اخويا استنى لحد مادفنا امى

لمحة نيوز

إيده، ومستني المفاتيح.
قال بنفاد صبر خير؟ هتفضلي باصة في الموبايل كتير؟
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت المفاتيح هتفضل معايا لحد ما كل حاجة تتراجع قانونيًا.
ضرب كفه في بعض بعصبية. إيه القانون ده؟ هو إحنا أغراب؟
قلت لو كنا بنتعامل كأخ وأخته، كنت استنيت أسبوع على الأقل بعد وفاة أمك قبل ما تطلب مفاتيح البيت.
مراته حاولت تدخل وقالت إحنا بس خايفين يحصل حاجة للبيت.
بصيت لها وقلت بهدوء البيت فضل عشر سنين أمان معايا، مش هيضيع في أسبوع.
خرج أحمد وهو متعصب، لكنه قبل ما ينزل السلم لف وقال أنا هرفع قضية فرز وتجنيب، وساعتها هتاخدي حقك وأنا هاخد حقي.
قلت وأنا مستنياها.
...
تاني يوم رحت للمحامية سحر.
أول ما قعدت قدامي، طلعت ملف قديم لونه أصفر.
قالت فاكرة لما والدك عمل عملية القلب من حوالي تسع سنين؟
هزيت راسي.
فتحت الملف وطلعت ورقة.
دي صورة من إقرار مكتوب بخط أخوكي.
مسكت الورقة وإيديا كانت بترتعش.
كان مكتوب فيها
أنا أحمد... أقر أن أختي منى هي التي تتحمل جميع مصاريف علاج والدي ووالدتي، وأتعهد برد نص ما تدفعه متى تيسرت ظروفي.
وفي آخر الورقة... توقيعه.
اتجمدت.
قلت أنا كنت ناسية الورقة دي.
ابتسمت المحامية.
أنا دورت في الملفات كلها، ولقيت صورة منها، لكن لازم نجيب الأصل.
قلت ولو لقيناه؟
قالت ساعتها أخوكي هيبقى مطالب قانونيًا بالرد على الإقرار ده، ومعاه مئات الفواتير اللي كلها باسمك.
...
رجعت البيت وأنا بفكر.
وفجأة افتكرت.
أبويا كان دايمًا يحتفظ بالأوراق المهمة في درج خشب قديم داخل الدولاب.
فتحت الدولاب.
الدرج كان فاضي.
قلبي وقع.
لكن وأنا بقفله، سمعت صوت حاجة اتحركت.
كان فيه لوح خشب رفيع في آخر الدرج.
شيلته.
ولقيت ظرف بني قديم.
فتحته بسرعة.
لقيت أصل الإقرار.
ولقيت معاه دفتر صغير بخط أبويا.
قعدت أقرأ أول صفحة.
إذا كنت بتقرأي الكلام ده يا
منى... يبقى أنا غالبًا مش موجود.
دموعي نزلت.
وكملت القراءة.
أنا عارف إنك شيلتي اللي محدش قدر يشيله، وعارف إن أخوكي وعدني يساعد وماوفاش بوعده. علشان كده خليت كل حاجة مكتوبة، عشان محدش يظلمك بعدي.
آخر الصفحة كانت أصعب من كل اللي قبلها.
كان أبويا كاتب
وفي الملف هتلاقوا ورقة عليها توقيع أحمد باستلام مبلغ كبير من حسابي قبل مرضي، ووافق وقتها إنه يعتبره جزءًا من نصيبه المستقبلي في التركة.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للظرف.
كان لسه فيه ورقة واحدة...
ولما فتحتها، عرفت إن أحمد كان مخبي عن كل العيلة سرًا عمره عشر سنين، ولو الورقة دي وصلت للمحكمة، مش بس هيخسر جزءًا كبيرًا من الورث...
ده هيبقى مطالب كمان بإرجاع مبالغ كان فاكر إن الزمن نساها مسكت الورقة بإيدي وأنا حاسة إن قلبي بيدق بقوة.
كانت عبارة عن إيصال موقع من أحمد.
وفيه بخطه
استلمت من والدي مبلغ مليون جنيه لبدء مشروع خاص بي، ويُخصم هذا المبلغ من نصيبي في أي تركة مستقبلًا إذا لم أرده أثناء حياته.
افتكرت اليوم ده.
أبويا كان بايع قطعة أرض ورثها عن جدي، وكان نفسه يساعد أحمد يفتح مصنع صغير.
وقتها أحمد كان بيقول أول ما المشروع يقف على رجله هرجع الفلوس.
لكن المشروع خسر بعد سنة.
ومن بعدها، محدش جاب سيرة الفلوس تاني.
أما أبويا... فاحتفظ بالورقة.
اتصلت بالمحامية سحر.
أول ما شافت الإيصال قالت دي أقوى مما كنا متوقعين.
سألتها يعني إيه؟
قالت يعني المحكمة هتراجع المستند ده مع باقي الأوراق، ولو ثبتت صحته، هيكون له أثر في التسوية بين الورثة وفق القانون.
...
في الجلسة التالية، كان أحمد داخل بثقة أقل من المرة اللي فاتت.
القاضي طلب الاطلاع على المستندات الجديدة.
المحامية قدمت الإيصال.
القاضي بص لأحمد وقال التوقيع ده توقيعك؟
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال بصوت واطي أيوه.
هل رددت المبلغ لوالدك؟
هز راسه
بالنفي.
القاعة كلها سكتت.
مراته بصتله بصدمة.
واضح إنها أول مرة تعرف.
