كنت عارف بقلم أمانى السيد

لمحة نيوز

المستشفى أيام.
ماحدش جه يزورني غير ابن خالي مرة واحدة.
أما باقي الناس... فكانوا مشغولين بحياتهم.
وأنا نايم على السرير، افتكرت إن مهرة لما كانت تعبانة، كنت بزعل منها لأنها ماقدرتش تعمل الأكل.
يومها غمضت عيني وقلت بيني وبين نفسي
ربنا سامحني.
خرجت من المستشفى، وأول حاجة عملتها إني رحت للمقابر.
وقفت قدام قبر أبوها.
وقريت له الفاتحة.
وقلت بصوت واطي
أنا ظلمت بنتك... ولو الزمن رجع، كنت هعاملها بما يرضي ربنا.
مكنتش مستني حد يسمعني.
لكن وأنا خارج، سمعت صوت ورايا
الدعاء للميت ينفعه... والاعتذار للحي هو اللي يريحه.
لفيت.
كانت مهرة.
واضح إنها كانت جاية تزور قبر أبوها.
وقفت قدامي بهدوء.
قلت لها سامحيني.
سكتت شوية.
وبعدين قالت
أنا سامحتك من زمان... علشان أعرف أكمل حياتي. لكن المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.
هزيت راسي.
لأول مرة... فهمت الفرق بين الغفران، والرجوع.
ابتسمت ابتسامة هادئة، قرأت الفاتحة على قبر أبوها، ومشيت.
ما حاولتش أوقفها.
ولا ناديت عليها.
لأن بعض الأبواب، لما تتقفل بالكرامة...
بتفضل مقفولة للأبد.
تمت بعد خمس سنين...
كنت ماشي في الشارع، ولقيت يافطة كبيرة مكتوب عليها
مؤسسة مهرة للتكافل ورعاية السيدات.
وقفت مكاني.
الاسم شدني.
دخلت من باب الفضول.
لقيت المكان مليان ستات وبنات، في منهم اللي بيتعلم حرفة، وفي اللي بيشتغل، وفي اللي جاي ياخد استشارة قانونية.
سألت موظف الاستقبال
مين صاحبة المكان؟
ابتسم وقال
الأستاذة مهرة... هي اللي أسست المؤسسة بعد ما مرت بظروف صعبة، وقالت إنها مش هتسيب أي ست تحس إنها ملهاش سند.
الكلام وقع على قلبي زي الحجر.
بعد دقائق، خرجت مهرة من مكتبها.
لما شافتني، استغربت... لكنها ما توترتش.
قالت بهدوء
أهلًا يا رمزي.
قلت وأنا ببص حواليا
كل ده... إنتِ عملتيه؟
ابتسمت وقالت
ربنا هو اللي
عمل... وأنا كنت سبب بس.
سكت شوية، وبعدين قلت
فاكرة زمان لما كنت بقولك إنك مالكيش غيري؟
ردت بابتسامة فيها شفقة أكتر من الغضب
أفتكر... وعشان كده عملت المكان ده.
استغربت.
قالت
كل واحدة تدخل هنا وهي فاكرة إن الدنيا قفلت في وشها... تخرج وهي عارفة إن ربنا بيفتح أبواب كتير، وإن كرامتها أهم من أي حد يحاول يكسرها.
نزلت عيني في الأرض.
قلت
أنا السبب في كل اللي حصلك.
قالت بهدوء
إنت كنت سبب في وجع كبير... لكن الوجع ده خلاني أعرف قوتي. ولو فضلت أعيش ألومك، كنت هفضل سجينة الماضي.
في اللحظة دي، دخلت بنت صغيرة تجري عليها وهي بتنادي
يا طنط مهرة... نجحت!
مهرة وهي بتضحك من قلبها.
بصيت للمشهد، وحسيت قد إيه الإنسان ممكن يسيب أثر... يا إما يوجع الناس، يا إما يداويهم.
خرجت من المؤسسة وأنا رافع عيني للسماء.
ولأول مرة من سنين، دعوت دعوة صادقة
يارب... اغفر لي ظلمي، وارزقني فرصة أصلح ما بقي من عمري.
ومشيت...
عارف إن الماضي مستحيل يتغير، لكن عارف كمان إن التوبة الصادقة تبدأ لما الإنسان يعترف بذنبه، ويتوقف عن ظلم غيره، ويبدأ يعوض ما يستطيع.
وهكذا انتهت الحكاية... بعدما انتصرت الكرامة، وخسر الظلم مهما طال بقاؤه بعد مرور سنة...
كنت لسه بروح المؤسسة من وقت للتاني، لكن مش علشان أشوف مهرة.
كنت بروح أتبرع في صمت.
كل شهر أحط مبلغ وأمشي من غير ما أقابل حد.
وفي مرة، وأنا خارج، استوقفني شاب صغير.
قال حضرتك الأستاذ رمزي؟
استغربت وقلت أيوه.
ابتسم وقال الأستاذة مهرة طلبت أسلمك دي.
ناولني ظرف.
فتحته.
لقيت جواه إيصال التبرع اللي كنت بسيبه كل شهر، ومعاه شيك بنفس المبلغ.
وتحتهم ورقة صغيرة مكتوب فيها
المساعدة الحقيقية مش فلوس ترجع الماضي... المساعدة الحقيقية إنك تمنع حد يعيش اللي أنا عشته.
وقفت أبص للكلام طويل.
وفي آخر الورقة كانت كاتبة
لو نفسك تكفر عن
ذنبك... افتح باب رزق لحد، أو آوي حد مكسور، أو فك كربة إنسان. ساعتها يمكن دعوة من قلبه تكون سبب في غفران ربنا ليك.
