خمس سنين

لمحة نيوز

التجربة دي علمتني إن الإنسان لازم يحافظ على كرامته، وإن اللي يحبك بصدق هييجي من الباب، وهيحدد موقفه، ومش هيطلب منك تعيشي سنين على أمل.
أمسك كريم يدها وقال
وأنا أوعدك إن بيتنا عمره ما هيتبني على وعود... هيتبني على صدق.
ابتسمت هدى وهي تنظر إلى السماء.
وفي داخلها، أرسلت دعوة صامتة لكل فتاة تنتظر شخصًا لا يحسم موقفه
متضيعيش عمرك في انتظار حد شايف وجودك أمرًا مضمونًا. اللي عايزك بجد، هيجي ويطلبك بوضوح، ويحافظ على وقتك وقلبك قبل ما يحافظ على نفسه.
تمت بعد مرور ثلاث سنوات...
كانت هدى واقفة في حديقة بيتها، وابنها الصغير بيجري حواليها وهو بيضحك، بينما كريم بيحاول يمسكه وهو بينادي
تعالى هنا يا بطل... مامتك مش هتلحقك!
ضحكت هدى من قلبها، الضحكة اللي كانت فاكرة إنها مستحيل ترجع تاني.
في نفس اليوم، كانت مدعوة لحضور مؤتمر خاص بالشركة اللي بقت مديرة أحد أقسامها.
دخلت قاعة المؤتمر مع زملائها، وفجأة لمحت وجهًا تعرفه كويس...
حازم.
لكن مكنش بالشكل اللي كانت فاكراه.
وشه باين عليه الإرهاق، وشعره بدأ يغزوه الشيب، ونظرة الثقة اللي كانت مالية عينيه اختفت.
هو كمان لمحها.
أول ما شافها واقفة مع كريم وابنها، اتجمد مكانه.
فضل يبص للطفل وهو متعلق في إيد كريم ويناديه
بابا... تعالى.
الكلمة خبطت في قلب حازم بقوة.
افتكر كل مرة كان يقول لهدى استنيني شوية كمان...
افتكر خمس سنين كانت مستعدة تضحي بيهم عشانه، وهو كان كل مرة يختار مصلحته من غير ما يفكر فيها.
اقترب منهم بهدوء.
قال إزيك يا هدى؟
ابتسمت باحترام.
الحمد لله... إزيك أنت؟
قال بخير.
لكن صوته كان بيقول عكس كده.
مد كريم إيده وصافحه بأدب، من غير ما يعرف تفاصيل الماضي.
قال كريم تشرفنا.
هز حازم رأسه، ثم بص لهدى وقال
واضح إن ربنا عوضك خير.
ردت بابتسامة هادئة
ربنا بيعوض كل واحد على قد نيته... وأنا راضية بكل اللي كتبهولي.
سكت لحظة، ثم قال
كنت فاكر إنك هتفضلي مستنياني.
قالت وهي تنظر إلى ابنها
وأنا كنت فاكرة إنك هترجع علشان توفي بوعدك... كل واحد فينا كان فاكر
حاجة طلعت مش حقيقية.
لم يجد ما يرد به.
استأذن وانصرف ببطء.
راقبهم من بعيد وهم يضحكون معًا، ثم خرج من القاعة وهو مدرك أن بعض الفرص لا تضيع لأن الزمن سبقها فقط... بل لأنها لم تُحترم عندما كانت بين يدي صاحبها.
أما هدى، فلم تنظر خلفها هذه المرة.
كانت تنظر فقط إلى حياتها الجديدة، التي بنتها مع شخص اختارها بوضوح، ولم يطلب منها يومًا أن تعيش في الانتظار بعد انتهاء المؤتمر، كانت هدى وكريم راجعين بالعربية، وابنهم نايم في الكرسي الخلفي.
بص لها كريم وقال مبتسمًا الراجل اللي سلم علينا ده... شكله كان يعرفك من زمان.
سكتت هدى ثواني، ثم قالت بهدوء أيوه... كان فصل قديم في حياتي، واتقفل.
