فى سبوع بنتى

لمحة نيوز

إيدي وهي بتعيط.
قالت أنا ظلمتك... وكل يوم من يوم اللي عملته وأنا بندم. كنت فاكرة إني بحاربك، لكن في الحقيقة كنت بهدم ابني ونفسي.
طلعت من تحت المخدة ظرف صغير.
قالت ده مفتاح خزنة في البنك... فيها كل دهبي، وكتبت وصية إن جزء كبير منه يتحول باسم حفيدتي، عشان أعوضها عن أول ظلم اتعرضتله في حياتها.
رفضت في البداية.
لكنها قالت متكسريش خاطري... دي آخر حاجة أقدر أعملها.
بعد أيام خرجت من المستشفى، وبدأت فعلًا تتغير.
بقت تزورنا بعد ما تستأذن، وتيجي وهي شايلة هدية بسيطة لبنتي، وتقعد ساعة وتمشي.
من غير أوامر... من غير مشاكل... من غير تدخل.
وفي عيد ميلاد بنتي الخامس، وقفت قدام كل العيلة وقالت
أنا شاهدة على نفسي قدامكم... أغلى بنت في العيلة دي هي اللي أنا ظلمت أمها، وربنا اداني عمر عشان أصلح غلطي.
ثم لفت ناحيتي وقالت
سامحيني.
المرة دي، لأول مرة، حضنتها.
مش لأني نسيت اللي حصل...
لكن لأني حسيت إن الإنسان لما يعترف بذنبه، ويرد الحقوق، ويغيّر نفسه بصدق، يبقى يستحق فرصة يبدأ من جديد.
وانتهت القصة ببيت اتعلم أصحابه إن المحبة لا تعني السكوت عن الخطأ، وإن العدل مع الرحمة هو اللي يحافظ على العائلة، وإن دعوة المظلوم لا تضيع عند الله أبدًا بعد خمس سنين...
بنتي بقت في أولى ابتدائي، وكانت في المدرسة عاملة مشروع بعنوان أكتر شخص بحبه.
رجعت البيت وهي ماسكة كراسة الرسم، وقالت ببراءة
ماما.
.. الأبلة قالت نرسم أكتر حد بنحبه.
ابتسمت وقلت ورسمتي مين؟
فتحت الكراسة...
لقيت رسمة لينا كلنا أنا، وأبوها، وهي... وحتى جدتها كانت واقفة جنبنا.
حماتي أول ما شافت الرسمة، انفجرت في البكاء.
قالت لبنتي بعد اللي عملته في مامتك... لسه بتحبيني؟
البنت بصتلها باستغراب وقالت
هو أنا أعرف حاجة؟ أنا كل اللي أعرفه إنك جدتي، وماما علمتني إن الكبير نحترمه، وربنا بيحب اللي يسامح.
في اللحظة دي، حماتي بكت بحرقة لأول مرة من قلبها، وقالت وهي تبصلي
إنتِ ربيتيها أحسن تربية... مع إن كان من حقك تكرهيني قدامها.
ابتسمت وقلت
أنا كنت بربي بنتي... مش بربيها على الانتقام.
سكتت العيلة كلها.
أبو جوزي قال النهارده عرفت إن التربية الصح أغلى من أي دهب.
وفي المساء، وأنا بنيم بنتي، سألتني
ماما... هو ليه الناس بتغلط؟
حضنتها وقلت
عشان كلنا بشر يا حبيبتي... لكن أحسن الناس هو اللي يعترف بغلطه ويصلحه.
ابتسمت ونامت وهي مطمنة.
بصيت لجوزي، فابتسم وقال
فاكرة يوم السبوع؟
ضحكت وقلت
كان أصعب يوم في حياتي... لكنه خلاني أعرف قيمة الإنسان اللي يقف مع الحق، حتى لو اتأخر.
ومرت السنوات، وبقيت حكاية دهب السبوع مجرد ذكرى تحكيها العيلة كدرس لكل جيل جديد
أن الطمع قد يفرق القلوب، لكن الصدق والعدل والتسامح الصادق هم وحدهم القادرون على جمعها من جديد.
تمت بعد عشرين سنة...
بنتي ليان بقت عروسة، والبيت كله كان بيجهز
لفرحها.
وأنا واقفة بطلع دهبها من الخزنة، لقيت نفس العلبة المخملية اللي كانت فيها هدايا السبوع.
مسحت عليها بإيدي وابتسمت، لكن دموعي نزلت من غير ما أحس.
ليان سألتني مالك يا ماما؟
قلت العلبة دي كانت سبب أكبر أزمة عدت علينا.
قعدت أحكيلها الحكاية من أولها لآخرها.
سمعتني وهي ساكتة، ولما خلصت قالت
يعني جدتي عملت كل ده؟
قلت آه... لكنها ندمت، وحاولت تصلح اللي أفسدته.
ليان سكتت شوية، ثم قالت
يبقى أنا عايزة أول رقصة بعد بابا... تبقى مع جدتي.
اتصدمت.
قلت بعد اللي عرفتيه؟
ابتسمت وقالت
عشان تعرف إن توبتها جابت نتيجة، وإن ربنا بيقبل التائب.
وفي الفرح...
أعلن المذيع
والآن مع رقصة خاصة من العروسة وجدتها.
كل الحضور استغرب.
حماتي، اللي بقى شعرها أبيض ووشها مليان تجاعيد، قامت وهي بتبكي.
ليان حضنتها وقالتلها
أنا ثمرة البيت اللي ربنا أنقذه... ومش عايزة أمشي من بيتنا الجديد وفي قلب حد ذرة وجع.
العيلة كلها كانت بتبكي.
حماتي رفعت إيديها للسماء وقالت
يارب... كما سترتني في الدنيا بعد توبتي، استرني يوم ألقاك.
وفي نهاية الفرح، وأنا ببص لبنتي وهي خارجة مع جوزها، افتكرت يوم السبوع...
اليوم اللي كنت فاكرة إنه بداية نهاية حياتي.
لكنه كان في الحقيقة بداية رحلة طويلة، علمتني أن الابتلاء قد يكون بابًا لخير كبير، وأن الله إذا أراد أن يُظهر الحق، هيأ له من الأسباب ما لا يخطر على بال أحد.

وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها لا تسمح للظلم أن يحول قلبك إلى نسخة ممن ظلمك، فالعدل مع الرحمة هو أعظم انتصار وقبل ما ليان تركب العربية، رجعت جريت ناحيتي وحضنتني جامد، وقالت وهي بتبتسم وسط دموعها
ماما... لو علمتيني حاجة في حياتي، فهي إن الكرامة عمرها ما كانت ضد التسامح، وإن القلب النضيف هو اللي بينتصر في الآخر.
بوستها من جبينها، وبصيت لزوجي، لقينا نفسنا بنفتكر كل السنين اللي عدت... من خوف، ودموع، وصبر، ودعاء، لحد ما ربنا جمع شمل البيت على خير.
أما حماتي، ففضلت واقفة تبص على العربية وهي بتبعد، ودموعها بتنزل في صمت، وقالت
الحمد لله... ربنا كتبلي أشوف اليوم ده قبل ما أموت. الحمد لله إنه أصلح ما أفسدته إيديا.
عدت شهور، وكانت ليان كل أسبوع تزور جدتها، وتقضي معاها ساعات طويلة، لحد ما بقت تقول لكل الناس
الإنسان مش بيتقاس بغلطته... بيتقاس بتوبته وإصلاحه.
وبعد سنوات، لما ربنا رزق ليان بأول طفل، أول واحدة شالته بين إيديها كانت جدته الكبيرة، وهي بتبكي من الفرحة وتقول
يا رب لك الحمد... عوضتني عن كل وجع، وكرمتني إني أشوف بركة التسامح بعيني.
ساعتها فهمت إن بعض الجروح لا تمحوها الأيام، لكن يداويها الصدق، والاعتذار، والعمل الصالح.
وانتهت الحكاية، لكن معناها فضل عايش
قد يبتليك الله بأشخاص يظلمونك، لكنه قادر أن يبدّل القلوب، ويجعل من الألم بدايةً لرحمة، ومن
الصبر بابًا لفرج، ومن التسامح ميراثًا طيبًا يبقى في الأبناء والأحفاد.
تمت.

تم نسخ الرابط