فى بيت اهلى للكاتبه أمانى السيد
قلته كان أنا هفضل أشتغل، وليا ذمتي المالية المستقلة، ومش هقبل أي إهانة من أي حد.
ابتسم وقال أنا بطلب زوجة... مش خدامة، وشريكة حياة... مش حد يشيل عني مسؤولياتي.
وافقت...
وبعد الجواز، كانت أول مفاجأة.
في أول يوم، صحيت بدري عشان أجهز الفطار.
لقيته سبقني للمطبخ.
بيحضر الشاي، وبنته الصغيرة بتحط الأطباق على السفرة وهي بتضحك.
بصلي وقال تعالي اقعدي... النهارده دوري أخدمك.
وقفت مكاني، والدموع نزلت من غير ما أحس.
مش لأن حد عمل لي فطار...
لكن لأن لأول مرة في حياتي، حسيت إن في بيت شايفني إنسانة، وليا قيمة، وليا مكانة.
وقتها بس أيقنت...
أن الله قد يؤخر العوض، لكنه إذا جاء، أنسى القلب كل ما ذاقه من مرارة.
النهاية السعيدة بعد خمس سنوات...
كنت قاعدة في جنينة البيت، وبنت جوزي بقت تناديني ماما، بعد ما سابت لها الحرية تختار بنفسها، وعمرها ما حسّت إني أخدت مكان أمها، بل حسّت إن قلبي وسعها.
وفجأة، رن جرس الباب.
الخادمة دخلت وقالت في ست كبيرة بره، بتقول إنها لازم تشوف حضرتك.
خرجت...
واتصدمت.
كانت حماتي.
لكنها ما كانتش نفس الست اللي كانت بتأمر وتنهى.
كانت أكبر في السن، ملامحها مرهقة، وماشية بعصاية.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
وقالت ممكن تسامحيني؟
فضلت ساكتة.
كملت وهي بتبكي بعد ما مشيتي، كل واحد راح في طريقه. بناتي انشغلوا ببيوتهم، وأولادي اتجوزوا ومحدش رضي يعيش معايا. حتى ابنك... قصدي ابني... اللي كان بيسمع كلامي في كل حاجة، بقى عايش لوحده ومبقاش يزورني غير كل فترة.
سكتت شوية وقالت افتكرت إن اللي يذل الناس، هيلاقي اللي يديله نفس الكأس.
كان كلامها طالع من قلب مكسور.
في اللحظة دي، خرج جوزي من البيت، ووقف بعيد يسمع.
قرب منها، وسألها حضرتك محتاجة حاجة؟
بصت له باستغراب.
قال بهدوء أنا زوجها.
بصتلي... ثم بصت له.
وقالت ربنا عوضك خير.
ابتسم زوجي وقال العوض الحقيقي إنها عرفت قيمتها.
بكيت حماتي أكثر، وقالت أنا ظلمتها... وكنت السبب في خراب بيت ابني.
قلت لها بهدوء اللي فات انتهى... وأنا مسامحاكي لوجه الله.
رفعت رأسها وهي غير مصدقة.
وقبل ما تمشي، بنتي الصغيرة جريت عليها، ومدت لها زجاجة مية وقالت بابتسامة اتفضلي يا تيتة.
حماتي أخدتها وهي بتبكي.
يمكن لأول مرة في حياتها...
حد يخدمها بمحبة، مش خوفًا منها.
وقفت أبص لها وهي ماشية، وحسيت إن ربنا أحيانًا لا ينتقم بالصوت العالي...
بل يجعل الإنسان يرى نتيجة أفعاله بنفسه.
وأغلقت باب الماضي تمامًا، وفتحت بابًا جديدًا، عنوانه
الكرامة لا تُشترى، ومن عرف قيمته، لن يسمح لأحد أن يسلبها منه.
تمت بحمد الله بعد عدة أشهر...
في يوم كنت راجعة من الشغل، لقيت رقم غريب بيتصل بيا.