لم يسألها كريم أكثر من ذلك.
ابتسم وقال طالما اتقفل... يبقى ملوش لازمة نفتحه.
شعرت هدى وقتها أنها اختارت الإنسان الصحيح؛ إنسان لا يفتش في الماضي، بل يصنع معها المستقبل.
أما حازم...
رجع بيته تلك الليلة، وفتح صندوقًا قديمًا كان محتفظًا فيه بكل الرسائل المطبوعة والصور التي كانت هدى تبعتهاله في أول سنوات الغربة.
جلس يقلبها واحدة واحدة.
وجد في آخر ظرف ورقة صغيرة كانت هدى كتبتها له قبل سفره
أهم حاجة مهما الدنيا فرقتنا... أوعى تخليني أحس إني مستنياك لوحدي.
أغمض عينيه بقوة.
همس لنفسه وأنا عملت بالضبط اللي كانت خايفة منه.
في اليوم التالي، قرر يتصل بوالد هدى ليعتذر، ليس لأنه ينتظر شيئًا، ولكن لأنه شعر أن الاعتذار حق.
رد عليه والدها بهدوء أنا سامحتك من زمان يا ابني... لكن في حاجة لازم تعرفها.
سكت حازم.
قال الأب الاعتذار الحقيقي مش إنك تقول آسف بعد ما كل حاجة تخلص... الاعتذار الحقيقي إنك متكررش نفس الغلط مع أي إنسان تاني.
أغلق حازم الهاتف وهو يشعر أن الجملة ستظل تطارده عمره كله.
وبعد سنوات...
كبر ابن هدى، وفي أحد الأيام سألها
ماما... هو ليه بابا كريم بيقول إن الوعد لازم يتنفذ؟
ابتسمت هدى، ونظرت إلى كريم الذي كان يبتسم لها من بعيد، ثم قالت
لأن الوعد مش مجرد كلام... الوعد أمانة. واللي ميقدرش يوفي بوعده، ميحقلوش يطلب
من الناس يستنوه.
ابتسم كريم، واحتضن ابنه، بينما نظرت هدى إلى السماء وهي تحمد الله على أن النهاية التي كانت تظنها يومًا نهاية حياتها... كانت في الحقيقة بداية أجمل فصل فيها. تمت مرّت عشر سنوات...
كانت هدى جالسة في حفل تخرج ابنها من المرحلة الابتدائية، وكريم يقف بجوارها يلتقط الصور وهو يضحك.
بعد انتهاء الحفل، سمعت صوتًا يناديها
هدى...
التفتت، فوجدت حازم.
كان يبدو أكبر من عمره، يحمل في ملامحه سنوات من التعب.
قال لها بابتسامة باهتة مبروك... ابنك شاطر.
ابتسمت بأدب الله يبارك فيك.
سألها إنتِ سعيدة؟
نظرت إلى كريم وهو يضحك مع ابنهما، ثم قالت بثقة
جداً.
هز رأسه وقال عارفة... كنت زمان فاكر إن الإنسان يقدر يرجع أي حد في أي وقت. اكتشفت متأخر إن في ناس لما بتمشي... بتمشي للأبد.
ردت بهدوء وفي ناس لما بتتأخر في اتخاذ قرار... القرار بيتاخد من غيرهم.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال عندك حق.
مد يده يصافحها.
صافحته باحترام، ثم انصرفت إلى زوجها وابنها.
وقف حازم يراقبهم وهم يبتعدون، ثم ابتسم لأول مرة منذ سنوات، ليس لأنه استعاد شيئًا، بل لأنه تقبل أخيرًا أن بعض الخسائر لا تُعوَّض، وأن احترام مشاعر الناس ووقتهم لا يقل أهمية عن الحب نفسه.
وأكمل كلٌ منهم طريقه... كلٌ في الحياة التي صنعها باختياراته.
النهاية بعد عشرين سنة...
كانت هدى قاعدة في بلكونة بيتها، تشرب قهوتها، وشعرها بدأ يخالطه الشيب، لكن ملامحها كانت مطمنة.
