كنت عارف بقلم أمانى السيد

لمحة نيوز

أروح ولا لأ.
وفي الآخر، رحت.
استأذنت من الممرضة.
دخلت.
كانت قاعدة على السرير، أول ما شافتني ابتسمت.
قلت
حمد لله على السلامة.
قالت
الله يسلمك.
قعدت دقيقة ساكت.
وبعدين قلت
أنا يمكن عمري ما قدرت أصلح اللي فات.
ردت وهي بتبص من الشباك
اللي فات انتهى... المهم إنك ما بقيتش الشخص اللي ظلمني.
سكتنا.
كان الصمت بينا أريح من ألف كلام.
قمت أمشي.
قبل ما أخرج، قالت
ادعيلي.
ابتسمت وقلت
ربنا يديكي الصحة، ويجعل كل الخير اللي عملتيه في ميزان حسناتك.
خرجت من الأوضة...
وأنا حاسس إن الصفحة الأخيرة من الحكاية اتقفلت فعلًا.
فالناس مش بتتقاس بعدد أخطائها...
لكن بتتقاس إذا كانت اتعلمت منها، وردّت المظالم، وسعت للإصلاح بصدق.
وهكذا انتهت الحكاية نهاية هادئة... انتصرت فيها الكرامة، وبقي فيها باب التوبة مفتوحًا حتى آخر العمر بعد شهور...
كنت قاعد في بيتي بعد صلاة العشاء، لما الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
جالي صوت شاب وقال
حضرتك الأستاذ رمزي؟
قلت أيوه.
قال أنا المحامي بتاع الأستاذة مهرة... هي طلبت أقابلك بكرة لو تقدر.
اتوترت.
أول حاجة جت في بالي إنها تعبت تاني.
طول الليل معرفتش أنام.
تاني يوم رحت.
دخلت مكتبها.
لقيتها قاعدة قدام الشباك، وفي وشها نفس الهدوء اللي عرفته فيها من سنين.
ابتسمت وقالت
اتفضل يا رمزي.
قعدت قدامها وأنا مستغرب.
قالت
متقلقش... أنا كويسة.
تنفست الصعداء.
وبعدين سألتها
أمال طلبتيني ليه؟
فتحت درج المكتب، وطلعت ملف.
وقالت
المؤسسة كبرت جدًا... وبقى عندنا مشروع جديد.
سألتها
وإيه المطلوب مني؟
قالت
عايزين نفتح بيت للرجال كبار السن اللي بقوا لوحدهم... اللي ملهمش حد يسأل عليهم.
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي مبتسمة
الوجع مش حكر على الستات... والوحدة بتكسر أي إنسان.
سكتت شوية، وبعدين كملت
أنا رشحتك تكون المسؤول عنه.
اتصدمت.
قلت بسرعة
أنا؟ بعد كل اللي عملته؟
قالت
أيوه... لأن اللي عاش الغلط، وتاب بصدق، هيعرف يحس بالناس أكتر من اللي عمره ما غلط.
نزلت دموعي لأول
مرة قدامها.
قلت
إنتِ واثقة فيا؟
ردت
أنا واثقة إن ربنا بيغير القلوب.
بعد سنة...
كان البيت مليان رجال كبار في السن.
واحد ابنه سابه.
واحد مراته ماتت.
واحد معندوش أولاد أصلًا.
كل يوم كنت أقعد أسمع حكاياتهم.
وأساعدهم.
وأفتكر...
لو الزمن رجع، كنت هعامل مهرة بنفس الرحمة اللي بقيت أعامل بيها الناس دي.
لكن الزمن عمره ما بيرجع.
اللي بيرجع...
هو الإنسان إلى ربه.
وفي آخر مشهد من حياتي، وأنا قاعد وسطهم بعد صلاة المغرب، رفعت عيني للسماء وقلت
الحمد لله... لأنك يا رب ما قفلتش باب التوبة في وشي، حتى بعد كل اللي عملته.
وأذان العشاء بدأ يرفع...
فابتسمت، وقمت أصلي.
تمت القصة بعد خمس عشرة سنة...
