انا عملت حاجه متتحكيش
المحتويات
نزاع قضائي استمر أكثر من عشرين سنة. القضية انتهت مؤخرًا، وصدر حكم نهائي لصالح الورثة.
سألته وإيه علاقتي أنا بالكلام ده؟
قال
لأن زينب رفضت تستلم أي حاجة قبل ما ترد لكل واحد وقف جنبها حقه... وقالت إن أول بيت هتزوره بعد ما تعرف الخبر هو بيتكم.
في نفس اللحظة...
دخلت زينب وهي مبتسمة.
قامت ليلى .
وقالت زينب
متخافوش... أنا مش جاية أديكم فلوس.
ضحكنا.
ثم أكملت
أنا جاية أقول لكم إن ربنا عوضني من وسع، لكن أكبر تعويض أخدته هو إني خرجت من المحنة دي من غير ما أفقد قلبي.
ثم مدت يدها لليلى.
وقالت
إنتِ فاكرة وعدك؟
ليلى هزت رأسها.
قالت
كنتِ وعدتِ إنك تساعدي أي بنت تغلط قبل ما تضيع.
ابتسمت ليلى وقالت
ووعدي لسه قائم.
وفي ذلك اليوم، اتفقوا معًا على إنشاء جمعية صغيرة لتعليم الفتيات الأمانة، وتحمل المسؤولية، ومواجهة الخطأ بالشجاعة بدلًا من الهروب منه.
وبدأت حكاية جديدة... كانت أجمل من كل ما سبق، لأنها لم تكن عن الانتقام، بل عن إصلاح ما أفسدته لحظة خوف واحدة بعد افتتاح الجمعية بستة أشهر، بدأت البنات تيجي من كل مكان.
كل واحدة كان عندها حكاية...
واحدة سرقت علشان الفقر.
واحدة كذبت خوفًا من أهلها.
وواحدة اتظلمت، ومحدش صدقها.
وفي يوم، دخلت بنت صغيرة لا يتجاوز عمرها ستاشر سنة، وكانت بترتعش وهي ماسكة شنطة المدرسة.
قالت
أنا لازم أعترف بحاجة... قبل ما أندم طول عمري.
بصتلها ليلى بابتسامة هادئة وقالت
اتفضلي... إحنا هنا علشان نساعد، مش علشان نحاكم.
البنت طلعت سلسلة ذهب من شنطتها وقالت
أنا خدتها من صاحبتي... وكل يوم كنت بقول هرجعها بكرة.
ليلى سكتت لحظة...
ثم حكت لها قصتها لأول مرة كاملة.
حكت لها عن العقد، وعن زينب، وعن أمها، وعن اليوم اللي غير حياتها.
البنت فضلت تعيط.
وقالت
يعني لسه في فرصة أصلح غلطتي؟
ردت ليلى
طول ما عندك الشجاعة
رجعت البنت السلسلة لصاحبتها، واعتذرت، وانتهت المشكلة قبل ما تكبر.
بعد ما خرجت، زينب بصت لليلى وقالت
شايفة؟
لو يومها ما اعترفتيش... كان ممكن البنت دي تضيع هي كمان.
ابتسمت ليلى، وبصت لأمها.
وقالت
يمكن ربنا سمح إننا نغلط... علشان ننقذ غيرنا من نفس الغلط.
ابتسمت أنا، لأول مرة من سنين، من غير أي إحساس بالذنب.
لأن الماضي لا يمكن تغييره...
لكن يمكن أن يكون سببًا في تغيير مستقبل إنسان آخر.
وهكذا تحولت قصة بدأت بسرقة، وكذب، وظلم... إلى قصة عن الصدق، والتوبة، وإنقاذ الآخرين من الوقوع في نفس الخطأ. تمت بعد مرور عشر سنوات...
كبرت الجمعية، وبقى اسمها معروف في كل المحافظة.
وفي احتفال بمرور عشر سنوات على تأسيسها، كان فيه مئات الحضور، وصحفيين، وشباب وبنات كتير اتغيرت حياتهم بسببها.
في نهاية الحفل، طلع المذيع وقال
في فقرة أخيرة... فيه شخص مجهول طلب يتكلم خمس دقائق.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، وشعره كله أبيض.
أول ما شافته زينب، اتجمدت في مكانها.
همست
بابا...!
الكل اتصدم.
أبوها كان معروف عند الجميع إنه مات من سنين.
الرجل قرب منها، ودموعه نازلة، وقال
سامحيني يا بنتي... أنا عايش، لكن كنت مجبور أختفي بعد ما دخلت في قضية كبيرة مع ناس خطر. كانوا هيقتلوكم لو عرفوا إني موجود.
المكان كله سكت.
زينب وهي بتبكي.
لكن الرجل طلع ظرفًا قديمًا من جيبه.
وقال
الظرف ده كنت محتفظ بيه علشان اليوم ده.
فتحته زينب...
ولقت فيه صورة قديمة ليها وهي طفلة، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط أبوها
لو الدنيا ظلمتك يوم، أوعي تخلي الظلم يغير قلبك. الإنسان مش بفلوسه... الإنسان بأخلاقه.
زينب الورقة قبل ما أباها مرة تانية.
ليلى كانت بتبكي.
وأنا كنت ببص للمشهد، وحسيت إن ربنا أرانا النهاية اللي ما كناش نتخيلها.