القاضي قرر تأجيل القضية لإحالة المستندات للخبير ومراجعة الحسابات كاملة.
...
بعد شهرين، صدر تقرير الخبير.
أكد وجود الإقرار، وأكد أن أغلب مصروفات العلاج كانت من حسابي، وأثبت أن أحمد استلم المبلغ المذكور ولم يقدم ما يثبت رده.
وقتها، أحمد طلب يقابلني بعيد عن المحكمة.
قعد قدامي في كافيه صغير.
كان شكله مختلف.
قال أنا غلطت... والطمع عمّاني.
سكت شوية وكمل لما شوفت البيت، نسيت تعبك كله.
قلت أنا ماكنتش مستنية منك فلوس... كنت مستنية كلمة ربنا يجازيكي خير.
نزل برأسه للأرض.
وقال معاكي حق.
في النهاية، تمت تسوية كل الحقوق وفق ما انتهت إليه الإجراءات القانونية، وبعدها اتقسمت التركة بالطريقة الصحيحة.
وبعد شهور، أحمد جه البيت القديم.
وقف قدام أوضة أمي.
وقال وهو بيبكي دلوقتي فهمت إن أغلى حاجة ضيعتها ماكنتش فلوس... كانت أمي، وأختي.
بصيت لصورتها المعلقة على الحائط.
وقلت في سري
الورث بيتقسم... لكن التعب، والسهر، والبر، عمرهم ما كانوا بيتقسموا بعد انتهاء القضية، افتكرت إن كل حاجة خلصت.
لكن بعد أسبوع واحد، جرس الباب رن.
فتحت، لقيت أحمد واقف لوحده.
لا مراته معاه... ولا العصبية اللي كانت مالية وشه أول مرة.
كان ماسك كيس قماش قديم.
قال بصوت مكسور ممكن أدخل؟
سكت ثواني، وبعدين فتحتله.
دخل وقعد في نفس الصالون اللي كانت أمي بتحب تشرب فيه الشاي كل عصر.
فضل يبص حواليه، كأنه أول مرة يشوف البيت بجد.
طلع من الكيس ألبوم صور قديم.
قال لقيته وأنا بنقل حاجتي.
فتح الألبوم.
كانت صورنا وإحنا صغيرين.
أنا وهو قاعدين على الأرض بنلعب، وأمي بتضحك، وأبويا شايلنا إحنا الاتنين.
فجأة أحمد بدأ يعيط.
وقال عارفة أنا خسرت إيه؟
مردتش.
قال أنا كنت فاكر إني داخل أخد نص بيت... وفي الآخر اكتشفت إني ضيعت
نص عمري.
أول مرة أحس إن الكلام خارج من قلبه.
مد إيده بكشكول صغير.
قال ده دفتر كنت بكتب فيه ديوني... ومن ضمنها الدين اللي ليا عندك.
فتحت الدفتر.
لقيت آخر صفحة مكتوب فيها
دين عند أختي منى... عمر كامل من التعب، لا يمكن سداده.
قفلت الدفتر وأنا دموعي نازلة.
قلت أنا مش مستنية منك تسدد تعب عشر سنين.
قال عارف... بس اسمحيلي أعوض اللي باقي من العمر.
من اليوم ده، بدأ يزورني كل أسبوع.
مش علشان ورق ولا محاكم.
كان يجيب ورد ويحطه قدام صورة أمي، ويقرأ لها الفاتحة.
وبقى أول واحد يسأل عليا لو اتأخرت في الرد على التليفون.
وفي أول رمضان بعد الصلح، جه قبل المغرب بساعتين.
دخل المطبخ وقال وهو بيضحك
المرة دي دوري أنا أعمل الشوربة.
ضحكت لأول مرة من شهور.
قلت هتحرقها.
قال حتى لو حرقتها... المهم أتعلم.
وبينما كنا قاعدين على السفرة، بصيت للكرسيين الفاضيين بتوع أمي وأبويا.
حسيت إنهم يمكن مش موجودين بجسمهم...
لكن الدرس اللي علموه لينا فضل عايش.
إن الميراث الحقيقي مش بيت ولا فلوس.
الميراث الحقيقي هو الضمير.
ولو الإنسان خسر ضميره...
مش هيكسبه أي ورث في الدنيا سنة كاملة.
بدأت أرجع لحياتي بالتدريج.
رجعت أشتغل ساعات أكتر، وابتديت أزور صاحباتي اللي كنت قاطعاهم سنين بسبب رعاية أمي وأبويا.
لكن البيت... كان لسه ناقصه روح.
في كل أوضة ذكرى.
في كل ركن صوت.
وفي كل ليلة كنت أعدي قدام أوضة أمي، أفتح الباب بالعادة، وبعدين أفتكر إنها مش موجودة.
وفي يوم، أحمد اتصل بيا.
قال تعالي معايا مشوار.
سألته فين؟
قال هتعرفي لما نوصل.
ركبنا العربية، وبعد حوالي نص ساعة وقف قدام مبنى صغير لسه متشطب.
على الباب كانت لافتة مغطاة بقماشة بيضا.
قلت باستغراب إيه ده؟
ابتسم وقال افتحي.
شدّيت القماشة.
واتجمدت مكاني.
كان مكتوب
دار الرحمة لرعاية كبار السن صدقة جارية على روح الحاج محمود
والحاجة فاطمة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
بصيتله.
قال أنا بعت العربية الجديدة... وحطيت فلوسها هنا.
قلت ليه؟
قال عشان كل يوم حد يدعيلهم... ويمكن ربنا يسامحني
تم نسخ الرابط