اخويا استنى لحد مادفنا امى
أخويا استنى لحد ما دفنّا أمي وأول كلمة قالهالي بعد العزا مكانتش ربنا يصبرك كانت هاتي مفاتيح البيت.
لكنه مكانش يعرف إن وأنا بمد إيدي له ، كنت بسلمه حاجة واحدة هتنسف كل اللي كان مخططله من عشر سنين وتخليه يكتشف قدام الناس كلها إن الورث اللي جاي ياخده بإيده ، ممكن يخرج منه وهو خسران أكتر مما يتخيل.
يا أختي البيت لازم يتقسم حسب الشرع وكل واحد ياخد نصيبه.
قالها وهو لسه واقف قدام المقابر ولسه الناس مخلصتش الدعاء ولسه التراب اللي وارى أمي كان طري ولسه ريحة البخور مالية هدومي ولسه قلبي مش مستوعب إن الست اللي كنت بصحى وأنام على صوتها بقت تحت التراب ، لكن واضح إن في ناس الحزن عندها بيخلص قبل ما الطريق من المقابر للبيت يخلص ، لأن أخويا مكانش شايف أم لسه مدفونة كان شايف بيت وورث ومفاتيح.
وقفت أبصله وبصيت لمراته اللي كانت واقفة وراه وعينيها بتتنقل بين وشي وبين شنطتي وساعتها حسيت إنهم من قبل ما يطلعوا من المقابر كانوا معتبرين إن البيت بقى بتاعهم.
أنا اسمي منى وعندي تسعة وخمسين سنة واتعلمت بعد عمر طويل إن الظلم مش دايمًا بييجي بصوت عالي ، ساعات بيتسلل بهدوء زيارة اتأجلت ومكالمة متردش عليها ومصاريف تطلع من جيبك والناس كلها تلاقي ألف عذر للي غاب ، بينما تعتبر تعبك واجب وكأنه شيء طبيعي محدش محتاج يشكرك عليه.
أبويا تعب الأول.
في البداية كانت مجرد رعشة بسيطة في إيده وهو ماسك كباية الشاي وبعدها المرض ابتدى ياخد منه حتة ورا حتة ، رجليه مبقتش تشيله وصوته بقى يطلع بالعافية وبعد سنتين أمي جالها جلطة ، افتكرنا إنها هتقوم منها ، لكن الجلطة
ومن اليوم ده حياتي كلها اتغيرت.
الرعاية مش كلمة. الرعاية إنك تصحي قبل الفجر علشان تساعد أبوك يقوم من السرير وتدخل أمك الحمام من غير ما تحسسها إنها حمل عليك وتغيّر الملايات وتحضر العلاج وتجري بين المستشفيات والدكاترة والصيدليات وتنام على كرسي بلاستيك قدام الرعاية المركزة وترجع آخر الليل وتصحى تاني قبل الشمس ، لأن المرض عمره ما استنى حد يرتاح.
أنا كنت ساكنة قريب منهم أما أخويا فكان في محافظة تانية وده بقى العذر الجاهز عند كل الناس.
معلش بعيد عنده شغل وراه بيت وعيال.
ولا كأن أنا معنديش شغل ولا كأن أنا كمان كنت بفتح بيت ولا كأن الفلوس اللي كانت بتطلع من مرتبي كل شهر علشان علاج أمي وأبويا كانت بتنزل من السما.
في الأول كان يوعد. الجمعة الجاية هاجي وبعدين يقول إن الشغل ضغط وبعدين إن الأولاد عندهم امتحانات. وبعدين بطل حتى يعتذر وبقى الصمت هو كل مساهمته.
عشر سنين كاملة. عشر سنين قللت ساعات شغلي علشان ألف بيهم على المستشفيات.
عشر سنين كنت أنا اللي بدفع تمن الكشف والتحاليل والأدوية والممرضات والعلاج الطبيعي والإسعاف وحتى التعديلات اللي اتعملت في البيت علشان أمي تعرف تتحرك.
ولا مرة طلبت منه يحاسبني ولا مرة قلتله ابعت نص الفلوس.. كنت بقول لنفسي دول أبويا وأمي واللي بيتعمل ليهم ميتحسبش.
أما أخويا فكان ييجي في العيد يومين..يجيب علبة حلويات ويحضن أمي قدام الناس وكل القرايب يقعدوا يقولوا ربنا يبارك فيه رغم بعده عمره ما نسي أمه.
