يوم فرحي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

طبقة تراب سميكة.
العجوز أشار على مكتبة في آخر الأوضة وقال
هناك.
قرب أبويا، وبدأ يفتش لحد ما لقى فتحة صغيرة مخفية بين الرفوف.
دخل المفتاح...
لفه ببطء...
وفجأة سمعنا صوت تك.
اتفتح درج صغير كان مستخبي جوه الحيطة.
لكن الغريب...
الدرج مكانش فيه دهب، ولا فلوس، ولا عقود.
كان فيه شريط كاسيت قديم، ورسالة مختومة بالشمع الأحمر.
بصيت باستغراب.
إيه ده؟
قال العجوز
جدك كان بيسجل كل حاجة بصوته... يمكن ده آخر تسجيل.
فتح أبويا الرسالة الأول.
كان مكتوب فيها
لو وصلتوا للدرج ده، يبقى حد حاول يستخدم اسم العيلة في ظلم بريء. قبل ما تسمعوا الشريط، اعرفوا إن الحقيقة الكاملة مش عند شخص واحد، وكل واحد يعرف جزءًا منها فقط.
نظرنا لبعض باستغراب.
أخويا شغّل الكاسيت في جهاز قديم كان فوق المكتب.
خرج صوت جدي، رغم التشويش
بسم الله... لو حد بيسمعني دلوقتي، يبقى الأمانة خرجت من مكانها. الأمانة دي مش مال... ومش أرض... دي ورقة تثبت حق ناس مظلومين، وأنا خبيتها لحد ما يظهر الوقت المناسب.
ثم سكت التسجيل ثواني.
رجع صوت جدي تاني، لكنه قال جملة واحدة فقط قبل ما الشريط يقطع فجأة
لو اختفت الورقة... دوروا عند صاحب الساعة...
وفصل التسجيل تمامًا.
كلنا بصينا لبعض.
قلت
مين صاحب الساعة؟
العجوز عقد حاجبيه وقال
الغريب... إن جدك عمره ما كان بينادي حد بالاسم ده قدامي.
في اللحظة دي، عريسي كان واقف ساكت، وفجأة قال
استنوا...
لفينا نبصله.
طلع من جيبه ساعة جيب قديمة، وقال
بعد ما خرجت من الفرح، الراجل اللي سلمني المفتاح حط الساعة دي في عربيتي من غير ما أحس... وقال لما تسمعوا كلمة صاحب الساعة، هتفهموا ليه كنت لازم أظهر في الوقت ده.
أبويا أخد الساعة،
وقلبها بين إيديه.
وفجأة لاحظ إن غطاها الخلفي بيتفتح.
فتح الغطا ببطء...
ولقينا جواه ورقة صغيرة جدًا مطوية، مكتوب عليها رقم واحد فقط
٢٧.
وقبل ما حد ينطق، انقطع النور عن البيت كله، وسمعنا صوت خطوات بتمشي في الطرقة خارج المكتبة... ثم توقف الصوت تمامًا أمام الباب تجمدنا كلنا في مكاننا.
أخويا مسك عصاية كانت جنب الباب وهمس
محدش يتكلم.
الخطوات فضلت واقفة قدام باب المكتبة... ثم سمعنا خبطتين هاديتين.
طق... طق...
أبويا قرب بحذر وفتح الباب بسرعة.
لكن...
مفيش حد.
الممر كان فاضي، والبيت كله غارق في الضلمة.
وفجأة لفت انتباهي شيء صغير على الأرض.
انحنيت وأخدته.
كان ظرف أبيض، مكتوب عليه بخط واضح
إلى صاحبة الفرح الذي لم يكتمل.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه ورقة واحدة.
قرأت أول سطر بصوت مرتعش
لو كنتِ لسه مصدقة إن ابن عمك هو اللي دبّر كل حاجة، فأنتِ لسه بعيدة جدًا عن الحقيقة.
بصيت لأبويا.
قال
كملي.
كملت القراءة
ابن عمك مجرد منفذ... أما صاحب الخطة، فهو شخص كان موجود في القاعة من أول دقيقة، وشاف كل اللي حصل، ولما سمع كلمة طالق كان أول واحد ابتسم.
عقلي بدأ يرجع لكل اللي حصل في الفرح.
كل الوجوه بقت قدامي.
لكن مفيش حد افتكرته بيبتسم.
وفجأة...
عريسي قال
استنوا...
بصيناله.
قال وهو بيحاول يفتكر
في واحد فعلًا ابتسم... بس وقتها افتكرته بيضحك من التوتر.
قلت بسرعة
مين؟
رد
المصور.
سكتنا كلنا.
المصور!
ده الشخص الوحيد اللي كان بيتحرك في كل مكان، وشاف كل اللي حصل، وصور كل الناس من غير ما حد ياخد باله.
أخويا قال
بس إحنا منعرفوش.
عريسي رد
الغريب إن أنا كمان معرفوش... شركة الأفراح هي اللي بعتته، وقالوا إنه بديل للمصور الأساسي
لأنه تعب قبل الفرح بساعات.
أبويا ضرب كف بكف.
