طلقت مراتى بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


فيها بدل ما أعتذر.
كل مرة بعدت بدل ما أحتوي.
كل مرة اخترت صورتها قدام الناس بدل حقيقتها.
كل ده كان بيتجمع في البقعة.
كأنها مش مرض دي سجل كامل.
وقبل ما أتكلم
النسخة قال بهدوء
آخر فرصة.
الفراغ بدأ يتشقق حوالينا.
هيام قالت بصوت واطي
أنا مسامحة بس مش عايزة أعيش جوا الألم ده أكتر.
وساعتها
حسيت إن القرار بقى في إيدي فعلًا.
مددت إيدي ببطء ناحية البقعة على كفها
وفي اللحظة اللي لمستها فيها
الفراغ كله انفجر نور أبيض قوي لدرجة إني فقدت الإحساس بأي حاجة.
آخر صوت سمعته كان صوتها وهي بتقول
لو رجعت ماتهربش تاني الضوء الأبيض فضل مسيطر على كل حاجة لدرجة إني فقدت إحساس الزمن نفسه.
لما رجع الإحساس تدريجيًا، كنت راجع لنفس المكان العيادة.
نفس الكرسي نفس الوجوه نفس الهواء التقيل.
لكن فيه حاجة مختلفة.
هيام كانت واقفة قدامي.
بصيت لإيدي بسرعة
مفيش بقعة.
بصيت ليها تاني.
كانت بتبصلي بهدوء هدوء غريب مش قادر أقرأه.
الدكتور قال وهو بيقرب
إنتوا الاتنين أغمي عليكم فجأة مفيش أي تفسير طبي واضح.
الممرضة هزت راسها
كل المؤشرات رجعت طبيعية كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن أنا كنت حاسس إن في حاجة حصلت جوايا أنا.
هيام أخدت نفس عميق وقالت
أنا عايزة أمشي.
الدكتور بص لها باستغراب
تقدري ترتاحي شوية
لكنها قاطعته
لا أنا كويسة.
وبصتلي لحظة.
لحظة طويلة.
وبعدين مشيت.
من غير ما تطلب مني أروح معاها.
ومن غير ما تبص وراها.
وقفت مكاني، ومشيت خطوة وراها وبعدين توقفت.
مش قادر أقرر إذا كنت ألحقها ولا أسيبها.
صوت النسخة أو اللي كان شبهه رجع في دماغي بهدوء
الاختيار ما انتهيش.
بلعت ريقي.
وخرجت برا العيادة.
الشارع كان عادي.
شمس ناس ضوضاء.
بس كل حاجة كانت شكلها مختلف.
كأن عيني بقت شايفة تفاصيل ماكنتش بشوفها قبل كده.
شفت هيام واقفة عند أول الشارع.
مش مستنيني.
لكن كأنها عارفة إني هقف هنا.
لفت نص لفة وقالت
مش هيرجع زي الأول يا أحمد.
سكتت لحظة.
بس ممكن يبدأ بشكل صح.
وبعدها كملت مشي.
وقفت لوحدي.
إيدي كانت فاضية بس