في نهاية الحفل، وقف الجميع
ورفعوا لافتة كبيرة مكتوب عليها
قد تخطئ مرة... لكن لا تجعل الخطأ نهاية قصتك.
ومن يومها، أصبحت حكاية زينب تُروى لكل فتاة وكل أم، ليس لأنها قصة سرقة عقد، بل لأنها قصة إنسانة رفضت أن يتحول الظلم الذي وقع عليها إلى كراهية، واختارت أن تجعل منه بداية حياة جديدة لكل من حولها.
النهاية الحقيقية بعد عشرين سنة...
كانت ليلى واقفة على المسرح، تستلم جائزة كبيرة عن عملها في حماية الأطفال وتأهيل الأحداث.
المذيع ابتسم وقال
إحنا عايزين نعرف... إيه السبب اللي خلاكي تكرسي حياتك للمجال ده؟
ليلى سكتت لحظة، ثم قالت
لأن وأنا عندي تسعتاشر سنة، كنت هضيع حياة إنسانة بريئة بسبب لحظة ضعف... ولولا شجاعتها في مواجهة الظلم، ما كنتش واقفة هنا النهارده.
كل القاعة سكتت.
في الصف الأول، كانت زينب قاعدة، وشعرها بدأ يختلط فيه الشيب، لكنها ما زالت تبتسم بنفس الطيبة.
بعد انتهاء الحفل، خرجت ليلى معها إلى الحديقة.
قالت ليلى
فاكرة أول يوم شوفتك فيه؟
زينب ضحكت وقالت
أنساه إزاي؟
قالت ليلى وهي تخرج علبة صغيرة من حقيبتها
المرة دي أنا اللي جايبة لك هدية.
فتحت زينب العلبة...
فوجدت عقدًا من الفضة، بسيطًا جدًا.
استغربت وقالت
ده شكله متواضع أوي.
ابتسمت ليلى وقالت
علشان يفكرنا إن قيمة الإنسان مش في العقد الغالي... لكن في القلب اللي يشيله.
دموع زينب نزلت.
لبسته، وقالت
العقد ده أغلى عندي من أي ألماس.
وفي تلك اللحظة، اقتربت فتاة صغيرة من الجمعية، وسألت زينب
يا طنط... هو صحيح الناس ممكن تتغير؟
نظرت زينب إلى ليلى، ثم ابتسمت وقالت
أيوه... والدليل واقف قدامك.
ابتسمت الطفلة، وأمسكت بيد ليلى وهي تدخل معها إلى الجمعية.
راقبتُ المشهد من بعيد، وشعرت أن الله منحنا فرصة لم نكن نستحقها، لكننا حاولنا أن نستفيد منها.
واكتشفت أن أعظم النهايات ليست
بل تلك التي يتحول فيها الظالم التائب إلى سبب في إنقاذ الآخرين.
ستار بعد انتهاء الحفل، وبينما الجميع يهمّ بالمغادرة، اقترب من ليلى شاب في منتصف الثلاثينات، تبدو عليه ملامح الوقار.
قال لها حضرتك متعرفنيش... لكن أنا أعرفك من زمان.
استغربت ليلى وقالت إزاي؟
ابتسم وقال أنا ابن زينب.
اتجمدت ليلى في مكانها.
بصت لزينب، فابتسمت وقالت كنت مستنية اليوم ده.
الشاب مد إيده يصافحها وقال وأنا صغير، كنت فاكر إن كل الأغنيا ظلمة، وإن أمي عمرها ما هتسامح حد. لكنها كانت كل ليلة تدعيلكم بالهداية، وتقول ربنا لما يفتح باب التوبة، مينفعش إحنا نقفله.
ليلى دموعها نزلت.
قالت أمك هي اللي علمتني المعنى الحقيقي للتسامح.
ابتسم الشاب وقال وعلشان كده أنا بقيت وكيل نيابة.
استغرب الجميع.
أكمل قائلاً اخترت القانون علشان أدافع عن المظلوم، وأتأكد إن محدش يتحاكم بسبب شك أو ظلم زي اللي حصل مع أمي.
زينب نظرت إلى ابنها بفخر، وقالت أنا خسرت سمعتي يوم... لكن ربنا عوضني بابن يخلي اسمي يتذكر بالخير.
في تلك اللحظة، وقفت ليلى أمام الحضور وقالت
في ناس بتفتكر إن الغلط بينتهي لما العقوبة تخلص... لكن الحقيقة إن الغلط بينتهي لما الإنسان يغيّر نفسه ويخلّي اللي بعده ميقعش فيه.
صفق الجميع بحرارة.
وبينما كانوا يخرجون من القاعة، مروا بجانب لوحة كبيرة معلقة على الحائط، كُتب عليها
قد يسرق إنسان شيئًا في لحظة... لكن استعادة الثقة تحتاج عمرًا كاملًا. فلا تظلم بريئًا لتنقذ مذنبًا، فالعدل هو الذي يحمي الجميع.
وهكذا، بقيت الحكاية تُروى جيلًا بعد جيل، لا لأن فيها عقدًا من الألماس... بل لأن فيها درسًا لا يقدَّر بثمن النهاية
مرَّت سنوات طويلة...
وفي يوم كانت زينب جالسة في شرفة بيتها، وبجوارها أحفادها الصغار.
واحد منهم سألها ببراءة
يا
ابتسمت زينب، ونظرت إلى السماء، وقالت
أيوه... لكن الحقيقة عمرها ما بتموت.
في نفس
متابعة القراءة