خمس سنين للكاتبه أمانى السيد
المحتويات
انتصار هدى لأنها ارتبطت بشخص آخر، بل لأنها استعادت نفسها، ولم تعد تسمح لأحد أن يجعل حياتها مجرد انتظار بعد ثلاث سنوات...
كان في مؤتمر كبير للشركات، وهدى كانت من ضمن المتحدثين الرئيسيين. وقفت على المسرح بثقة، والجمهور كله بيصفق لها بعد نجاحها في مشروع خلا اسم شركتها يتصدر السوق.
وأول ما نزلت من على المسرح، لمحته.
حازم.
كان واقف بعيد، لابس بدلة قديمة نسبيًا، ونظراته مليانة حسرة.
استأذن من الموجودين وقرب منها وقال
مبروك يا هدى... تستاهلي كل خير.
ابتسمت باحترام وقالت شكرًا.
قال وهو بيحاول يبتسم فاكرة زمان لما كنتِ بتقولي إنك مستعدة تستنيني العمر كله؟
ردت بهدوء فاكرة... وفاكرة كمان إن الإنسان لازم يتعلم من غلطه.
تنهد وقال أنا خسرت كل حاجة... ناتالي سابتني، والشغل اللي كنت فاكره أمان راح، وحتى أصحابي بعدوا عني. كل يوم بندم إني ضيعت إنسانة كانت بتحبني بصدق.
قالت الندم مش بيرجع العمر يا حازم.
سكت لحظة، ثم قال في أمل... حتى نبقى أصحاب؟
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بعض الناس مكانهم بيبقى ذكرى... مش مستقبل.
مد إيده يسلم عليها.
صافحته باحترام، ثم سحبت إيدها بسرعة.
في اللحظة دي، جه كريم ومعاه طفلة صغيرة عمرها سنتين، جريت على هدى وهي بتضحك
ماما... وحشتيني.
شالِتها هدى وباستها، وكريم ابتسم وقال يلا يا هدى... الكل مستنينا.
حازم وقف يبص للمشهد في صمت.
لأول مرة فهم إن الخسارة الحقيقية مش إنه خسر حبيبة... لكنه خسر بيتًا كان ممكن يكون أجمل شيء في حياته، بسبب أنانيته واستهانته بمشاعر إنسانة أحبته بصدق.
خرجت هدى مع زوجها وابنتها وهي مطمنة وسعيدة، ولم تلتفت خلفها هذه المرة.
أما حازم، فبقي وحده، يحمل درسًا لن ينساه أبدًا
القلوب المخلصة لا تنتظر إلى الأبد، ومن يفرط فيها قد لا يجد فرصة ثانية.
تمت القصة. بعد خمس سنوات...
كانت هدى قاعدة
رن جرس الباب.
الخادمة فتحت، وبعد دقيقة دخلت وقالت
يا مدام... في راجل برة بيقول إنه يعرف حضرتك، وبيقول ضروري يشوفك.
استغربت هدى، وخرجت.
أول ما شافته... اتصدمت.
كان حازم.
لكن المرة دي، مكنش فيه أي أثر للشاب الواثق اللي كسر قلبها زمان.
وشه كان شاحب، هدومه بسيطة، وعينيه باين فيهم تعب السنين.
قال بصوت مكسور
عارف إن ماليش حق أجيلك... بس دي آخر مرة هطلب منك حاجة.
هدى وقفت بهدوء وقالت
خير؟
طلع من جيبه ظرف صغير، ومده لها.
قال
ده جواب كتبته من كام شهر... كنت عايز أديهولك قبل ما أسافر.
سألته
مسافر فين؟
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
راجع الغربة... بس المرة دي مش عشان أبني مستقبل... عشان أهرب من حياتي.
أخدت الظرف، لكنها ما فتحتهوش.
قال
مش طالب منك تسامحيني... ولا ترجعيلي... أنا بس كنت عايز أقولك إنك كنتِ أحسن نعمة ربنا بعتهالي، وأنا ضيعتها بإيدي.
في اللحظة دي خرج كريم من البيت.
بص لحازم، ثم بص لهدى، وقال بهدوء
كل حاجة تمام؟
ردت هدى
أيوه... مجرد صفحة قديمة كانت جاية تتقفل.
حازم ابتسم بحزن.
وقال
ربنا يحفظلكم بعض.
لف ومشى بخطوات بطيئة، من غير ما يبص وراه.
فتحت هدى الظرف بعد ما اختفى من الشارع.
كان مكتوب فيه
في يوم افتكرت إن اللي بيحب هيستنى مهما عملت... واكتشفت متأخر إن الصبر ليه نهاية، وإن الكرامة لما بتصحى، مبتنامش تاني. سامحيني لو تقدري... وإن مقدرتيش، فأنا أستحق.
قفلت الجواب، وبصت للسماء.
ثم قطّعته ورمته في سلة المهملات.
رجعت لبيتها، ومسكت إيد بنتها، وقالت وهي مبتسمة
يلا يا حبيبتي... بابا مستنينا.
دخلت وأغلقت الباب خلفها...
ولم يُفتح هذا الباب لحازم مرة أخرى.
وهكذا انتهت الحكاية... لأن بعض النهايات المؤلمة، هي في الحقيقة أجمل
في ليلة هادئة، كانت هدى قاعدة مع كريم في البلكونة، لما موبايلها رن.