الإحساس اللي جوايا كان تقيل.
مش مرض.
ولا لعنة.
حاجة أقرب للحقيقة.
وبعيد عني في انعكاس زجاج محل
لمحت نفسي لحظة.
ومشيت.
لكن الانعكاس
اتأخر خطوة ورايا وقفت قدام زجاج المحل وأنا حاسس إن في حاجة مش طبيعية حاجة صغيرة جدًا بس كفاية تهز جوايا كله.
انعكاسي كان متأخر فعلًا.
مش تأخير واضح قوي ثانية أو أقل لكن كفاية يخليه باين إنه مش أنا بالظبط.
بلعت ريقي وقرّبت أكتر.
الانعكاس وقف بعدي بلحظة، وبصلي.
نفس عيني لكن النظرة مختلفة.
أهدى.
أعمق.
كأنه شايف حاجة أنا لسه مش شايفها.
رجعت خطوة لورا بسرعة والانعكاس رجع طبيعي.
الشارع عادي.
الناس ماشية.
مفيش حاجة غريبة.
بس الإحساس ما راحش.
لفيت وقررت أمشي ورا هيام.
مش جري مش استعجال بس خطوة ورا خطوة.
لقيتها قاعدة على سور صغير عند ناصية شارع هادي، باصة قدامها من غير ما تركز في حاجة.
وقفت وراها.
هيام
ما ردتش أول مرة.
قلت تاني
هيام ممكن نتكلم؟
سكتت ثانيتين وبعدين قالت
إنت دلوقتي بتشوف إيه؟
سؤال غريب.
قعدت جنبها بهدوء وقلت
مش متأكد بس حاسس إني لأول مرة بشوف نفسي صح.
بصتلي بطرف عينها
وإيه الفرق؟
سكت.
لأني ماكنتش لاقي إجابة سهلة.
الفرق إني بقيت شايف كل حاجة كنت بتجاهلها مش بس فيها، لكن فيا أنا كمان.
هيام أخدت نفس عميق وقالت
أنا لما كنت تعبانة كنت مستنية حد يشوفني مش شكل بس.
سكتت لحظة.
مش يشوف جمالي يشوفني أنا.
كلامها دخل جوايا زي سكينة هادية.
بصيت في الأرض.
أنا عارف متأخر.
ضحكت ضحكة قصيرة مش فرحانة
المتأخر مش مشكلة المشكلة لما تفضل ماشي وانت فاكر إنك صح.
سكتنا سوا.
الشارع حوالينا كان بيعدي كأنه مش شايفنا.
وبعدين هي قامت واقفة.
أنا مش راجعة لنفس الحياة اللي كنا فيها.
قلبي اتقبض.
كملت
بس كمان مش عايزة أعيش في حرب.
لفت تبصلي تاني
لو عايز تبقى موجود يبقى بشكل جديد. مش نسخة من نفسك القديمة.
وقبل ما أرد
انعكاس زجاج المحل اللي وراها ظهر تاني.
بس المرة دي
الانعكاس بتاعي ماكانش متأخر.
كان واقف جنبي.
وبيبصلي.
وبابتسامة بسيطة جدًا كأنه
مستني القرار الأخير اتجمدت مكاني لما شوفت الانعكاس واقف جنبي فعلًا مش متأخر مش مختلف.
هو أنا.
بس بيبصلي بنظرة أنا ماكنتش متعود أشوفها في نفسي هدوء من غير هروب.
هيام لاحظت سكوتي، فبصت ناحية زجاج المحل.
ما قالتش حاجة في الأول بس ملامحها اتشدّت.
إنت شايف إيه؟ سألتني بصوت منخفض.
رُحت ناحيت الزجاج ببطء، كأن كل خطوة بتسحب مني حاجة.
وقفت.
الانعكاس اختفى.
رجعت الصورة عادية.
أنا وهيام بس.
الشارع.
الناس.
الحياة اللي بتكمل من غير ما تستنى حد.
بلعت ريقي
كان كان واقف جنبي.
هيام بصتلي بعمق
ومين ده؟
سكت.
لأني لأول مرة ماكنتش عارف أجاوب بإجابة مجنونة زي قبل.
أنا بس بشكل مختلف.
هيام هزّت راسها بهدوء
يمكن ده مش حد تاني يمكن ده أنت لما بطلت تهرب.
الكلمة خبطت جوايا.
الهرب.
الكلمة اللي كانت بتشرح كل حاجة من أول يوم.
هيام قامت واقفة
أنا مش عايزة أرجع أعيش في خوف ولا عايزة أعيش في انتظار إنك تتغير فجأة.
سكتت لحظة.
بس واضح إنك بدأت تشوف.
بصيت لها
وإنتِ؟
سكتت شوية، وبعدين قالت
أنا بدأت أرجع أشوف نفسي بعيد عنك.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قبلها.
لكنها كانت صادقة.
وقفت لحظة، كأنها بتقرر آخر حاجة
لو في يوم اتقابلنا يبقى وإحنا كاملين مش محتاجين نكمل بعض.
وبعدين مشيت.
المرة دي مش مشي غاضب ولا هروب.
مشي حياة.
فضلت واقف لوحدي في الشارع.
كل حاجة حوالي بتتحرك إلا جوايا.
وفي زجاج المحل
رجع الانعكاس تاني.
بس المرة دي ماكنش بيبصلي.
كان ماشي في نفس اتجاه هيام.
وبعدين ابتسم لي ابتسامة صغيرة قبل ما يختفي.
وقتها بس فهمت.
مش أنا اللي كنت متقسم.
أنا اللي كنت لسه ما اتجمعتش.
والمشهد الأخير
إن الشارع قدامي كان فاضي بس المرة دي مش مخيف.
مفتوح.
وكأن أول خطوة فيه
لسه مستنيا تتاخد وقفت في مكانى شوية أطول من اللازم، كأن الشارع نفسه بيطلب مني أستوعب اللي حصل من غير ما أهرب منه بسرعة زي عادتي.
هيام كانت اختفت في الزحمة، لكن أثر كلامها كان لسه ماشي معايا.
لو في يوم اتقابلنا وإحنا كاملين.

