا كان يردده جوزي دائمًا
ساعد أخوك بما تملك... لكن لا تأخذ حق أخيك لتُرضي أحدًا.
وأدركت وقتها أن النهاية السعيدة لم تكن لأننا احتفظنا
بل لأننا احتفظنا باحترامنا، ولم نسمح للخلاف أن يحولنا إلى أعداء.
تمت.