رديت.
جالي صوت راجل
قال حضرتك الأستاذة...؟
قلت أيوه.
قال أنا محامي طليقك.
اتوترت، وافتكرت إن في قضية جديدة.
لكن الراجل قال اطمني... أنا باتصل أنفذ وصيته.
سكتُّ لحظة، وقلت وصية مين؟
قال بهدوء طليقك... توفي من أسبوع إثر أزمة قلبية.
اتجمدت في مكاني.
مهما كان اللي بينا، خبر الموت كان صعب.
كمل المحامي قبل وفاته بشهور، كتب وصية، وطلب ما تتفتحش إلا بعد وفاته.
بعد أيام، رحت مكتب المحامي.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ
يمكن تكوني آخر واحدة ليها حق تسامحني. عشت سنين فاكر إن الرجولة سيطرة، وإن الست لازم تفضل مكسورة عشان الراجل يبقى كبير. لكن لما خسرتك، خسرت احترام نفسي قبل أي حاجة. حاولت أصلح، لكن كان الوقت فات.
وسكت المحامي لحظة، ثم أكمل
أنا بوصي إن جزء من فلوسي يتعمل بيه مشروع يساعد الستات اللي اتعرضوا للظلم، ويتعلموا منه صنعة يعيشوا بيها. ولو وافقتِ تشرفي عليه، أبقى متأكد إن الفلوس دي هتروح للمكان الصح.
قفلت عيني.
افتكرت كل لحظة ذل.
وافتكرت كمان إنه في آخر أيامه اعترف بغلطه.
بصيت للمحامي وقلت
أنا هقبل... لكن مش عشانه.
سألني أمال عشان مين؟
قلت
عشان مفيش بنت تانية تسمع من جوزها أنا اتجوزتك عشان تبقي خدامة، وتحس إنها ملهاش قيمة.
وبالفعل، بعد عام، افتتحنا مركزًا صغيرًا لتدريب السيدات على الحرف والمشروعات الصغيرة.
وعلى مدخل المركز، علّقنا لوحة مكتوب عليها
العمل كرامة... أما الاستعباد فليس من حق أحد.
وكانت كل سيدة تدخل المكان تخرج وهي مؤمنة أن قيمة الإنسان لا يحددها من يستغله، بل يحددها احترامه لنفسه وإيمانه بقدرته على البدء من جديد.
النهاية الحقيقية بعد افتتاح المركز بعامين...
جت بنت صغيرة في أوائل العشرينات، كانت واقفة على الباب وبتبكي.
دخلت عندي وقالت
ممكن أكلم حضرتك خمس دقايق؟
ابتسمت وقلت اتفضلي يا بنتي.
قعدت قدامي، وطلعت من شنطتها ورقة قديمة.
كانت صورة من أول خبر اتنشر عن قصتي بعد ما فتحت مشروعي.
قالت وهي بتمسح دموعها
أنا احتفظت بالورقة دي من أربع سنين... كل ما كنت أضعف كنت أقرأها.
استغربت وسألتها ليه؟
قالت
لأن جوزي كان بيعمل فيا نفس اللي حصل معاكي... ويمكن أسوأ.
ونزلت دموعها.
كان بيخليني أخدم أهله كلهم، ولو تعبت يقول الست اللي متعرفش تخدم متستحقش تبقى زوجة.
حسيت إن الزمن رجع بيا سنين.
مسكت إيديها وقلت
وبعدين؟
ابتسمت لأول مرة وقالت
سيبته.
سألتها
وخايفة من إيه؟
قالت
خايفة أبدأ من جديد.
ضحكت وأنا باصة لها.
وقلت
أنا كمان كنت خايفة.
وأشرت بإيدي على القاعة الكبيرة اللي مليانة سيدات بيتعلموا ويشتغلوا.
وقلت
شايفة كل دول؟ كل واحدة فيهم كانت فاكرة إن النهاية وصلت... لكن دي كانت البداية.