وأنا
ولما أبويا مات كنت أنا اللي ماسكة إيده وهو بيلفظ آخر نفس مش أخويا. أنا.
ومن بعدها أمي بقت متعلقة بيا أكتر ، أول ما تفتح عينيها تدور عليا وأول ما تتوجع تناديني أنا ، لأنها كانت عارفة مين اللي عاش معاها كل لحظة وجع ومين كان مجرد زائر بيظهر وقت المناسبات.
ولما ربنا كتب لأمي الرحيل كنت أنا كمان جنبها.
لكن أخويا قالي بعد الدفن علطول
أنا مش عايز ندخل في خلافات بعد كده. البيت لازم يتقسم حسب الشرع وكل واحد ياخد نصيبه.
الكلمتين دول وقعوا على قلبي كأنهم حجر ، لأن أخويا كان بيتكلم عن نصيبه وكأن عشر سنين من عمري ضاعوا في الهوا وكأن كل فاتورة علاج دفعتها من مرتبي وكل علبة دوا وكل ليلة سهر وكل جنيه خرج من جيبي ، ملوش قيمة ولا حتى يستحق إنه يتذكر.
ما صرختش ولا قلتله كلمة زيادة كل اللي خرج مني مش ده وقته يا أحمد.
اتنهد بضيق وقال
أنا مقدر إنك تعبانة وربنا يرحمها ، لكن الشرع واضح وكل واحد من حقه ياخد نصيبه ومفيش داعي نسيب الموضوع يطول.
لكن الليلة دي والله ما غمضلي جفن.
مش علشان أمي ماتت ، لأن أمي كانت بتضيع من بين إيديا حتة حتة من سنين.
اللي منع النوم عن عيني جملة واحدة كل واحد ياخد نصيبه.
فضلت أعيدها بيني وبين نفسي وكل مرة كانت تيجي قدامي فاتورة ، أو تقرير علاج ، أو عربية إسعاف ، أو ممرضة كنت بدفعلها من مرتبي ، أو دواء كنت بحسب تمنه بالجنيه علشان أعرف أكمل آخر الشهر.
عمري ما طلبت من أخويا يشاركني لكن رغم كده كنت محتفظة بكل ورقة كل إيصال.
يمكن لأن جوايا كان مؤمن إن ربنا عمره ما بيضيع تعب حد وحتى لو الناس نسيت ، الورق عمره ما بينسى.
عدّى يومين على العزا ولأول مرة من عشر سنين ، البيت بقى ساكت.
فتحت الدولاب وطلعت كل الملفات وحطيتها في شنطة وروحت للمحامية أستاذة سحر.
قعدت تقلب في الورق واحدة ورا التانية ، لحد ما قفلت آخر ملف وقالت
أخوكي من حقه نصيبه الشرعي ودي مفيهاش كلام.
قلبي انقبض لكنها كملت
إنما الفلوس اللي خرجت من جيبك واللي عليها مستندات ، دي مسألة قانونية مختلفة ولازم تتراجع كويس قبل ما أي حد ياخد أي خطوة.
أول مرة من ساعة وفاة أمي حسيت إن تعبي أخيرًا بقى له شاهد غير ربنا وقعت على التوكيل مش علشان أحرم أخويا من حقه لكن علشان حقي أنا كمان ميضعش.
وفي مساء نفس اليوم رن جرس الباب كان أحمد أول ما دخل ، قال
هاتي مفاتيح البيت أخد نسخة ويبقى معايا زيك.
فتحت شنطتي ولاحظت مراته واقفة وراه وعينيها مليانة ثقة إن كل حاجة ماشية زي ما كانوا مخططين.
مد إيده لكني محطتش فيها المفاتيح حطيت كارت المحامية. بصلي باستغراب وقال
إيه ده؟
قلت وأنا ببصله في عينه من النهارده أي كلام يخص البيت أو الورث هيكون عن طريقها.
اتغير لون وشه ولأول مرة من ساعة وفاة أمي شفت ثقته بتتهز.
وفي نفس اللحظة تليفوني اهتز كانت رسالة من المحامية.
فتحتها وكان أول سطر فيها
في ورقة قديمة عليها توقيع أخوكي لو طلعت النسخة الأصلية موجودة ، متسلميش المفاتيح ليه ولما نتقابل هفهمك ليه.
قريت الرسالة أكتر من مرة وبعدين رفعت عيني عليه.
صابرين_محمد
أخدت نفسًا عميقًا وقفلت شاشة
أحمد كان لسه مادد