دخل كريم وهو ماسك ظرف أبيض.
قال وهو بيضحك الجواب ده جالك باسمك.
استغربت هدى.
فتحت الظرف، ولقت رسالة مكتوبة بخط إيد تعرفه كويس...
حازم.
بدأت تقرأ
يمكن الرسالة دي توصلك بعد سنين، ويمكن متقريهاش أصلاً. لكن كان لازم أكتبها. أنا مش طالب فرصة، ولا مستني رد. أنا بس عايز أقول إني ظلمتك. سيبتك تستني خمس سنين، وأنا كنت كل يوم بأجل الحقيقة خوفًا من المواجهة. يمكن ساعتها كنت فاكر إني بكسب... لكن الحقيقة إني خسرت احترام إنسانة كانت أوفى حد عرفته.
كملت القراءة، وعينيها هادية.
كل ما أشوف بنت بتستنى وعد
من حد، بافتكر اللي عملته فيكي، وأقول للشباب حواليّ أوعوا تعلقوا قلب حد بيكم وأنتم مش ناويين تكملوا. لأن الوقت اللي بيضيع من عمر الناس عمره ما بيرجع.
خلصت الرسالة.
طوتها بهدوء.
سألها كريم هتردي؟
ابتسمت وقالت لأ.
ليه؟
قالت لأن في اعتذارات بتبقى قيمتها إنها تتقال... مش إنها يترد عليها.
وضعت الرسالة داخل صندوق قديم، وأغلقته.
ثم نادت على أحفادها الذين كانوا يجرون في الحديقة.
نزلت تلعب معهم وهي تضحك.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن أجمل انتقام من الماضي لم يكن أن ترى من ظلمها نادمًا...
بل أن تعيش عمرها سعيدًا، دون أن تسمح للماضي أن يسرق منها يومًا جديدًا.
تمت النهاية
بعد سنوات طويلة، وقفت هدى أمام نافذة بيتها وقت الغروب، تتأمل السماء وهي تبتسم في هدوء.
دخل كريم، ووضع فنجان القهوة أمامها وقال سرحانة في إيه؟
ابتسمت وقالت بفتكر زمان... لما كنت فاكرة إن نهاية حلم واحد معناها نهاية الحياة.
أمسك يدها وقال ولو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
نظرت إلى أولادها وهم يضحكون في الحديقة، ثم قالت بثقة
كنت هختار كرامتي من أول يوم.
في نفس الوقت، كان حازم يجلس وحده في شرفة شقته.
فتح هاتفه، فظهرت له صورة قديمة لهدى، ظل محتفظًا بها كل هذه السنين.
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، وضغط على زر الحذف.
وقال لنفسه بعض الناس ربنا بيبعتهم في حياتنا نعمة... ولو معرفناش قيمتهم في وقتهم، عمرهم ما بيرجعوا.
أغلق الهاتف، ونهض ليبدأ حياته من جديد، بعدما فهم الدرس متأخرًا.
أما هدى، فلم تكن تحتاج أن تعرف أنه ندم، ولم تكن تنتظر اعتذارًا، ولا تفسيرًا.
لقد سامحته منذ سنوات... لا من أجله، بل من أجل نفسها، حتى لا يبقى الماضي سجنًا تعيش فيه.
احتضنت كريم، ونادت على أولادها ليتجمعوا حول مائدة العشاء.
امتلأ البيت بالضحكات، بينما كانت تنظر إليهم بقلب مطمئن، وتهمس
الحمد لله... ربنا ما أخدش مني حلمًا، إلا علشان يرزقني حياة أجمل.
العبرة من الحكاية ليس كل انتظار وفاء، وليس كل وعد يستحق أن نربط به عمرنا. من أرادك
حقًا سيأتي إليك بوضوح، وسيحترم وقتك وقلبك، أما من يتركك معلقًا بين الأمل والخوف، فهو لا يستحق أن تهديه سنوات من حياتك.
تمت.

تم نسخ الرابط