خرجت البنت من عندي وهي مبتسمة.
وأنا
الوجع اللي عشته بقى سبب في إن غيري يلاقي طريق للنجاة.
وقتها رفعت إيدي للسماء وقلت
يارب، كما بدلت كسري قوة، اجعل كل مكسور يجد بابًا للفرج، ولا تجعل أحدًا يذوق الذل على يد من كان يجب أن يكون له سندًا.
وانتهت الحكاية... لكن أثرها فضل يعيش في قلوب ناس كتير، لأن الكرامة إذا ضاعت مرة، يمكن استردادها، أما من يرضى بالظلم فلا ينتهي ظلمه أبدًا.
تمت بحمد الله بعد مرور عشر سنوات...
كنت واقفة في قاعة كبيرة، والمركز الصغير اللي بدأناه بقى مؤسسة معروفة بتساعد مئات السيدات كل سنة.
كان فيه احتفال بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيسه.
وأثناء الحفل، طلعت شابة على المسرح عشان تلقي كلمة.
أول ما شفتها، عرفتها.
كانت البنت اللي دخلت عليّ من سنين وهي منهارة، وخايفة تبدأ من جديد.
ابتسمت لها، وبدأت تتكلم
من عشر سنين كنت داخلة المكان ده وأنا فاكرة إن حياتي انتهت. النهارده أنا صاحبة مصنع صغير، وبشغّل أكتر من خمسين ست.
القاعة كلها صفقت.
ثم نزلت من على المسرح، ومسكت إيدي، وقالت قدام الناس
لو الست دي استسلمت زمان، أنا وغيري كنا ضيعنا.
دموعي نزلت.
مش دموع حزن...
دي كانت دموع امتنان.
بعد انتهاء الحفل، رجعت البيت.
دخلت أوضتي، وفتحت الدرج اللي محتفظة فيه بكل ذكرياتي.
كان فيه صورة قديمة من أول يوم جواز.
كنت باصة فيها للكاميرا بابتسامة بريئة، مش عارفة إيه اللي مستنيني.
بصيت للصورة دقيقة كاملة...
وبعدين قطعتها.
مش كرهًا للماضي...
لكن لأن الماضي ما بقاش يملك أي سلطة عليّ.
في نفس اللحظة، دخل زوجي.
شاف قصاصات الصورة على الترابيزة.
قرب مني وقال
زعلانة؟
ابتسمت وأنا بهز راسي.
لا... بالعكس.
سألني
أمال بتقطعيها ليه؟
قلت
عشان أفتكر إن الإنسان مش لازم يفضل سجين أول قصة في حياته.
ابتسم، وأخذ القصاصات ورماها في سلة المهملات.
ثم قال
وأجمل قصة لسه عايشينها.
ابتسمت وأنا أنظر لأولادي وهم بيلعبوا في الحديقة، وبنته الكبيرة، اللي بقت بنتي بكل معنى الكلمة، كانت تضحك مع إخواتها من غير ما تفرق بينهم.
ساعتها فهمت إن السعادة مش معناها إن الإنسان عمره ما يتوجع...
السعادة الحقيقية إن الوجع
ما يمنعوش يعيش، ولا يخليه ينسى قيمته.
وهكذا انتهت الحكاية... لكنها بدأت في حياة كل من قرأها وتعلّم منها أن الكرامة ليست رفاهية، بل حق لا يجوز التنازل عنه.
تمت بحمد الله بعد عشرين سنة...
كنت قاعدة في شرفة البيت وقت الغروب، بشرب الشاي مع جوزي، وأحفادي بيجروا في الجنينة يملوا المكان ضحك.
دخلت حفيدتي الكبيرة، وكان عندها حوالي سبعتاشر سنة، وقعدت جنبي وقالت
تيتة... ينفع أسألك سؤال؟
ابتسمت وقلت طبعًا.
