خمس سنين

لمحة نيوز

في كورسات كانت مأجلاها، ورجعت تخرج مع صاحباتها، وتعيش حياتها اللي كانت واقفة على شخص ما استحقهاش.
أما حازم، فبدأ يكتشف إن الحياة اللي اختارها مش سهلة. ضغوط الشغل زادت، والخلافات مع ناتالي بقت مستمرة، وكل ما يفتكر هدى يفتكر إنها كانت دايمًا السند اللي بيسمعه ويحتويه.
وفي ليلة متأخرة، لقى نفسه واقف قدام بيتها بعد غياب شهور... ماسك في إيده ظرف صغير، وعينه كلها ندم، وهو بيقول لنفسه
يمكن لسه فيه فرصة... يمكن تسامح.
لكن اللي كان مستنيه ورا الباب... كان آخر حاجة ممكن يتوقعها وقف حازم قدام الباب وهو ماسك الظرف، قلبه بيدق بسرعة. ضغط على الجرس.
بعد لحظات، الباب اتفتح...
لكن اللي فتحله ماكانتش هدى.
كان والدها.
بصله للحظات، عرفه، واتغيرت ملامحه، وقال بهدوء شديد خير؟
حازم بلع ريقه وقال أنا... كنت جاي أطمن على هدى وأتكلم معاها.
رد الأب بعد إيه؟ بعد ما كسرت قلبها قدام الناس؟
وقبل ما حازم يرد، خرج صوت هدى من جوه البيت مين يا بابا؟
ظهرت وهي لابسة هدوم الشغل، وملامحها اختلفت تمامًا. ما بقاش فيها الانكسار اللي شافه يوم الكافيه، بقت هادية وواثقة.
لما شافته، اتفاجأت، لكنها تماسكت.
قالت حضرتك جاي ليه؟
مد لها الظرف وقال أنا غلطت... وعايز أشرحلك.
بصت للظرف من غير ما تمد إيديها.
الشرح كان مكانه من
خمس سنين... أو على الأقل قبل ما تجيب مراتك تعرفهالي.
حاول يقاطعها أنا تعبان... وجوازي مش ناجح.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت وده ذنبي؟
سكت.
كملت أنا استنيتك خمس سنين، وأنت كنت كل يوم بتخليني أستنى أكتر. ولو كنت قلتلي الحقيقة من أول يوم، كنت هزعل... لكن كنت هعرف أبدأ حياتي. إنما أنت حرمتني من حقي في الاختيار.
نزل حازم رأسه لأول مرة.
قال بصوت منخفض سامحيني.
ردت بهدوء أنا سامحتك... علشان أرتاح أنا. لكن التسامح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.
وأغلقت الباب برفق.
وقف حازم مكانه دقائق طويلة، مستوعبًا أن الباب الذي أغلقته هدى لم يكن باب البيت فقط... بل بابًا أغلقته في قلبها أيضًا.
وفي الداخل، أخذت هدى نفسًا عميقًا.
رن هاتفها في نفس اللحظة.
نظرت إلى الشاشة، فوجدت اسم شخص كانت تعرفت إليه في العمل خلال الأشهر الماضية. كان قد طلب من والدته أن تزور أهلها رسميًا بعد أن عرف عنها أخلاقها واجتهادها.
ابتسمت لأول مرة وهي تشعر أن الحياة لا تعوض الماضي... لكنها قد تفتح بابًا جديدًا لمن يملك الشجاعة أن يبدأ من جديد بعد أسبوع، جاء أهل الشاب إلى بيت هدى في زيارة رسمية.
لم تكن هدى متحمسة كما كانت قديمًا، ولم تبنِ أحلامًا من أول لقاء. كانت أكثر هدوءًا، وأكثر نضجًا، وكأن السنوات التي ضاعت علمتها ألا
تمنح قلبها قبل أن ترى الأفعال.
دخل الشاب مع والدته ووالده، وكان اسمه كريم.
