اسمعى يابنت الناس

لمحة نيوز

بقى أبيض، لكنها كانت بتبتسم بفخر.
همست لعايدة فاكرة يوم ما قولتيلي الرزق من عند ربنا؟
ابتسمت عايدة.
قالت أيوه يا أمي.
قالت الحاجة نفيسة وهي بتبص لحفيدها طلع عندك حق... وربنا رزقنا بأكتر مما تمنينا.
مسكت عايدة إيدها، وبصت لمصطفى.
كان واقف وسط الناس، بيضحك مع ابنه، من غير ما يهمه مين بيبص أو مين بيتكلم.
ساعتها عرفت إن السعادة الحقيقية مش في إسكات كلام الناس...
السعادة إن الإنسان يلاقي حد يصدقه، ويحبه، ويتمسك به في وقت ضعفه، قبل وقت قوته. وهنا اكتملت الحكاية التي بدأت بالصدق، وانتهت بالسكينة بعد عشر سنين...
كان محل الدهب بقى من أكبر المحلات في المحافظة، وياسين بقى في خامسة ابتدائي، وأخته الصغيرة مريم بتجري في البيت ورا جدتها الحاجة نفيسة وهي تضحك.
في ليلة هادئة، كانوا كلهم قاعدين على السفرة.
ياسين سأل أبوه فجأة
بابا... هو صحيح الناس زمان كانت بتقول إنك مش هتخلف؟
المعلقة وقفت في إيد مصطفى.
بص لعايدة، وهي هزت له راسها كأنها بتقوله قول الحقيقة.
ابتسم مصطفى وقال
أيوه يا ابني... الناس قالت كتير.
وزعلت؟
جداً.
طب ليه ما رديتش عليهم؟
ابتسم وهو حط إيده على كتف ابنه.
لأن اللي بيرد على كل كلمة، عمره ما هيعرف يعيش. الأيام هي اللي ردت عني.
ياسين فكر شوية، وقال
يعني الواحد لما يظلمه حد... يسكت؟
مصطفى هز راسه.
لأ... ياخد حقه بالقانون لو له حق، لكن ما يخليش الكره يفضل ساكن قلبه.
الحاجة نفيسة كانت بتسمع الكلام، ومسحت دمعة نزلت من عينها.
قالت
أبوك اتعلم الدرس ده بتمن غالي.
بعد كام شهر، اتعمل فرح كبير في البلد.
وأثناء الفرح، قرب من مصطفى شاب في آخر العشرينات.
قال
حضرتك فاكرني؟
مصطفى ركز في وشه، وما عرفوش.
الشاب ابتسم.
أنا ابن الراجل اللي حضرتك دفعت له تمن العملية من عشر سنين.
مصطفى افتكر.
قال
الحمد لله... أبوك عامل إيه؟
الشاب ابتسم
بحزن.
اتوفى من سنتين... لكنه فضل طول عمره يدعيلك.
وسكت لحظة.
أنا خلصت كلية تجارة، وفتحت مشروع صغير... وجيت أقولك إن الخير اللي عملته رجعلي حياة كاملة.
مصطفى ، وقال
ربنا يبارك لك.
كان ياسين واقف يسمع.
وبعد ما الشاب مشي، قال لأبوه
هو ده الراجل اللي كنت بتقول عليه إن الخير عمره ما يضيع؟
ابتسم مصطفى.
أيوه... ساعات الخير بيرجع بعد سنة، وساعات بعد عشر سنين... لكن عمره ما بيضيع عند ربنا.
وفي آخر الليل...
طلع مصطفى سطح البيت.
وقف يبص للنجوم.
افتكر أول مرة دخل بيت مرزوق وهو رايح يفسخ الخطوبة.
وافتكر البنت اللي قالت له بمنتهى البساطة
موافقة.
لف وشه ناحية باب السطح.
كانت عايدة طالعة بكوبايتين شاي.
ناولته واحد، وقالت وهي تضحك
سرحت في إيه؟
بصلها، وقال بابتسامة كلها امتنان
بفكر... لو كنت خوفت ساعتها وبعدتِ... كان زماني أضعت أجمل رزق كتبهولي ربنا.
ابتسمت عايدة وقالت
وأنا لو بصيت للخوف بدل ما أبص لأخلاقك... كان زماني أضعت عمري كله.
وقفوا جنب بعض، والهواء البارد يلف المكان.
وتحتهم، كان صوت ياسين ومريم وهم بيلعبوا في الجنينة يملأ البيت حياة.
وأدرك مصطفى أن أجمل الأرزاق لم تكن مجرد الأبناء... بل الزوجة التي صدقته وهو مكسور، ووقفت بجواره حتى صار قويًا من جديد.
النهاية بعد عشرين سنة...
كان ياسين واقف في محل الدهب، بيساعد أبوه في الحسابات، بعد ما خلص كلية التجارة، بينما مريم كانت في آخر سنة بكلية الطب.
مصطفى شعره كله شاب، لكن هيبته زي ما هي.
وفي يوم، دخل المحل شاب بسيط ومعاه أبوه.
قال الشاب بتوتر
يا حاج مصطفى... إحنا جايين نطلب إيد الآنسة مريم.
ابتسم مصطفى، وقال
أهلًا وسهلًا... نتعرف الأول.
الشاب كان مهندس، محترم، ومن أسرة متوسطة.
بعد ما خرج، دخلت الحاجة نفيسة على ابنها وقالت وهي تضحك
فاكر يوم ما أنا اللي خطبتلك من غير إذنك؟
ضحك مصطفى.

