هربتي ليلة فرحك

لمحة نيوز

في يومها الأول بالشركة، كانت نغم داخلة وهي فاكرة إن أكبر مشكلة هتقابلها هي مقابلة العمل.
لكن أول ما رفعت عينيها، اتجمدت مكانها.
مراد زيدان.
الاسم اللي عمرها ما نسيته.
الراجل اللي اتكتب كتابه عليها في البلد، قبل ما حياتها كلها تتقلب.
مراد بص في ملفها، وبعدين رفع عينه عليها باستغراب واضح.
إنتِ... نغم صفوان؟
هزت رأسها في صمت.
فضل يبصلها ثواني، كأنه بيجمع ذكرياته، ثم قال بهدوء
إحنا لازم نفهم إيه اللي حصل من سنتين... لأن اللي وصلني وقتها مختلف تمامًا عن اللي سمعته دلوقتي.
نغم دموعها لمعتها، لكنها تماسكت.
أنا خرجت من البيت يوم الزفاف مع والدتك عشان قالت إن في إجراءات لازم نخلصها قبل ما نروح القاعة. أول ما وصلنا إسكندرية، أخدت دهبي وقالتلي إن الجوازة اتلغت، وركبتني عربية ورجعت لوحدها. ومن يومها وأنا معرفش عنك أي حاجة.
مراد عقد حاجبيه.
أمي قالتلي إنك رفضتي تكملي الجوازة، وسافرتي بإرادتك.
والله ما حصل.
ساد الصمت بينهما.
فتح مراد درج مكتبه، وأخرج ملفًا قديمًا احتفظ به طوال السنين.
أنا مش هحكم قبل ما أعرف الحقيقة. لو كلامك صح، يبقى في حد ضيّع عمرنا إحنا الاتنين.
نظر إليها بهدوء هذه المرة، ثم قال
الوظيفة لسه قائمة، ولو وافقتِ تشتغلي هنا، يبقى علاقتنا داخل الشركة هتكون مدير وموظفة وبس. وفي نفس الوقت هنحاول