من أول لحظة قال أمام الجميع
أنا جاي علشان أتعرف على الآنسة هدى، ولو حصل نصيب، يبقى كل حاجة رسمي وواضح من البداية. أنا مش بحب الوعود الطويلة ولا الانتظار.
نظرت له هدى للحظة، وشعرت أن الجملة أصابت مكانًا قديمًا في قلبها.
ابتسم والدها وقال ده الكلام اللي يطمن.
تمت الخطبة بعد فترة قصيرة، وكانت بسيطة، بعيدة عن المبالغة، لكن مليانة راحة افتقدتها هدى لسنوات.
وفي يوم نشر صور الخطوبة، بدأت التهاني تنهال عليها.
لكن كان فيه شخص واحد الصور دي قلبت حياته.
حازم.
فضل يبص للصورة دقائق طويلة، مكبرها مرة بعد مرة، وكأنه مش مصدق.
همس لنفسه هي بجد كملت حياتها...
دخل على صفحتها، لقى ضحكتها مختلفة، وعينيها رجع لهم البريق اللي كان هو السبب في اختفائه.
في لحظة ضعف، بعت لها رسالة أخيرة
أنا مستعد أسيب كل حاجة لو ترجعي.
وصل الإشعار لهدى.
قرت الرسالة.
قفلت الموبايل من غير ما ترد.
كانت قاعدة جنب كريم، وهما بيختاروا مع بعض تفاصيل بيتهم الجديد.
رفعت رأسها وقالت بابتسامة هادئة
عارف... أكتر حاجة اتعلمتها؟
قال كريم إيه؟
قالت إن اللي بيحب بجد... عمره ما يسيب الإنسان اللي بيحبه معلق بين الأمل والخوف.
ابتسم كريم وقال وعشان كده، أوعدك إن
عمري ما هخليكي تستني وعد مش هقدر أوفي بيه.
ابتسمت هدى، وشعرت لأول مرة منذ سنوات أن انتظارها انتهى... وأن القادم ليس مبنيًا على كلمات، بل على أفعال. انتهت صفحة حازم إلى الأبد، وبدأت صفحة جديدة عنوانها الاحترام والوضوح والثقة بعد شهور قليلة، تم عقد قران هدى وكريم، وكان الفرح بسيطًا لكنه مليئًا بالفرحة الحقيقية.
وأثناء الحفل، دخلت أم هدى وهي تهمس في أذنها
فاكرة زمان لما كنتِ بتقوليلي استنيني يا ماما، حازم راجع؟
ابتسمت هدى وعينيها لمعتا بالدموع.
فاكرة... ودلوقتي عرفت إن ربنا كان بيؤخر الخير علشان يجي في وقته.
...
في نفس الليلة، كان حازم قاعد لوحده في شقته، يتصفح صور الفرح التي وصلت إليه من أحد معارفه.
أغلق الهاتف وهو يشعر لأول مرة بالخسارة الحقيقية.
لم يخسر فتاة كانت تحبه فقط...
بل خسر إنسانة صدقته، وانتظرته، وأعطته من عمرها خمس سنوات دون مقابل.
مرّت الأيام، وبدأ يراجع نفسه، واعترف لنفسه أن أكبر خطأ ارتكبه لم يكن الزواج من ناتالي، وإنما أنه ترك هدى معلقة بوعد لا ينوي الوفاء به، ولم يمنحها حقها في أن تختار طريقها.
أما هدى، فكانت حياتها تسير بهدوء.
وفي إحدى الأمسيات، كانت جالسة في شرفة بيتها الجديد مع كريم.
قال لها وهو يقدم لها كوبًا من الشاي
عمرك ندمتي إنك مريتي بكل اللي حصل؟
سكتت
لحظة، ثم قالت
زمان كنت هقول أيوه... لكن دلوقتي لأ.
ابتسم باستغراب.
فكملت
لأن
تم نسخ الرابط