خمس سنين للكاتبه أمانى السيد
إن النجاح فلوس، وسفر، وناس تبهرها بيا. لكن اكتشفت متأخر إن النجاح الحقيقي كان في إنسانة كانت مستعدة تبني معايا بيت من أول طوبة، وأنا ضيعتها بإيدي.
وفي آخر الرسالة كتب
لو في حاجة واحدة أتمنى الناس تتعلمها من حكايتي، فهي إن محدش يسيب قلب بيحبه بصدق عشان يطارد وهم أحسن منه.
قفلت هدى الرسالة، ودعت له بالرحمة، ثم وضعتها في صندوق صغير مع كل الذكريات القديمة.
رجعت لبيتها، وفي المساء كانت قاعدة مع ليان.
سألتها ليان
ماما... هو أول حب في حياة الإنسان بيتنسي؟
ابتسمت هدى وقالت
لأ... أوقات مبيتنسيش. لكن بيتحول لدرس. والفرق كبير بين إنك تفتكر حد... وإنك تتمنى ترجعله.
قالت ليان
ولو رجع الزمن بيكي؟
ابتسمت هدى وهي تنظر إلى كريم، الذي كان يضحك مع أحفادها في الحديقة، ثم قالت
لو رجع الزمن... هختار نفسي من أول يوم. لأن اللي يحبك بجد، مش هيطلب منك تعلقي حياتك عشانه، وهيجيلك من الباب، ويحارب عشان يكون معاك.
وفي تلك الليلة، أغلقت هدى صندوق الذكريات للمرة الأخيرة.
ولم تفتحه بعدها أبدًا.
وهكذا انتهت الحكاية، لا بانتصار أحد على أحد، بل بانتصار الإنسان على ضعفه، وعلى خوفه من البدء من جديد. بعد سنوات طويلة...
كانت هدى تجاوزت الستين من عمرها، تجلس في شرفة بيتها وقت الغروب، وبين يديها ألبوم صور قديم.
دخلت حفيدتها الصغيرة وجلست بجوارها، ثم سألتها ببراءة
تيتا... هو صحيح إنك كنتي مستنية حد زمان؟
ابتسمت هدى، وأغلقت الألبوم برفق، وقالت
أيوه... استنيت، لكن اتعلمت
قالت الطفلة إيه هو؟
قالت هدى وهي تمسح على شعرها
إن الإنسان ميستناش حد مش مستعد يختاره. اللي بيحب بجد، بييجي من الباب، وبيحافظ على اللي بيحبه، مش يسيبه معلق بين الأمل والوجع.
وفي تلك اللحظة دخل كريم، وقد غزا الشيب شعره، لكنه ظل يبتسم لها بنفس النظرة التي أحبّتها منذ أول يوم.
قال وهو يضحك لسه بتحكي لهم حكايتك القديمة؟
ضحكت هدى وقالت لا... دي مبقتش حكايتي، دي بقت حكمة.
اقترب كريم وأمسك يدها، كما كان يفعل دائمًا، وقال وأجمل حاجة فيها إن نهايتها كانت سعيدة.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان، ثم قالت
لأن ربنا لما بيقفل باب ظلم، بيفتح باب رحمة... بس لازم الإنسان يرضى يمشي ناحيته.
في تلك الليلة، أغلقت هدى الألبوم للمرة الأخيرة، لكنها لم تغلق قلبها، لأنه كان مليئًا بأولادها وأحفادها، وبسنوات من الحب الحقيقي الذي جاء في وقته الصحيح.
وهكذا بقيت قصتها تُروى في العائلة، ليس كقصة فتاة ضاع عمرها في الانتظار، بل كقصة امرأة عرفت متى تتوقف عن الانتظار... فتبدأ الحياة.
النهاية الأخيرة حقًا.
لا تؤجل حياتك انتظارًا لوعدٍ لا يحميه فعل، فالعمر لا يعود، والكرامة إذا حفظتها، حفظتك بعد رحيل كريم بسنوات، كانت هدى تعيش وسط أولادها وأحفادها، وكلهم يتنافسون على إسعادها.
وفي يوم، كانت ترتب مكتبتها القديمة، فوقعت منها مفكرة جلدية لم تفتحها منذ أكثر من أربعين عامًا.
فتحتها...