يعني ممكن يكون دخل مخصوص!
وفي اللحظة دي رن هاتف عريسي.
رقم غير مسجل.
فتح السماعة، وحطها على مكبر الصوت.
جالهم صوت رجل هادئ
بتدوروا على المصور؟
قال عريسي
إنت مين؟
ضحك الرجل وقال
مش مهم أنا مين... المهم إنكم لو عايزين تعرفوا الحقيقة، روحوا استوديو التصوير قبل الساعة تسعة الصبح... لأن بعد كده، كل الصور والفيديوهات هتختفي للأبد.
ثم أغلق الخط.
نظرنا جميعًا إلى الساعة...
كانت تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق.
يعني لم يتبقَّ أمامنا سوى أقل من خمسين دقيقة للوصول إلى الاستوديو، دون أن يعرف أحد ماذا ينتظرهم هناك وصلنا الاستوديو قبل الساعة بتلات دقايق.
الباب كان مفتوح، وكأن صاحبه كان مستنينا.
دخلنا، لكن المكان كان فاضي تمامًا.
على الترابيزة في المنتصف كان فيه هارد ديسك، وجنبه ظرف مكتوب عليه
الحقيقة لا تحتاج شهود... بل تحتاج شجاعة.
شغلنا الهارد على الكمبيوتر الموجود في الاستوديو.
ظهر فيديو من كاميرا القاعة قبل بداية الفرح بربع ساعة.
شفنا ابن عمي وهو بيتكلم مع المصور، وبيسلمه ظرفًا.
لكن لما كبرنا الصورة، لقينا المصور بيرجعله الظرف، وكأنه رفض.
بعدها بدقائق ظهر شخص تاني، كان لابس بدلة، ووشه مستخبي بسبب زاوية الكاميرا.
سلمه ظرفًا أكبر، وبعدها المصور وافق.
بعدها ظهر تسجيل صوتي من ميكروفون الكاميرا.
الصوت كان واضح
كل اللي عليك تسيب الكاميرا شغالة، ولما أديه الإشارة، خليه يقرب من العريس.
رد المصور
بس دي هتبوظ فرح بنت ملهاش ذنب.
قال الرجل
هتاخد فلوسك... والباقي ملكش دعوة بيه.
بعدها بدقيقة ظهر ابن عمي وهو يقرب من العريس، ويهمس في ودنه بالكذبة.
لكن المفاجأة كانت
في الفيديو اللي بعده.
بعد ما العريس طلقني وخرج من القاعة، جري ورا ابن عمي، ومسكه من هدومه.
الكاميرا سجلت كل كلمة.
العريس قال
هات دليلك.
ابن عمي ارتبك، وقال
معنديش دليل.
أمال قلت الكلام ده ليه؟
رد وهو بيبكي
اتضحك عليا... قالولي لو بوظت الجوازة هرجع حق أبويا.
مين قالك؟
وقبل ما يجاوب...
الرجل اللي كان لابس البدلة شده من بعيد وخرجه من باب جانبي، والكاميرا التقطت وشه للحظة.
شهق أبويا.
ده... المحامي
اللي كان ماسك قضية الأرض من سنين!
اتضح أن المحامي كان يريد الانتقام من العائلتين بعدما خسر القضية قديمًا، وكان يعتقد أن في بيت الجد أوراقًا تثبت ملكية أرض بملايين الجنيهات، فزرع الفتنة بينهم حتى ينشغلوا ويبحث هو عن الأوراق.
أما ابن عمي، فكان مجرد شاب غاضب صدق كلامه، وظن أنه يسترد حق والده، ولم يكن يعلم أنه يُستغل.
العريس سكت طويلًا، ثم لف ناحيتي وقال أمام الجميع
أنا غلطت.
نزل على ركبته قدامي وقال
أنا ظلمتك من غير ما أسمعك، وكسرت قلبك قدام الناس. لو رفضتيني يبقى من حقك... لكن سامحيني.
أبويا قال بهدوء
الحق لازم يرجع الأول.
تم تسليم الفيديو للشرطة، وبعد أيام قبضوا على المحامي، واعترف بكل شيء، وبرأ ابن عمي من تهمة تدبير المؤامرة، مع محاسبته على البلاغ الكاذب وما ترتب عليه من أضرار.
أما أنا...
فرفضت أرجع لعريسي فورًا.
قلت له
الحب الحقيقي مبني على الثقة، وإنت أول ما سمعت كلمة من غير دليل، هدمت حياتنا.
فضل يحاول يصلح غلطته شهورًا، واعتذر لأهلي أمام كل الناس، ونشر الحقيقة كاملة حتى يرجع لي اسمي وكرامتي.
ومع الوقت، وبعد ما شفت صدق ندمه، وافقت نبدأ من جديد، لكن بعقد زواج جديد، وفرح بسيط حضره أقرب الناس فقط.

وفي نهاية الليلة، أبويا ابتسم لأول مرة من يوم الفضيحة، وقال
السمعة ممكن يحاولوا يشوهوها بكلمة... لكن الحقيقة، حتى لو اتأخرت، عمرها ما بتموت.
تمت.

تم نسخ الرابط