الجملة دي ما كانتش وداع قد ما كانت باب مفتوح بس مش متأكد هل عندي الشجاعة أعدي منه ولا لأ.
اتحركت أخيرًا.
مشيت من غير وجهة واضحة، بس لأول مرة من سنين مكنتش بجري ورا شكل، ولا بختبئ من حاجة.
كل خطوة كانت أخف من اللي قبلها.
عديت على زجاج محل تاني، وقفت أبص.
الانعكاس كان طبيعي.
أنا بس.
لا نسخة، لا تأخير، لا ظل سابقني بخطوة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة غصب عني مش فرح كامل، لكن اعتراف هادي إن في حاجة اتغيرت فعلًا.
الموبايل رن.
نفس الرقم المجهول.
ترددت لحظة وبعدين فتحت.
الصوت جه هادي جدًا، مختلف عن المرات اللي فاتت
إنت خلاص بدأت تشوف.
سكت.
رديت لأول مرة من غير خوف
عايز إيه مني؟
الرد جه بعد لحظة صمت قصيرة
مش أنا اللي عايز حاجة دي آخر مكالمة.
قلبي دق بسرعة.
آخر مكالمة ليه؟
الصوت قال
لأنك لما تبطل تهرب من نفسك مفيش حاجة تانية تلاحقك.
سكون.
وبعدين الخط اتقفل.
وقفت مكاني.
مش خوف.
مش صدمة.
بس هدوء غريب زي إن حاجة تقيلة كانت ماسكة حياتي وسيبتها.
بصيت قدامي.
الشارع كان ممتد عادي جدًا.
بس المرة دي مكنش فاضي من المعنى.
كان فاضي من الوهم.
خدت نفس عميق، ومشيت.
من غير ما أبص ورايا.
ومن غير ما أستنى إن حد يناديني تاني.
آخر لقطة
خطواتي كانت بتبعد في الشارع، وصوتها بيختفي تدريجيًا
لكن المرة دي، اللي كان بيختفي مش أنا.
كان النسخة القديمة مني النهاية.
مش نهاية لعنة ولا مرض لكن نهاية نسخة قديمة من إنسان كان فاكر إن الشكل هو القيمة، وإن الهروب حل، وإن القسوة حماية.
اللي حصل مع أحمد في القصة، سواء كان حقيقة أو انعكاس نفسي، خلّاه يقف قدام نفسه من غير أي أقنعة لأول مرة
شايف أثر قراراته على هيام، وشايف إن الألم اللي خاف منه ورفضه في غيره، رجع يواجهه جواه هو.
هيام في النهاية ما رجعتش له، لأنها ما كانتش محتاجة ترميم علاقة قد ما كانت محتاجة تبدأ حياة فيها احترام لذاتها بعيد عن أي خوف أو تقليل.
وأحمد ما خرجش منتصر ولا منهزم، لكنه خرج من فكرة واحدة كانت ماسكاه إن قيمته وقيمة غيره مرتبطة
بالشكل.
وفي آخر مشهد، ما فيش لعنة ولا نسخة ولا مطاردة
فيه إنسان قرر يمشي في طريق جديد، حتى لو الطريق لسه مش واضح.
والحقيقة اللي فضلت ثابتة أصعب مواجهة مش مع مرض
لكن مع نفسك لما تكتشف إنك كنت السبب في ألم حد كنت مفروض تحبه.

 

تم نسخ الرابط