كبرت المؤسسة، وبقى ليها فروع في محافظات كتير، والناس بقت تعرف اسم مهرة في كل مكان باعتباره رمزًا لكل ست بدأت من الصفر ووقفت على رجليها.
أما أنا...
فبقيت عجوزًا.
العصاية ما بقتش بتفارق إيدي، وخطواتي بقت بطيئة.
وفي صباح يوم، وأنا قاعد في بيت الرعاية، دخل عليّ شاب وقال
يا عم رمزي... في واحدة برة عايزة تشوفك.
خرجت.
لقيت مهرة.
شعرها اختلط فيه الأبيض، لكن ابتسامتها كانت كما هي.
قعدنا في الجنينة، وسكتنا دقائق.
هي اللي كسرت الصمت.
قالت
فاكر أول يوم قلتلي فيه إن الدنيا كلها قفلت في وشي؟
هزيت رأسي في حزن.
قالت بابتسامة هادئة
كنت غلط... لأن ربنا كان لسه هيفتحلي أبواب عمري ما حلمت بيها.
قلت وأنا باصص للأرض
وأنا كنت أعمى.
ردت
كلنا بنغلط... لكن مش كل الناس بتتغير.
سألتها
إنتِ سعيدة؟
ابتسمت وقالت
الحمد لله... جدًا.
ابتسمت أنا كمان.
لأول مرة، كنت سعيد لسعادتها من غير أي شعور بالامتلاك أو الندم المؤلم.
بس دعاء صادق إن ربنا يديم عليها نعمته.
قبل ما تمشي، طلعت من شنطتها صورة قديمة.
كانت صورة يوم كتب الكتاب.
الصورة اللي كنت فاكرها ضاعت.
بصتلها ثواني، ثم قطعتها نصفين.
ناولتني نص، واحتفظت بالنص التاني.
وقالت
دي مش علشان نفتكر الماضي... دي علشان نفتكر إن الإنسان يقدر يبدأ من جديد مهما
كان اللي فات.
أخذت نصف الصورة، ودموعي نزلت.
مش لأنها كانت مراتي يومًا.
لكن لأنها سامحتني، وربنا رزقها حياة تستحقها.
وقبل ما تركب العربية، قالت آخر جملة سمعتها منها
يا رمزي... لو حد سألك يومًا إيه أغلى حاجة في الدنيا، قوله الكرامة. لأنها لو ضاعت، كل حاجة بعدها بتهون.
غادرت.
وأنا فضلت أبص للعربية لحد ما اختفت.
وبعد سنوات قليلة، رحل رمزي عن الدنيا، بعدما أوصى أن يذهب جزء كبير من ماله إلى دور الرعاية ومؤسسات إيواء النساء والأطفال، وألا يُكتب على قبره سوى عبارة واحدة
اللهم اغفر لعبدٍ عرف قيمة الرحمة... لكن بعد فوات الأوان.
وانتهت الحكاية...
لكن بقيت رسالتها
لا تستضعف إنسانًا لأن ظروفه كسرت ظهره، فقد يجعل الله من ضعفه قوة، ومن دموعه بداية حياة لا تتخيلها بعد وفاة رمزي بأيام...
كانت الوصية بتتقرأ في مكتب المحامي.
أقارب بعيدين حضروا، وكل واحد متوقع ياخد نصيب.
المحامي فتح الظرف، وبدأ يقرأ
أنا رمزي... لو الرسالة دي بتتقري، يبقى وقفت قدام ربنا، ومبقاش معايا غير عملي.
ساد الصمت.
ثم أكمل
أولًا تُباع كل ممتلكاتي، وبعد سداد الحقوق والديون، يُخصص سبعون في المائة من المال لإنشاء صندوق دائم لمساعدة السيدات اللاتي فقدن المأوى أو العائل.
بدأت الهمهمات تعلو.
ثم قال
وثانيًا يُخصص باقي المال لتطوير دار رعاية كبار السن، لأنها كانت آخر مكان علّمني إن الإنسان لا يعيش بكرامته إلا إذا حفظ كرامة غيره.