نوصل للحقيقة، مهما كانت صعبة.
تنفست نغم لأول مرة براحة منذ دخولها المكتب.
كانت تعرف أن الطريق ما زال طويلًا، لكن على الأقل... أصبح هناك شخص مستعد يسمعها، بدلًا من أن يدينها قبل أن يعرف الحقيقة في اليوم التالي، وصلت نغم الشركة بدري كعادتها.
كانت بتحاول تثبت نفسها في الشغل، بعيدًا عن أي حاجة شخصية.
أما مراد، فكان مراقبًا لكل شيء، ليس لأنه لا يثق بها، ولكن لأنه يريد أن يفهم الحقيقة كاملة.
بعد انتهاء الدوام، استدعاها إلى مكتبه.
قال بهدوء
أنا كلمت السواق اللي كان وصل والدتي يومها.
اتسعت عينا نغم.
قال إيه؟
أجاب مراد وهو ينظر في ورقة أمامه
أكد إنه وصلك لمكان بعيد عن قاعة الفرح، وإن والدتي رجعت لوحدها، لكنه قال إنه ما يعرفش السبب.
أغمضت نغم عينيها للحظة.
أخيرًا... ظهر أول دليل يثبت أنها لم تتعمد ترك الزواج.
في تلك الليلة، عاد مراد إلى منزل العائلة.
جلس أمام والدته وقال مباشرة
عايز أعرف بالظبط إيه اللي حصل يوم الفرح.
ارتبكت الأم للحظة، ثم قالت
بعد كل السنين دي لسه بتسأل؟
قال بحزم
لأن في تفاصيل اكتشفت إنها ما كانتش حقيقية.
حاولت تغيير الموضوع، لكنه أخرج تسجيلًا صوتيًا كان قد سجله للسائق بعد موافقته.
ساد الصمت.
تغير لون وجهها.
ولأول مرة منذ سنوات... شعرت أن السر الذي أخفته بدأ ينهار.
أما نغم، فلم تكن تعلم
أن اليوم التالي سيحمل مفاجأة أكبر، عندما تصل إلى الشركة وتجد امرأة مسنة تنتظرها في الاستقبال، وما إن رأتها حتى قالت بصوت مرتجف
سامحيني يا بنتي... أنا اشتغلت زمان في بيت مراد، وأنا شاهدة على كل اللي حصل يوم فرحك نغم وقفت مكانها وهي مش مستوعبة الكلام.
قربت من السيدة بسرعة وقالت
حضرتك تعرفيني؟
هزت السيدة رأسها وهي تمسح دموعها.
أعرفك من يوم كتب كتابك. أنا كنت بشتغل في بيت الحاج زيدان، وكنت مع والدته يوم الفرح.
في اللحظة دي خرج مراد من المصعد، ولما شاف الست واقفة، اتفاجأ.
خالة أمينة؟! إنتِ هنا؟
بصت له بحزن وقالت
سامحني يا ابني... سكت سنين، لكن ضميري مبقاش مستحمل.
دخلهم مراد مكتبه، وقفل الباب.
قال بهدوء
اتفضلي... احكي كل حاجة.
تنهدت أمينة وقالت
والدتك كانت رافضة الجوازة من البداية، لكنها وافقت قدام العيلة عشان متكسرش كلمة والدك. أول ما خرجت مع نغم، أخدتها بعيد عن الفرح، وقالتلها إنك غيرت رأيك وإن الزواج انتهى، وخدت منها الشبكة والذهب بحجة إنها هترجعهم لأهلها.
نغم كانت تبكي في صمت.
أما مراد، فكان وجهه شاحبًا.
قال بصوت منخفض
يعني... نغم كانت طول الوقت بتقول الحقيقة.
أومأت أمينة.
أيوه يا ابني. والبنت دي اتظلمت ظلم عمرها.
جلس مراد على كرسيه وهو يضع يده على رأسه.
كل الغضب الذي عاش به سنوات كان مبنيًا على
رواية واحدة لم يحاول التحقق منها.
رفع رأسه أخيرًا، ونظر إلى نغم.
أنا مدين لك باعتذار كبير... لكن الاعتذار لوحده مش هيصلح اللي حصل.
مسحت نغم دموعها وقالت بهدوء
أنا مش جاية أدور على تعويض... أنا كل اللي كنت عايزاه إن الحقيقة تظهر.
ساد الصمت في المكتب.
وفي الخارج، كانت والدة مراد تدخل مبنى الشركة، بعد أن علمت أن أمينة ذهبت لمقابلتهما.
كانت تعرف أن الحقيقة انكشفت... وأن المواجهة التي هربت منها سنوات أصبحت أمامها الآن ما إن وصلت والدة مراد إلى باب المكتب، حتى سمعت آخر جملة قالتها أمينة.
أغلقت عينيها للحظة، ثم طرقت الباب ودخلت.
ساد صمت ثقيل.
نظر إليها مراد وقال بهدوء لم تعهده منه
اقعدي يا أمي... أنا محتاج أسمع منك.
جلست وهي تحاول أن تبدو ثابتة.
قالت
اللي حصل كان لمصلحتك.
رد مراد
مصلحتي؟ إنك تفرقي بيني وبين زوجتي وتظلمي بنت ملهاش ذنب؟
تنهدت الأم وقالت
كنت شايفة إنكم مختلفين، وخفت الجوازة تفشل بعدين. فكرت إني لو وقفتها من الأول هيكون أهون.
قالت نغم بصوت هادئ
كان ممكن ترفضي الجوازة من البداية. لكن ليه تسيبيني سنين أتحمل كلام الناس؟
خفضت الأم رأسها ولم تجد إجابة.
قالت أمينة
أنا كمان غلطت لما سكت. وخايفة ربنا ما يسامحنيش.
ظل مراد صامتًا للحظات، ثم قال
اللي فات ما ينفعش يرجع... لكن لازم نصلحه على قد ما نقدر.

التفت إلى نغم.
أنا مش هطلب منك أي قرار دلوقتي. خدي وقتك. سواء قررتي تكملي حياتك معايا
تم نسخ الرابط