طويت الورقة، وحطيتها في جيبي.
ومن اليوم ده، بطلت أكتفي بالتبرعات.
بعت الشقة القديمة للإيجار، واشتريت بيها عمارة صغيرة.
مش علشان أستثمر...
لكن حولتها لسكن مؤقت للستات اللي اتطردوا من بيوتهم، لحد ما يلاقوا شغل أو مكان آمن.
كل واحدة كانت تدخل وهي مرعوبة...
كنت أشوف في عينيها نفس النظرة اللي كانت في عين مهرة.
وساعتها كنت أقول لنفسي
لو كنت فهمت الدرس بدري... كان زمان حياة ناس كتير اتغيرت.
ومع مرور الوقت، بدأت أحس إن ربنا فتح لي بابًا جديدًا؛ ليس ليزيل أثر الماضي، فبعض الآثار لا تزول، ولكن ليجعل ما بقي من العمر سببًا في خير.
أما مهرة...
ففضلت ناجحة في حياتها، محاطة بأشخاص يحترمونها ويقدرونها.
لم ترجع إليّ أبدًا، ولم أطلب منها ذلك.
لأن بعض القصص لا تكون نهايتها أن يعود الأبطال لبعضهم...
بل أن يخرج كل واحد منها إنسانًا أفضل مما كان.
النهاية الحقيقية ليست في اجتماع الأشخاص... بل في انتصار الحق، وعودة الكرامة إلى أصحابها، والتوبة الصادقة لمن أخطأ بعد ثلاث سنين كمان...
كنت راجع من صلاة الفجر، وعديت قدام المؤسسة.
لقيت زحمة غير العادة.
ناس كتير داخلة وخارجة، وصحفيين واقفين برة.
سألت واحد واقف
فيه إيه؟
قال النهارده افتتاح أكبر دار إيواء في المحافظة للسيدات والأطفال... والمؤسسة كبرت وبقى ليها فروع في كذا محافظة.
ابتسمت من غير ما أحس.
وقفت بعيد...
مش حابب ألفت النظر.
بعد شوية، سمعت صوت المذيع وهو بيقول
ونحب نعرفكم إن فكرة المشروع بدأت من تجربة شخصية مرت بيها الأستاذة مهرة، والنهارده بقت سبب في إن آلاف السيدات يلاقوا مأوى وشغل وحياة جديدة.
الناس كلها سقفت.
وأنا كمان... سقفت.
يمكن كنت أكتر واحد عارف حجم الرحلة اللي
وصلت بيها للي هي فيه.
بعد انتهاء الاحتفال، وأنا خارج، لقيت طفل صغير وقع على الأرض.
جريت عليه وشيلته.
كانت أمه بتجري وهي مرعوبة.
أول ما وصلت، قالت
شكرًا لحضرتك.
بصيت في وشها...
واتجمدت.
دي كانت واحدة من السيدات اللي سكنوا عندي زمان بعد ما خرجوا من بيت أهلهم.
ابتسمت وقالت
أنا فاكراك... حضرتك كنت السبب بعد ربنا إننا نبدأ من جديد.
أخدت ابنها ومشيت.
أما أنا...
فقعدت على أقرب دكة.
وأول مرة من سنين... دموعي نزلت.
مش ندم بس...
لكن امتنان.
إن ربنا اداني فرصة أصلح جزء من اللي أفسدته.
رفعت إيدي للسماء وقلت
يا رب... تقبل مني ما بقي من عمري، واجعل كل مظلوم جبرته شاهدًا لي لا عليّ.
ثم قمت ومشيت في هدوء...
لا مستني شكر من حد...
ولا مستني الماضي يرجع.
لأن بعض الجراح لا تُمحى...
لكن يمكن أن تتحول إلى سبب يداوي جراح غيرها.
تمت القصة بعد عشر سنين...
شعري كله شاب.
وإيدي بقت ترتعش وأنا بمضي أي ورقة.
لكن في حاجة واحدة ما اتغيرتش...
كل يوم جمعة، كنت بروح المؤسسة بهدوء، أقعد آخر القاعة، وأسمع قصص الستات اللي بدأت حياتها من جديد.
ولا مرة طلعت على المسرح.
ولا مرة قلت لحد أنا مين.
كنت مكتفي إني أشوف الخير وهو بيكبر.
وفي يوم، وأنا خارج، لقيت شاب في أواخر العشرينات مستنيني.
قال
حضرتك الأستاذ رمزي؟
قلت أيوه.
قال أنا يتيم... واتربيت في الدار اللي المؤسسة فتحتها للأطفال. اتخرجت من كلية الهندسة، والنهارده استلمت أول شغل ليا.
مد إيده يصافحني.
وأضاف
الأستاذة مهرة قالت لنا زمان إن الإنسان اللي بيتوب بصدق لازم نساعده يكمل طريقه... وقالت إن في ناس أخطأت، لكن ربنا فتح لها باب إصلاح.
بصيت له وأنا مش قادر أتكلم.
قال بابتسامة
أنا معرفش حضرتك عملت إيه... لكن واضح إنك ساهمت في الخير ده.
ابتسمت لأول مرة من سنين ابتسامة مرتاحة.
وقلت
أنا كنت سبب في وجع
كبير... وربنا كرمني إني أبقى سبب في شوية خير.
هز رأسه وقال
ربنا بيقبل التوبة.
ومشي.
بعد أيام قليلة...
وصلني خبر إن مهرة تعبت، ونقلت للمستشفى بعد أزمة صحية بسيطة.
ترددت
تم نسخ الرابط