قالت بتردد هو صحيح
بصيت لجوزي، فابتسم وقال جاوبيلها... هي كبرت وبقت تفهم.
تنهدت، وقولت
أيوه يا حبيبتي... واتعلمت أغلى درس في حياتي من الجوازة دي.
سألتني كرهتيه؟
هزيت رأسي.
في الأول... أيوه. لكن مع الوقت فهمت إن الكراهية بتربطنا بالماضي، وأنا كنت عايزة أتحرر.
سكتت شوية، ثم سألت
ولو رجع بيكي الزمن... كنت هتوافقي تتجوزيه؟
ابتسمت بحزن.
لا.
عشان كان وحش؟
قلت عشان كنت أنا وقتها مش عارفة قيمتي.
سكتت الحفيدة وهي بتفكر في كلامي.
ثم قالت يعني أهم حاجة في الجواز الحب؟
ابتسمت وربتُّ على إيدها.
الحب مهم... لكن الاحترام أهم. لأن اللي يحبك بجد، عمره ما يهينك، ولا يقلل منك، ولا يشوفك خدامة أو ملكية خاصة.
في اللحظة دي، سمعت بنتي بتنادي من جوه البيت
الأكل جاهز.
ضحكت حفيدتي وقالت يلا يا تيتة.
قمت وأنا سندة على عصايتي، لكن قبل ما أدخل، بصيت للسماء وقلت في سري
الحمد لله... يا رب كما سترتني وعوضتني، استر كل قلب مكسور، وارزق كل مظلوم فرجًا من عندك.
دخلت البيت وسط أولادي وأحفادي، وكل واحد فيهم بيتسابق عشان يساعدني.
وقفت لحظة أتأمل المشهد...
وافتكرت البنت الصغيرة اللي كانت بتجري طول اليوم تخدم الكل، وما حدش كان بيسألها تعبتِ ولا لأ.
ابتسمت.
لأنها أخيرًا... ارتاحت.
تمت بحمد الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النهاية
بعد سنوات طويلة، وقفت قدام المرآة وأنا شايفة شعري اللي غزاه الشيب، لكن لأول مرة كنت شايفة في عيني راحة حقيقية.
لفيت بصري في البيت... أولادي ناجحين، وأحفادي بيملوا المكان ضحك، وجوزي كان بيجهز الشاي وهو بينادي
تعالي ارتاحي... سيبي كل حاجة.
ابتسمت.
الجملة دي كانت كفيلة تمحي سنين من الوجع.
وفي مساء هادئ، طلبت من أولادي يجتمعوا حواليّ.
طلعت صندوقًا خشبيًا قديمًا كنت محتفظة بيه من أيام شبابي.
كان فيه مريلة مطبخ قديمة، وقفاز غسيل مهترئ.
استغربوا.
قلت لهم
الحاجات دي كانت شاهدة على أصعب أيام عمري. كنت فاكرة إن قيمة الست في إنها تخدم وتسكت وتستحمل.
ثم حطيت المريلة على الترابيزة، وقلت
الخدمة لما تكون بالمحبة عبادة... لكن لما تكون بالإذلال تبقى ظلم.
بنتي مسكت إيدي وهي بتبكي.
أما ابني فقال
أوعدك يا أمي، عمري ما هسمح لمراتي تحس باللي إنتِ حسيتيه.
ابتسمت وقلت
وده أكبر انتصار ليا... إن الوجع وقف عند جيلي، ومورثتوش لولادي.
وفي اليوم التالي، كتبت على أول صفحة من مذكرتي آخر سطر في حكايتي
لم أكن خادمة... كنت إنسانة لم تكن تعرف قيمتها. وعندما عرفتها، تغيّر كل شيء.
أغلقت الدفتر، وأغمضت عيني وأنا أحمد الله على كل ما مررت به، لأن كل محنة صنعت مني امرأة أقوى، وأكثر رحمة، وأشد تمسكًا بكرامتها.
العبرة من الحكاية
تمت بحمد الله.