ولقت أول صفحة مكتوب فيها بخط إيدها وهي بنت عندها عشرين سنة
أنا
ابتسمت... ثم ضحكت من قلبها لأول مرة على الجملة دي.
دخلت حفيدتها وسألتها بتضحكي على إيه يا تيتة؟
قالت هدى بضحك على البنت الصغيرة اللي كانت فاكرة إن مستقبلها كله مربوط بوعد من إنسان.
قالت الحفيدة ولو قابلتيها دلوقتي... كنتي هتقوليلها إيه؟
سكتت هدى لحظة، ثم قالت
كنت هحضنها... وأقول لها عيشي حياتك، اتعلمي، اشتغلي، افرحي، ومتوقفيش الزمن عشان حد. اللي بيحبك هيجري عشان يلحقك، مش هيطلب منك تفضلي واقفة مكانك.
في المساء، أخرجت هدى الورقة من المفكرة.
قرأت السطر مرة أخيرة...
ثم مزقته إلى قطع صغيرة، ووقفت أمام الشباك، وتركت الهواء يحملها بعيدًا.
كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن آخر خيط يربطها بالماضي قد انقطع.
أغمضت عينيها، وهمست
الحمد لله... الحياة كانت أرحم بيا مما كنت أتخيل.
وفي الخارج، كان أحفادها يضحكون وينادونها
تيتة هدى... يلا نصور صورة العيلة!
ابتسمت، وأغلقت المفكرة، ونهضت بخطوات هادئة.
هذه المرة، لم تكن تمشي نحو ذكرى...
بل كانت تمشي نحو عائلة صنعتها بنفسها، وحياة اختارتها بإرادتها.
وهكذا انتهت الحكاية، وبقيت رسالتها
لا تجعل أحدًا يؤجل عمرك، فمن يريدك حقًا، سيأتي إليك بخطوة، لا بوعد. النهاية
بعد سنوات طويلة، كانت هدى تجلس وسط أولادها وأحفادها في حديقة بيتها، تراقب ضحكاتهم وهي تشعر أن الله عوضها عن كل لحظة بكت فيها.
رن هاتفها برقم غريب.
ردت، فجاءها صوت هادئ يقول
حضرتك الأستاذة
ساد الصمت.
أكمل الرجل الأستاذ حازم توفاه الله منذ أيام، وترك وصية يطلب فيها أن تصلك رسالة منه.
أغلقت هدى عينيها، وقالت بهدوء ربنا يرحمه.
وصلها الظرف في اليوم التالي.
فتحت الرسالة، فوجدت فيها كلمات قليلة
يا هدى... قضيت عمري كله أفتكر إن الفرصة هتفضل مستنياني، وإنك هتسامحيني في أي وقت. اكتشفت متأخر إن بعض القلوب لما بتنكسر، مبتعرفش ترجع زي الأول. سامحيني إن قدرتي الوحيدة كانت الانتظار، بينما أنا اخترت غيرك. ادعيلي بالرحمة... وخلي حكايتي تكون درس لكل حد يستهين بقلب بيحبه بصدق.
طوت هدى الرسالة، ورفعت يديها إلى السماء وقالت
اللهم اغفر له وارحمه، كما أسألك أن تغفر لي ضعفي يوم ظننت أن سعادتي في يد إنسان.
ثم وضعت الرسالة داخل مصحفها، لا لتعيش على الذكرى، ولكن لتتذكر الدرس.
وفي المساء، جلست حفيدتها بجوارها وسألتها
تيتا... إيه أهم حاجة اتعلمتيها في حياتك؟
ابتسمت هدى وقالت
إن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن توقفي حياتك في انتظاره. وإن الإنسان اللي يريدك، يأتي إليك بوضوح، ويحترم وقتك وقلبك. أما من يتركك معلقة بين وعد وتأجيل، فهو لا يستحق أن تهديه عمرك.
نظرت إلى زوجها كريم، الذي كان يضحك مع الأحفاد، ثم قالت في نفسها
الحمد لله... لو لم ينكسر قلبي يومًا، ما كنت لأصل إلى هذا السلام.
وانتهت الحكاية، لا لأن هدى انتقمت من حازم، بل لأنها اختارت أن تنقذ ما تبقى من عمرها، فكان عوض الله أكبر من كل ما فقدته.
تمت.
لا تنتظر