وانا واقفة ورا الباب
مين؟
ردت المرأة
أنا الوحيدة اللي عرفت السر كامل... والوحيدة اللي لسه عايشة من الناس اللي كانوا موجودين يوم بدأت الحكاية.
تعرفيني؟
أعرفك من قبل ما تتولدي.
صمتت لحظة، ثم قالت
متروحيش للشرطة دلوقتي... لأن في حد هيحاول يوصلك قبلهم.
اتسعت عينا مريم.
أمال أعمل إيه؟
قالت المرأة
في صندوق أمانات داخل أحد البنوك... مفتاحه معاك من غير ما تعرفي.
نظرت مريم إلى الأوراق في يدها باستغراب.
مفتاح؟!
دوري كويس وسط اللي سابهولك عادل... ولما تلاقيه، هتعرفي إن كل اللي حصل من سنين كان بداية لخطة أكبر بكتير مما تتخيلي.
وقبل أن تسألها أي سؤال آخر...
انقطع الخط فجأة.
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت محرك سيارات يقف خارج المبنى المهجور، تلاه صوت أبواب تُفتح، ثم خطوات عدة أشخاص يقتربون من المدخل ببطء.
قبضت مريم على الظرف بقوة، وأدركت أن الوقت لم يعد في صالحها، وأن عليها أن تجد مفتاح صندوق الأمانات قبل أن يصل إليها من يطاردها... دون أن تعرف إن كان القادم لإنقاذها... أم للإيقاع بها اختبأت مريم بسرعة خلف صف من الصناديق الخشبية المتهالكة، وضغطت على فمها بكفها حتى تمنع صوت أنفاسها.
باب المخزن اتفتح ببطء...
دخل ثلاثة رجال يحملون كشافات قوية، وبدأت أشعة النور تتحرك في كل الاتجاهات.
أحدهم قال
فتشوا المكان كله... مستحيل تكون خرجت بعيد.
رد الثاني
والأوراق؟ الأستاذ حازم قال أهم حاجة الظرف.
ازداد قلب مريم خفقانًا.
إذًا... هم لا يبحثون عنها فقط، بل عن الأوراق أيضًا.
ظلت ثابتة مكانها، حتى اقترب أحد الرجال من الصندوق الذي تختبئ خلفه.
وفجأة...
صدر صوت مواء قطة من الناحية الأخرى للمخزن.
التفت الرجال جميعًا نحو الصوت، واستغلّت مريم اللحظة، وزحفت بهدوء حتى وصلت إلى باب جانبي نصف مفتوح.
خرجت منه، لتجد نفسها في فناء خلفي مليء بالأشجار اليابسة.
ركضت رغم الألم، حتى وصلت إلى سور منخفض، وتسلقته بصعوبة، ثم سقطت على الجانب الآخر.
بعد دقائق من السير، لمحت لافتة صغيرة تشير إلى طريق عام.
أوقفت أول سيارة أجرة مرت من أمامها.
السائق أول ما شاف حالتها اتفاجئ.
يا مدام... إنتِ تعبانة، أوديكي مستشفى؟
هزت رأسها بسرعة.
لا... وديني لأي مكان فيه بنك كبير.
استغرب الرجل، لكنه لم يناقشها.
في الطريق، فتحت الظرف مرة أخرى.
وبين الأوراق، وجدت شيئًا معدنيًا صغيرًا ملفوفًا داخل قطعة قماش.
فتحته...
كان مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، منقوشًا عليه رقم
٢١٩
وفي الجهة الأخرى حرف واحد فقط
ه
تذكرت كلام المرأة في الهاتف.
مفتاح صندوق الأمانات معاك.
إذن هذا هو المفتاح.
لكن... أي بنك؟ وأين يوجد الصندوق؟
وصلت السيارة إلى وسط المدينة.
وقبل أن تنزل، وقع بصرها على صورة في إحدى الجرائد المعروضة أمام كشك.
تجمدت في مكانها.
العنوان كان مكتوبًا بخط عريض
رجل الأعمال حازم الهواري يعلن مكافأة مالية كبيرة لمن يدلي بمعلومات عن زوجته المفقودة
وكان أسفل الخبر صورة لها.
لكن ما صدمها أكثر...
أن الخبر يصورها كأنها هربت وهي في حالة اضطراب نفسي، وأنها قد تؤذي نفسها أو الآخرين.
همست بذهول
بيجهز الكل يصدق إني مجنونة...
طوت الجريدة بسرعة، وابتعدت عن الكشك قبل أن يلاحظها أحد.
وفي آخر الشارع، كانت سيارة سوداء متوقفة، وبداخلها شخص يراقبها منذ لحظة نزولها من سيارة الأجرة... ثم رفع هاتفه وقال بهدوء
لقيتها... مريم وصلت المدينة وصلت مريم إلى البنك وهي لا تزال لا تصدق أن حياتها كلها انقلبت في أيام قليلة.
دخلت إلى صندوق الأمانات رقم ٢١٩، ووضعت المفتاح بيد مرتعشة.
فتح الصندوق...
وكان بداخله ملف كبير، وفلاشة، ورسالة أخيرة.
فتحت الرسالة، وكان الخط لوالد حازم.
يا مريم... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى الظلم وصل ليكي. أنا كنت أعرف والدك، وكان بينا عهد. قبل وفاته، اكتشفنا تلاعبًا كبيرًا في أموال العائلة، وكان فيه أشخاص يحاولون السيطرة على الميراث بأي طريقة.
توقفت مريم عن القراءة.
ثم أكملت
أنتِ لم تكوني اختيارًا عشوائيًا لحازم... زواجك منه كان جزءًا من وصيتي، لأن والدك كان مؤتمنًا على مستندات تثبت حقك وحق عائلتك في جزء من الشركة. لكن شخصًا ما أراد إخفاء الحقيقة، وأراد أن يحرمك من أي فرصة لإنجاب وريث يحمل اسمك وحقوقك.
ارتجفت مريم.
إذن العملية لم تكن بسبب خوف حازم من طفل...
كانت محاولة لإبعادها
فتحت الفلاشة.
وجدت تسجيلات قديمة، ومحادثات، وتقارير تثبت أن التقارير الطبية الخاصة بها تم تزويرها، وأن هناك تلاعبًا في ملفات المستشفى.
كما وجدت تسجيلًا لحازم وهو يتحدث مع مدير المستشفى عن ضرورة تنفيذ العملية قبل أن تعرف مريم الحقيقة.
لم تنتظر أكثر.
ذهبت مباشرة للجهات المختصة، وقدمت كل الأدلة.
وبعد التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.
تم القبض على مدير المستشفى وكل من شارك في تزوير التقارير، وواجه حازم التهم التي حاول الهروب منها طويلًا.
أما مريم...
فلم تعد المرأة الضعيفة التي خرجت من غرفة العمليات مكسورة.
وقفت أمام المحكمة وقالت
هو حاول ياخد مني حقي في جسمي وحياتي ومستقبلي... لكنه نسي إن الحقيقة ممكن تتأخر، لكنها عمرها ما بتموت.
بعد شهور...
كانت مريم تقف أمام نافذة مكتبها الجديد.
لم تستعد ما فقدته، ولم يختفِ ألمها بالكامل، لكنّها تعلمت أن حياتها أكبر من جرح تركه شخص آخر.
احتفظت بصورة طفلها الذي لم يكتمل عمره، واحتفظت بذكرى الأيام الجميلة فقط، لا التي جاءت بعدها.
أما عائلة الهواري، فقد تغيرت للأبد.
لم يكن الوريث الذي خافوا عليه هو من كتب النهاية...
بل المرأة التي ظنوها سهلة الكسر.
وفي آخر ورقة من الملف القديم، وجدت مريم جملة كتبها والد حازم قبل وفاته
أحيانًا يظن الإنسان أنه يحمي ميراثه بظلم الآخرين... لكنه لا يعرف أن أكبر ميراث يتركه الإنسان هو أثره في قلوب من
وأغلقت مريم الملف.
لأول مرة منذ وقت طويل...
شعرت أنها لم تخسر حياتها.
بل استعادت نفسها.