أنساه إزاي؟
قالت
كنت فاكرة وقتها إني بحل مشكلة... لكن ربنا كان بيرتب لك عمرك كله.
سكت لحظة، وبص لصورة الحاج أبوه المعلقة على الحيطة.
وقال
لو بابا كان عايش... كان فرح أوي.
في ليلة قراءة الفاتحة، مصطفى طلب يقعد مع الشاب لوحدهم.
نفس الطلب...
ونفس المندرة...
ونفس الإحساس اللي عاشه من عشرين سنة.
قال للشاب
أنا هسألك سؤال واحد... إنت داخل الجوازة دي مقتنع ببنتي؟ ولا حد غاصبك؟
ابتسم الشاب.
وقال
والله يا حاج... أنا اتمنيتها من سنين.
ابتسم مصطفى.
ثم قال
وفي حاجة لازم أقولهالك... بنتي دكتورة، ولسه قدامها مشوار كبير، ولو في يوم حصل أي ظرف صحي أو أي ابتلاء... أوعى في يوم تجرحها بحاجة ربنا كتبها عليها.
الشاب رد من غير تردد
أوعدك.
خرج الشاب، وكانت عايدة واقفة تسمع من بعيد.
قالت وهي تبتسم
عملت معاه زي ما عملت معايا؟
ضحك مصطفى.
كنت لازم أتأكد إنه يستحقها.
بعد شهر، اتجوزت مريم.
وأثناء الفرح، وقف ياسين على المسرح وقال
قبل ما نكمل الفرح... أنا عايز أحكي حاجة صغيرة.
القاعة سكتت.
قال
أنا عرفت وأنا عندي عشر سنين إن بابا اتوجع كتير بسبب كلام الناس... لكن عمره ما خلانا نكره حد، ولا ربانا على الانتقام.
وبص لأبوه.
وقال
كل اللي أنا وإختي بقيناه النهارده... سببه راجل علّمنا إن الكرامة في الأخلاق، مش في الرد على الناس.
القاعة كلها سقفت.
أما مصطفى، فبص لعايدة.
كانت دموعها نازلة وهي بتفتكر اليوم اللي قالت فيه كلمة واحدة غيرت حياتهم
موافقة.
وقتها همس لها
الكلمة دي بنت بيت... وبنت عيلة... وبنت عمر كامل.
ابتسمت، وقالت
وأنت يوم ما اخترت الصدق... ربنا اختارك للعوض.
وانتهى الفرح، لكن الحكاية فضلت تتحكى في البلد سنين طويلة، ليس لأنها قصة رجل رُزق بالأبناء، بل لأنها قصة زوجين بدأا حياتهما بالصدق، فكتب الله لهما المودة والرحمة والعوض الجميل. تم بعد
ثلاثين سنة...
كان مصطفى قاعد على الكرسي الخشب قدام بيته وقت المغرب، ماسك سبحته، وشعره بقى أبيض بالكامل.
البيت اللي بدأ بأوضتين صغيرين، بقى بيت كبير، مليان صوت الأحفاد.
جدو... جدو!
خمسة عيال كانوا بيجروا عليه، وكل واحد عايز يقعد 
ضحك وهو بيقول
واحدة واحدة... جدو مش قدكم كلكم.
عايدة خرجت من المطبخ، ولسه فيها نفس الهدوء اللي خطف قلبه من أول يوم.
حطت قدامه كباية الشاي، وقالت
كل يوم بيجروا عليك كأنهم أول مرة يشوفوك.
رد وهو بيبصلها
ربنا يديم الضحكة دي في البيت.
في نفس الأسبوع، أهل البلد قرروا يعملوا احتفال كبير للحاج مصطفى، بعد ما أعلن إنه هيسيب إدارة محل الدهب لياسين.
العمدة وقف قدام الناس وقال
كلنا نعرف الحاج مصطفى كتاجر ناجح... لكن قليل يعرفوا إنه على مدار السنين دي كان بيسدد ديون الغارمين في السر، ويجهز بنات يتامى للجواز، ويساعد طلبة كتير يكملوا تعليمهم، من غير ما حد يعرف.
مصطفى اتكسف وقال
يا جماعة... لو سمحتوا، كفاية.
لكن واحد من الشباب وقف وقال
لا يا حاج... النهارده لازم الناس تعرف إن الرجولة مش بالفلوس... الرجولة بالمواقف.
الناس كلها وقفت تسقف.
بعد الحفل، رجع البيت.
فتح دولاب قديم في أوضة النوم.
طلع منه ظرف أصفر.
جواه... أول تقرير طبي استلمه في حياته.
والورقة اللي عاش بسببها أسوأ أيام عمره.
بص لها دقيقة كاملة.
ثم نادى
يا ياسين.
دخل ابنه.
قال له
عارف الورقة دي؟
هز ياسين رأسه.
دي كانت سبب إن أبوك فقد الأمل فترة.
ثم قطعها قدامه، ورماها في المدفأة.
وقال
افتكر دايمًا... الإنسان ما يبنيش عمره على ورقة، ولا على كلام الناس... يبنيه على ثقته في ربنا، وسعيه، ورضاه.
وقال
إحنا اتعلمنا الدرس ده منك.
وفي ليلة هادئة...
كان مصطفى وعايدة قاعدين على السطح.
نفس السطح...
ونفس المكان...
اللي وقفوا فيه من سنين طويلة يشربوا الشاي.

بص لها وقال وهو يبتسم
فاكرة أول مرة سألتك ليه وافقتي؟
ضحكت.
وأنا ما جاوبتش.
قال
قولي بقى... بعد العمر ده كله.
ابتسمت وهي تبص للقمر.
وقالت
أصل الحقيقة... إني كنت بدعي
تم نسخ الرابط