وانا واقفة ورا الباب
المحتويات
ملامح الست.
نفس لون العينين...
ونفس الابتسامة الهادية...
حتى الشامة الصغيرة اللي تحت الأذن الشمال كانت في نفس المكان.
مدت إيديها ولمست إطار الصورة، وهمست
مين إنتِ؟
وراءها مباشرة، جاء صوت حازم.
دي صورة قديمة جدًا... مالها؟
لفت بسرعة، واتمالكت نفسها.
كنت بتفرج بس.
قرب حازم، فك الصورة من الحائط بنفسه، وقال بهدوء
الصور القديمة مكانها المخزن... ملهاش لازمة.
وشالها ومشى.
لكن قبل ما يخرج، مريم لمحته بيبص للصورة بنظرة خوف... مش حزن.
في الليل...
فضلت مستنية لحد ما البيت كله نام.
خرجت من أوضتها بهدوء، وهي ماسكة المفتاح الإلكتروني اللي كانت شافته قبل كده وحفظت شكله في ذاكرتها.
كانت فاكرة إن حازم حطه في درج مكتبه.
فتحت الدرج فعلًا.
ولقته مكانه.
أخذته، وخرجت تمشي في الممرات الطويلة لحد ما وصلت لباب حديدي في آخر البدروم.
كان الباب مفيهوش قفل عادي.
حطت المفتاح الإلكتروني.
صدر صوت خفيف...
تم فتح الباب.
دخلت.
الغرفة كانت مليانة دواليب ملفات قديمة.
على كل دولاب أرقام.
بدأت تدور بعينيها...
٤٠٩...
٤١٣...
٤١٦...
ثم وقفت فجأة.
٤١٧.
نفس الرقم المكتوب في الورقة.
فتحت الدرج المرتبط بالرقم.
كان فيه ملف واحد فقط.
وفوقه ظرف أصفر مكتوب عليه بخط واضح
يُفتح بمعرفة مريم فقط.
اتجمدت في مكانها.
إزاي اسمها مكتوب على الظرف قبل ما هي حتى تعرف بوجود الملف؟
فتحت الظرف بسرعة.
طلع منه خطاب قديم.
وفي أول سطر مكتوب
إذا وصل إليك هذا الخطاب... فاعلمي أن حياتك في خطر، وأن ما حدث لك كان مخططًا له منذ سنوات، وليس بسبب الإجهاض.
بدأت تقرأ بلهفة، لكن فجأة...
انطفأت كل أنوار البدروم.
وسمعت صوت الباب الحديدي وهو يُغلق بقوة.
ثم جاءها صوت حازم من الظلام، هادئًا لكنه مخيف
كنت عارف إنك هتوصلي للملف... لكن كنت مستني أعرف مين اللي ساعدك.
قبضت مريم على الخطاب بقوة، وهي تسمع خطواته تقترب منها ببطء وسط الظلام... بينما كان هناك شخص آخر، لا تراه، يتنفس في الجهة المقابلة من الغرفة، وكأنه كان مختبئًا هناك منذ البداية تراجعت مريم خطوة للخلف، وهي بتضغط على الخطاب في إيديها.
الظلام كان كثيف، ومفيش غير ضوء أحمر خافت طالع من جهاز إنذار في آخر الغرفة.
خطوات حازم كانت بتقرب ببطء.
لكن قبل ما يوصل لها، خرج صوت تاني من الناحية المقابلة
متقربش منها.
وقف حازم مكانه.
كنت متأكد إنك هتظهر النهارده.
اشتغلت لمبة طوارئ صغيرة، وكشفت عن رجل في أواخر الخمسينات، شعره كله أبيض، ولابس بدلة قديمة.
بص لمريم وقال
اخرجي من هنا بسرعة.
استغربت مريم.
حضرتك مين؟
الرجل تنهد وقال
كنت المستشار القانوني لوالد حازم... وكل اللي حصل من سنين أنا شاهد عليه.
حازم قاطعه بحدة
كفاية... أنت مالكش حق تتكلم.
رد الرجل بثبات
بالعكس... بعد اللي حصل، بقى من حقي.
مد لمريم ملفًا صغيرًا كان مخبيه تحت جاكيته.
احتفظي بالملف ده... ومتفتحيهوش هنا.
حازم حاول ياخده، لكن الرجل رجع خطوة للخلف.
في اللحظة دي، دوى صوت إنذار في البدروم، واشتغلت الأنوار كلها مرة واحدة.
استغل الرجل ارتباك حازم، ومسَك إيد مريم وجري بيها ناحية باب جانبي صغير.
خرجوا إلى ممر ضيق يؤدي إلى حديقة خلفية للقصر.
وقف الرجل يلهث وقال
اسمعيني كويس... اللي حصلك جريمة، لكن السبب مش زي ما إنتِ متخيلة.
يعني إيه؟
والد حازم كتب وصية معقدة جدًا... وفيها شرط غريب بخصوص الميراث وإدارة ثروة العيلة. ناس كتير فهمت الشرط بطريقة غلط، وناس استغلته لمصلحتها. ومن يومها بدأت سلسلة قرارات ظلمت ناس كتير.
مريم عقدت حاجبيها.
وإيه علاقتي أنا بالوصية؟
نظر إليها الرجل طويلًا، ثم قال
لأن اسمك اتذكر فيها... قبل ما حازم يعرفك بسنين.
شهقت مريم.
مستحيل!
أخرج الرجل ورقة قديمة صفراء، وعليها ختم رسمي باهت.
