اسمعى يابنت الناس

لمحة نيوز

ربنا من وأنا عندي أربعة عشر سنة إنه يكتبني من نصيبك.
اتسعت عيون مصطفى.
كل السنين دي... وما قلتليش؟
ضحكت.
لو كنت قلتلك وقتها... كنت هتفتكرني مجنونة.
مد إيده، ومسك إيدها المجعدة.
وقال بصوت كله امتنان
لا... كنت هعرف إن ربنا كان بيدبر لي من بدري.
وسكتوا...
لا لأن الكلام خلص...
لكن لأن بعض الحكايات، بعد عمر طويل، بيكون الصمت فيها أبلغ من ألف كلمة.
وهكذا انتهت رحلة بدأت بخوف، وعاشت بالصدق، وانتهت بعائلة ملأها الحب والرضا، ليبقى اسم مصطفى وعايدة في ذاكرة كل من عرفهما مثالًا للعوض الجميل بعد الصبر. بعد أربعين سنة...
في صباح شتوي هادئ، كانت عايدة واقفة قدام المراية، بتسرّح شعرها الأبيض، لما سمعت صوت مصطفى بينادي عليها
يا أم ياسين... الشاي جاهز؟
ضحكت وقالت بعد العمر ده كله، لسه مستني الشاي من إيدي؟
رد وهو يبتسم هو أنا عرفت طعمه من غير إيدك أصلًا؟
كانت الضحكة دي كفاية تنسيهم كل اللي فات.
بعد الفطار، مصطفى قال تعالي... عايز أوريكي حاجة.
ركبوا العربية، وراحوا لحد بيت مرزوق... البيت الطيني الصغير اللي بدأت منه الحكاية.
البيت كان فاضي من سنين، بعد وفاة أبوها وانتقال إخوتها.
وقف مصطفى قدامه ساكت.
قالت عايدة جينا هنا ليه؟
طلع من جيبه مفتاح.
وقال اشتريته من خمس سنين... وخبيته عنك.
استغربت.
ليه؟
ابتسم.
لأن ده المكان اللي أخد مني كلمة غيرت حياتي.
دخلوا البيت.
المندرة القديمة لسه موجودة.
الحيطة اللي كانوا قاعدين جنبها لسه مكانها.
وقف مصطفى في نفس المكان اللي وقف فيه أول مرة.
وقال وهو بيضحك
فاكرة؟
ردت فاكرة إنك دخلت مكشر... وفاكرة إنك كنت عايز تفسخ الخطوبة.
قال وفاكر إني كنت مستعد أواجه الدنيا كلها... إلا إنك تقولي
موافقة.
ضحكت لحد ما دموعها نزلت.
مصطفى كان مجهز مفاجأة.
قال لها البيت ده مش هيفضل مقفول.
أمال؟
هنحوله دار لتعليم البنات اليتيمات... أي بنت ظروفها تمنعها من التعليم، تيجي هنا تتعلم.
عايدة حطت إيدها على وشها من التأثر.
وقالت أحلى هدية أخدتها في حياتي.
بعد سنة، الدار فتحت أبوابها.
وعلى المدخل، اتعلقت لافتة صغيرة مكتوب عليها
دار الأمل... هدية من مصطفى وعايدة، إيمانًا بأن العلم يفتح أبوابًا لا تفتحها الظروف.
وكان كل طفل أو بنت تدخل المكان، تسمع الحكاية.
حكاية راجل بدأ حياته بيائس...
وست بدأت حياتها بكلمة
موافقة.
لكن الكلمة دي ما كانتش موافقة على جواز فقط...
كانت موافقة على مشاركة إنسان ألمه، والوقوف بجانبه، والإيمان به قبل أن يؤمن هو بنفسه.
ولهذا... لما كانوا يسألوا مصطفى في آخر عمره
إيه أعظم نعمة ربنا رزقك بيها؟
كان يبص لعايدة، ويبتسم، ويقول
النعمة ما كانتش إني بقيت أب...
النعمة كانت إن ربنا رزقني بزوجة، يوم كنت فاقد الأمل في نفسي.
فترد عايدة ضاحكة
وأنا أعظم نعمة عندي... إنك يوم جيت بيتنا، اخترت الصدق بدل التجميل.
وينتهي الحديث...
لكن تبقى الحكاية تُروى لكل شاب وفتاة، لتذكرهم أن البيوت التي تُبنى على الصدق والرحمة، قد تتأخر أفراحها قليلًا... لكنها حين تأتي، تدوم عمرًا كاملًا.
النهاية الحقيقية. بعد سنوات طويلة...
كانت عايدة جالسة بجوار نافذة غرفتها في المستشفى، تنظر إلى مصطفى وهو نائم على السرير المجاور بعد وعكة صحية بسيطة.
ابتسمت وقالت أول مرة في حياتنا نقعد يومين من غير ما نتخانق على مين هيعمل الشاي.
فتح عينيه وضحك لأن الدكتور مانع الشاي أصلًا.
ضحكت هي الأخرى.
