خمس سنين
خمس سنين وأنا حاطة حياتي كلها في الانتظار. خمس سنين من عمري بيمروا وأنا برفض كل عريس بيخبط على بابنا، وبرد بكلمة واحدة حفظتها ل أمي أنا مستنية حازم لما يرجع من السفر.
كانت أمي تبصلي بحسرة وتقول يا بنتي ده مسافر بقاله سنين، ولا جه خطبك رسمي ولا كتب كتاب، ده معلقك وراه بكلمة وفيس تايم!. كنت ببتسم بثقة عمياء وأقول لها حازم بيحت غيبتي، وبيبني مستقبلي ومستقبله، أول ما ينزل الشقة هتتفتح.
كنت عايشة على رسايله اليومية، صوته في التليفون وهو بيقولي انتي الأمان بتاعي يا هدى، لولا وجودك في مصر مستنياني، مكنتش هتحمل الغربة. الكلمة دي كانت بالنسبة لي زي المخدر، بتخليني أتحمل سنين الشباب اللي بتتسحب من تحت رجلي وأنا قاعدة في مكاني، مبعملش حاجة في دنيتي غير إني بستناه.
كنت عارفة وملاحظة من طريقته إنه بقا ضامني زيادة عن اللزوم. في آخر سنتين، بدأ يتغير، كلامه بقا قليل، ومكالماته بقت بالقطارة بحجة ضغط الشغل. لما كنت بعتب عليه أو أعيط من شوقي ليه، كان بيرد ببرود يوجع لو مش قادرة تتحملي يا هدى، أنتي حرة، أنا مش جابرِك انتى مش مقدره أنى ببنى مستقبلنا ولواحدى وانتى وسط اهلهك
الكلمة كانت بتنزل عليا زي المية الساقعة. كنت ببلع كرامتي، وأصلح أنا الموقف
لحد ما جه اليوم اللي قالي فيه أنا نازل مصر نهائي الأسبوع الجاي، جهزي نفسك عشان نتقابل.
الدنيا مكنتش سايعاني، اشتريت فستان جديد، ورحت الكوافير، وكنت حاسة إن الروح ردت فيا وأخيراً هجني ثمار صبري. رحت الكافيه اللي اتفقنا نتقابل فيه، قعدت مستنية وقلبي بيدق زي الطبل.
لمحته من بعيد داخل.. وسامته زادت، بس مكنش لوحده.
كانت معاه بنت، شابة، ملامحها أجنبية أو يمكن عربية عايشة برة، لابسة لبس غالي، وماشية وفوق وشها علامات ثقة غريبة. وهي بتتحرك معاه، كانت ماسكة إيده ومتعلقة في دراعه بطريقة متقولش أبدًا إنها زميلة شغل.
حازم قرب من تربيزتي، وعينه جت في عيني. مكنش في عينيه لا شوق، ولا لهفة، ولا حتى خجل! كان فيه برود مستفز، نفس البرود اللي كان بيكلمني بيه في التليفون.
سحب الكرسي للبنت وقعدها، وبعدين قعد وبصلي وقال بنبرة عادية جداً كأنه بيعرفني على قريبة ليه
أهلاً يا هدى.
نشوة المنتصر المريض
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. حسيت إن الهوا اتمسح من الكافيه، الأكسجين قل، وصوت الناس والبلندرات والمزيكا اتمحى.. مفيش غير صدى كلمته مراتي.. مراتي.
بصيت له ودموعي اتجمدت في عيني، كنت بدور في وشه على أي علامة ندم، أي نظرة أسف على الخمس سنين اللي سرقهم من عمري. لكنه كان بيبصلي بنظرة كلها تحدي، كأنه بيقولي أهو ده اللي حصل، وريني بقى هتعملي إيه؟ هتعيطي؟ هتفضحينا؟ أنتي مفيش في إيدك حاجة تعمليها.
قالي ببرود وهو بيشرب من كبيات المية الظروف برة كانت صعبة يا هدى، وناتالي ساعدتني في الإقامة وفي الشغل، وأنا مقدرتش أقول لأ.. أنتي بنت أصول وهتفهمي إن ده مصلحتي.
مراته كانت قاعدة بتبصلي بابتسامة انتصار واضحة، كأنها عارفة كل حاجة، وعارفة إنها فازت بالراجل وبالمستقبل، وسابتلي أنا الذكريات الميتة.
أنا وقتها، من كتر الصدمة وكسرة النفس قدام البنت دي، لقيت نفسي بقوم من على التربيزة، رجلي مش شيلاني، ولميت شنطتي وبصيتله النظرة الأخيرة.. نظرة واحدة لخصت موت خمس سنين من عمري.. ومشيت وأنا سامعة ضحكتهم ورايا في الكافيه.
لو حابب نكمل ونشوف هدى هتعمل إيه بعد الصدمة دي، وإزاي حازم هيحاول يرجع يكلمها تاني لما يحس
الكاتبه_امانى_سيد
القصة كاملة اول التعليق
ومننساش نذكر اللهبعد اللي حصل، خرجت هدى من الكافيه وهي حاسة إن الأرض بتميد بيها. ركبت أول تاكسي من غير ما تحدد هتروح فين، وكل اللي كانت شايفاه قدامها هو خمس سنين ضاعوا وهي مستنية وعد عمره ما كان حقيقي.
لما وصلت البيت، فتحت الباب، وأول ما شافت أمها، انهارت في حضنها وهي بتبكي. أمها ما سألتهاش، كأنها فهمت كل حاجة من شكل وشها.
قالت هدى وسط دموعها طلع متجوز يا أمي... وجاب مراته يعرفهالي بنفسه.
حضنتها أمها وقالت بهدوء الوجع كبير... بس أحمدي ربنا إنه ظهر دلوقتي، قبل ما يضيع باقي عمرك.
الكلمات دي فضلت ترن في ودنها طول الليل.
في الناحية التانية، كان حازم راجع بيته مع ناتالي، لكنه كان مستغرب جدًا إن هدى ما عملتش أي مشهد، ولا صرخت، ولا عاتبته، ولا حتى بعتتله رسالة بعدها.
بعد يومين... بعت لها رسالة أنا عارف إنك زعلانة، بس أتمنى نبقى أصحاب، وإحنا عشرة عمر.
قرت الرسالة... وضغطت حذف من غير ما ترد.
بعدها بأسبوع اتصل، مردتش.
وبعدها بعت أنا محتاج أتكلم معاكي خمس دقايق بس.
لأول مرة من خمس سنين، هدى حست إنها هي اللي معاها قرار، وهي اللي تقدر تقول لا.
مرت الشهور، وبدأت تركز في شغلها، وسجلت