دي صورة من الوصية... لكن قبل ما يشرح أي حاجة، سمعوا صوت سيارات تدخل بوابة القصر بسرعة.
التفت الرجل ناحية الصوت، وتغير لون وجهه.
لقونا... لازم نمشي حالًا.
أمسك مريم من يدها، وانطلق بها بين الأشجار، بينما كانت الورقة القديمة ترتجف في يدها... والاسم المكتوب فيها بوضوح كان
مريم...
لكن بقية السطر كانت ممزقة، وكأن أحدًا تعمد إخفاء أهم جزء من الحقيقة جرت مريم خلف الرجل، وألم الجراحة يكاد يسقطها مع كل خطوة.
وصلوا إلى باب خشبي قديم في آخر الحديقة، فتحه الرجل بمفتاح صغير كان معلقًا في سلسلة مفاتيحه.
دخلت وهي تلهث.
المكان كان عبارة عن مخزن قديم مليء بصناديق وأوراق مغطاة بالتراب.
أغلق الباب خلفهما، ثم جلس على كرسي متهالك وهو يحاول يستعيد أنفاسه.
قالت مريم بلهفة
حضرتك لازم تفهمني... أنا مش فاهمة أي حاجة.
رفع رأسه إليها وقال
اسمي عادل... واشتغلت مع والد حازم أكتر من عشرين سنة. وفي يوم وفاته، سلمني أمانة، وقال لي لو حصل أي ظلم لمريم... سلمها الحقيقة بنفسك.
اتسعت عيناها.
لكنه كان مات قبل ما أنا حتى أعرف حازم!
هز عادل رأسه ببطء.
وده اللي حيّرني أنا كمان سنين طويلة.
فتح صندوقًا خشبيًا قديمًا، وأخرج منه ظرفًا بني اللون، وعليه ختم شمع مكسور.
فتح الظرف بحذر، وأخرج صورة قديمة.
ناولها لمريم.
أول ما شافتها، شهقت.
الصورة كانت لوالدها... وهو واقف بجوار والد حازم، والاتنين بيضحكوا، وبينهم طفلة صغيرة لا يتعدى عمرها خمس سنوات.
قربت الصورة من عينيها.
الطفلة كانت هي.
قالت بصوت مرتجف
دي... دي أنا.
أومأ عادل.
أيوه... والصورة دي اتصورت قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة.
حاولت تستوعب الكلام.
يعني بابا كان يعرف عيلة الهواري؟
أكثر مما تتخيلي.
وقبل أن يكمل...
سمعوا صوت ارتطام
ثم صوت أحد الحراس وهو يصيح
افتح يا أستاذ عادل... إحنا عارفين إنك جوه!
تبادل عادل ومريم نظرة سريعة.
فتح عادل درجًا صغيرًا في الأرض، وقال بسرعة
انزلي من هنا... ده نفق قديم بيطلع بره القصر.
هزت رأسها رافضة.
مش هنسيبك.
ابتسم لأول مرة وقال
الحقيقة أهم مني... ولو وقعت في إيدهم، كل اللي عرفتيه هيروح.
ازداد الطرق على الباب بعنف، وبدأ الخشب يتشقق.
ناولها الظرف والصورة، ثم أغلق يدها عليهما بقوة.
مهما حصل... أوعي تضيعيهم.
في اللحظة نفسها، انكسر الباب، واندفع الحراس إلى الداخل...
فقفزت مريم إلى داخل النفق، بينما كان آخر ما رأته قبل أن يُغلق الباب الحجري خلفها... هو عادل واقفًا في مواجهة الحراس وحده، ممسكًا بعصاه، وكأنه قرر أن يشتري لها الوقت مهما كان الثمن كان الظلام داخل النفق خانقًا.
مريم كانت تتحسس الجدران بإيديها، وتمشي بصعوبة بسبب ألم الجرح. كل خطوة كانت بتوجعها، لكن صوت الصراخ اللي سابته وراها كان بيأكد لها إن الرجوع مستحيل.
بعد دقائق طويلة، لاحظت نورًا خافتًا في نهاية النفق.
خرجت لتجد نفسها داخل مبنى قديم مهجور، يبدو أنه كان مخزنًا تابعًا للقصر من عشرات السنين.
جلست على الأرض تلتقط أنفاسها، ثم فتحت الظرف الذي أعطاه لها عادل.
كان بداخله عدة أوراق، وفي أولها خطاب بخط يد قديم.
بدأت تقرأ
إذا وصلت هذه الأوراق إلى مريم، فهذا يعني أن الحقيقة تأخرت كثيرًا... لكن ما زال هناك وقت لإنقاذها.
تسارعت دقات قلبها.
قلبت الصفحة بسرعة.
وجدت نسخة من عقد شراكة قديم بين والدها ووالد حازم، ثم ورقة أخرى تشير إلى مشروع ضخم كانا يعملان عليه معًا قبل سنوات.
لكن الصفحة الأخيرة كانت ناقصة.
كان واضحًا أن نصفها ممزق بعناية.
همست مريم
مين اللي قطعها... وليه؟
وفجأة رن هاتف قديم موجود في ركن المخزن.
استغربت.
المكان مهجور... فمن الذي يتصل؟
ظل الجرس يرن.
اقتربت بحذر ورفعت السماعة.
جاءها صوت امرأة مسنة، هادئ لكنه مضطرب
أخيرًا وصلتي.
ارتجفت مريم.
حضرتك
متابعة القراءة