ثم أخرج المحامي ظرفًا صغيرًا.
وقال
وده للأستاذة مهرة.
أخدته مهرة بهدوء.
فتحته.
كان فيه خطاب بخط رمزي.
قرأته بصمت، لكن دموعها نزلت.
ولما انتهت، طلب منها المحامي إذا كانت تحب تقرأه للحاضرين.
هزت رأسها بالموافقة.
وقالت
كتب...
يا مهرة... يمكن ما قدرتش أصلح اللي كسرته، لكني عشت باقي عمري أحاول أمنع إن حد يعيش اللي عشتيه. لو ربنا قبل مني ده، يبقى فضله عليّ أكبر من أي شيء. ولو دعوتِ لي مرة واحدة بعد موتي، أكون ممتنًا لك حتى وأنا بين يدي الله.
سكتت مهرة لحظة.
ثم طوت الخطاب.

وقالت بهدوء
الله يرحمه... ويغفر له.
كانت أول وآخر دعوة خرجت منها له بعد وفاته.
وفي العام التالي...
افتُتح مبنى جديد داخل المؤسسة.
وعلى مدخله لوحة رخامية صغيرة كُتب عليها
هذا المبنى أُنشئ من تبرع رجلٍ تعلّم متأخرًا أن الرحمة لا تُؤجَّل.
لم يُكتب اسمه.
بناءً على وصيته.
لأن الخير الذي يُراد به وجه الله...
لا يحتاج إلى تصفيق الناس ولا إلى لافتات.
وهكذا انتهت الحكاية حقًا...
لا بانتصار رجل على امرأة...
ولا بانتصار امرأة على رجل...
بل بانتصار الرحمة على القسوة، والكرامة على الإذلال، والتوبة الصادقة على الغرور النهاية
مرت سنوات طويلة...
وفي صباح هادئ، كانت مهرة واقفة في شرفة المؤسسة، بتتفرج على عشرات الستات وهم داخلين يبدؤوا يوم جديد، ومعاهم أطفال بيضحكوا ويجروا في الفناء.
ابتسمت وهي بتفتكر اليوم اللي خرجت فيه من بيت رمزي بكيس هدوم صغير، وهي فاكرة إن الدنيا انتهت.
وقتها، جه شاب صغير يجري ناحيتها وقال
يا أستاذة مهرة... الست اللي جت النهارده بتقول إنها ملهاش حد، وصاحب البيت طردها بعد وفاة جوزها.
اتجمدت مهرة لحظة...
لأنها شافت نفسها في الحكاية دي.
مسكت إيد الست برفق وقالت
اطمني... من النهارده إنتِ مش لوحدك.
انهارت الست من البكاء.
وهي بتقول
أنا عارفة الوجع ده... بس أوعدك، هيبقى بداية مش نهاية.
في اللحظة دي، رفعت مهرة عينيها للسماء، وتمتمت
الحمد لله يا رب... إنك ما سيبتنيش وأنا كنت فاكرة إن الدنيا كلها سابتني.
وفي الجهة التانية من المدينة، كان الناس بيقرؤوا الفاتحة على روح رمزي في ذكرى وفاته.
لم يذكره أحد كرجلٍ كان قويًا أو غنيًا...
لكن كثيرين كانوا يدعون له، لأن الأموال التي تركها كانت سببًا في إنقاذ مئات الأسر، وإيواء آلاف المكسورين.
وبينما كانت مهرة تغلق باب المؤسسة آخر النهار، نظرت إلى اللافتة المعلقة على المدخل، وابتسمت.
لم
تكن تبتسم للماضي...
بل للمستقبل الذي صنعته بكرامتها وصبرها.
وهكذا انتهت الحكاية برسالة واحدة
لا تجعل ضعف إنسان سببًا
لتجبرك، فقد تتغير الأيام فيصبح الضعيف قويًا بما منحه الله، ويبقى للظالم من دنياه الندم، ومن آخرته الحساب. أما الكرامة، فإذا حفظها الإنسان، فتح الله له من الأبواب ما لم يكن يتخيل.
تمت.

تم نسخ الرابط