رقم غريب.
ردت، لكن اللي كلمها مكانش حازم...
كان أخوه.
قال بصوت متردد
أنا آسف إني بكلمك في وقت متأخر... بس حازم وصاني لو حصله حاجة أكلمك.
اتجمدت هدى مكانها.
سألته بهدوء
خير؟
قال
حازم عمل حادثة في الغربة... وهو دلوقتي في المستشفى.
سكتت ثواني، ثم قالت
ربنا يشفيه.
رد أخوه وهو بيعيط
هو فاق كام دقيقة، وقال جملة واحدة... قولوا لهدى إنها كانت الوحيدة اللي حبتني بصدق... وبعدها دخل العمليات.
قفلت هدى المكالمة، وحطت الموبايل على الترابيزة.
كريم سألها
في حاجة؟
قالت بهدوء
واحد من الماضي بيمر بأزمة.
مسك كريم إيدها وقال
الماضي نتعلم منه... لكن منرجعلوش.
هزت رأسها بالموافقة.
بعد أسبوع، وصلها خبر إن حازم نجا من العملية، لكنه فقد جزءًا كبيرًا من أمواله، وقرر يعيش حياة هادئة بعيدًا عن كل الناس.
أما هدى، فاختارت ألا تتواصل معه.
ليس لأنها تكرهه...
ولكن لأنها تعلمت أن الرحمة لا تعني الرجوع، وأن التسامح لا يعني إعادة من كسر الثقة إلى المكان نفسه.
مرت السنوات، وكبرت ابنتها وهي ترى أمًا قوية وأبًا محبًا، وتعلمت منهما أن الحب الحقيقي لا يقوم على الانتظار الطويل أو الوعود المؤجلة، بل على الوضوح والاحترام والالتزام.
النهاية الحقيقية قد يندم من ضيّع شخصًا مخلصًا، لكن الندم وحده لا يعيد الزمن، ولا يمحو أثر السنوات التي ضاعت. أحيانًا يكون أجمل انتقام هو أن تعيش سعيدًا، لا أن تعيش منتظرًا اعتذارًا لن يغيّر شيئًا بعد خمسة عشر عامًا...
كانت هدى واقفة في حفل تخرج بنتها ليان من الجامعة، والدموع في عينيها من الفرحة.
افتكرت نفسها وهي في نفس السن، قاعدة قدام الموبايل، مستنية رسالة من حازم، ومؤجلة حياتها كلها على أمل كاذب.
بصت لبنتها وقالت وهي تحضنها
أوعي في
ليان ابتسمت وقالت
اطمني يا ماما... أنا اتعلمت منك.
في نفس اليوم، وبينما كانوا خارجين من الحفل، شافت هدى راجلًا كبيرًا في السن قاعد على مقعد في الحديقة المقابلة.
كان شعره أبيض بالكامل.
ولما رفع رأسه...
عرفته.
حازم.
كان ماسك عصاية، وملامحه مرهقة، لكن أول ما شافها ابتسم ابتسامة هادئة، خالية من الكبرياء لأول مرة.
قرب منها ببطء وقال
دي بنتك؟
قالت بابتسامة
أيوه... ليان.
بص للبنت وقال
ربنا يحفظك يا بنتي.
ثم التفت لهدى وقال
أنا مش جيت أفتح الماضي... أنا جيت أشكرك.
استغربت وسألته
تشكرني على إيه؟
قال
لأنك لما رفضت ترجعيلي... أنقذتيني من نفسي. فضلت سنين ألومك، وبعدها فهمت إن المشكلة كانت فيا أنا. اتعلمت متأخر إن الحب مسؤولية، مش مجرد كلام ووعد.
سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت صورة لهدى أيام الخطوبة.
قال وهو يبتسم بحزن
الصورة دي فضلت معايا العمر كله... مش عشان أعيش على الماضي، لكن عشان أفضل فاكر الغلط اللي دمر حياتي.
أخذ الصورة، ومزقها بنفسه، ثم رماها في سلة المهملات.
وقال
دلوقتي أقدر أمشي وأنا مرتاح.
ابتسمت هدى وقالت
ربنا يرزقك راحة القلب.
هز رأسه، واستدار ومشى بخطوات هادئة، دون أن يلتفت.
أمسكت هدى بيد زوجها كريم، وباليد الأخرى يد ابنتها، وساروا معًا.
نظرت إلى السماء وهمست
الحمد لله... لو كان الزمن رجع، لاخترت الطريق الصعب نفسه، لأنه وصلني للحياة اللي أنا فيها النهارده.
تمت القصة. بعد أيام من اللقاء الأخير...
كانت هدى قاعدة في مكتبها، لما وصلها ظرف قديم بالبريد.
استغربت، لأن الظرف كان مكتوب عليه بخط إيد حازم، لكن تاريخ الإرسال كان قبل وفاته بأيام.
فتحت الظرف بهدوء، ولقت جواه رسالة طويلة.
كان أول سطر فيها
لو الرسالة دي وصلتلك،
كملت القراءة، وكانت الدموع بتنزل من غير ما تحس.
كتب حازم
أنا عشت سنين فاكر
متابعة القراءة