دخل ياسين ومريم والأحفاد، فامتلأت
الغرفة بالحياة.
قال أحد الأحفاد الصغار جدو... هو صحيح أنت كنت خايف تتجوز تيتة؟
نظر مصطفى إلى عايدة، ثم قال أنا ما كنتش خايف من الجواز... كنت خايف أظلمها.
رد الحفيد وهي؟
ابتسمت عايدة وقالت وأنا كنت خايفة يضيع مني أحسن راجل في الدنيا.
ضحك الجميع.
بعد أن عادوا إلى البيت بأيام، جلس مصطفى يكتب بيده المرتعشة عدة أوراق، ووضعها في ظرف مغلق.
وبعد أشهر، عندما توفي بهدوء وهو نائم بعد عمر طويل، اجتمعت الأسرة لفتح الظرف.
كان مكتوبًا في أول سطر
لو بتقروا الورقة دي، يبقى أنا سافرت عند رب كريم. أوعوا تزعلوا عليّ... أنا عشت العمر اللي كنت بحلم بيه.
وأكمل
يا ياسين... خليك سند لأختك وأولادك، وما تظلمش حد بسبب كلام الناس.
يا مريم... خلي قلبك رحيم زي أمك.
وأما أنتِ يا عايدة... فأنا مش لاقي كلمة أشكرك بيها. يوم دخلت بيتكم كنت فاكر إني راجل مكسور، لكن الحقيقة إن ربنا بعتك عشان تصلحي كسري. لو خيروني أعيش العمر كله من جديد... هختارك أنتِ كل مرة.
انهمرت دموع عايدة وهي تضم الخطاب إلى صدرها.
وقالت بصوت خافت
وأنا... لو رجع بيا الزمن ألف مرة... هقول نفس الكلمة.
سألتها مريم وهي تبكي أنهي كلمة يا أمي؟
ابتسمت عايدة وسط دموعها، ونظرت إلى صورة مصطفى المعلقة على الحائط.
وقالت
موافقة.
وساد الصمت...
صمت مليء بالحب، والرضا، والذكريات.
وهكذا بقيت قصة مصطفى وعايدة تُروى للأبناء والأحفاد، لا لأنها بدأت بمحنة، بل لأنها أثبتت أن الصدق، والرحمة، وحسن المعاملة، قد يصنعون عمرًا كاملًا من السعادة.
تمت بحمد الله. بعد أيام من رحيل مصطفى، اجتمعت العائلة كلها في البيت الكبير.
كان المكان هادئًا على غير عادته، لكن كل ركن فيه كان يحكي ذكرى.
دخل
ياسين مكتب أبيه ليجمع أوراقه، فوجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا بعد رحيلي.
فتحه بحذر، فوجد بداخله ورقة واحدة، ومفتاحًا قديمًا.
قرأ الرسالة بصوت مرتجف
يا أولادي...
لو وصلتم للرسالة دي، يبقى أنا راضٍ بقضاء ربنا، وراضٍ عن عمري كله.
أنا ما سيبتلكمش قصور، ولا كنوز، لكن أتمنى أكون سيبتلكم سمعة طيبة، وقلوب تعرف ترحم الناس.
المفتاح اللي في الصندوق ده... مفتاح أول بيت بدأت فيه حياتي مع أمكم.
ما تبيعوش البيت أبدًا.
خلوه مفتوح لكل محتاج، ولكل بنت يتيمة، ولكل شاب مكسور محتاج حد يسمعه من غير ما يحكم عليه.
افتكروا إن أجمل قرار في حياتي ما كانش تجارة كسبت منها، ولا دهب جمعته...
أجمل قرار كان إني قلت الحقيقة لبنت اسمها عايدة، وهي ردت بكلمة واحدة غيرت عمري كله.
ربوا أولادكم على الصدق، لأن الصدق يمكن يوجع في أوله... لكنه عمره ما بيخون صاحبه في آخر الطريق.
انتهى ياسين من القراءة وهو يبكي.
أما عايدة، فأخذت المفتاح بين يديها، وقبلته في هدوء، ثم قالت
وعد يا مصطفى... هيفضل البيت مفتوح طول ما فينا نفس.
وبالفعل، تحول البيت إلى دار خير، يدخلها المحتاج فيجد بابًا مفتوحًا، وكلمة طيبة، ويدًا تمتد بالمساعدة.
ومرت الأعوام...
وفي إحدى الأمسيات، جلست عايدة على نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه مصطفى كل يوم عند الغروب.
رفعت بصرها إلى السماء، وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم همست
الحمد لله يا رب...
ما ندمتش يوم إني قلت موافقة.
وأغمضت عينيها في سكينة، وكأنها ذهبت لتكمل الرحلة مع رفيق عمرها.
وبقيت قصتهما تتردد على ألسنة أهل البلد جيلًا بعد جيل، ليس لأنهما كانا أغنى الناس، ولا لأن حياتهما كانت بلا ابتلاء، بل لأنهما أثبتا
أن البيت الذي يُبنى على الصدق، والرحمة، والاحترام... لا تهزه الأيام.
﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط