رجل الأعمال
المحتويات
أبًا يقضي معظم وقته بجوار طفلته، يرافقها في رحلة علاجها، ويمنحها من الحنان ما حُرمت منه بعد وفاة أمها.
أما سارة...
فبقيت في البيت، ليس كممرضة، بل كإنسانة أوفت بوعدٍ قطعته لامرأة راحلة بعد ثلاث سنوات...
وقف عمر في حديقة البيت يتفرج على ملك وهي بتجري وسط الورد، تضحك بصوت مالي المكان.
المرض ما اختفاش بسهولة، لكن رحلة العلاج الطويلة جابت نتيجة، وربنا كتب لها الشفاء.
سارة كانت قاعدة على المقعد، تتابعها بابتسامة هادئة.
قال عمر
لو ليلى كانت شايفانا دلوقتي... كانت هتكون فخورة.
ابتسمت سارة وقالت
هي أكيد شايفاكم.
في نفس اللحظة، جريّت ملك عليهم وهي ماسكة رسمة.
قالت بصوت واضح
بابا... دي ماما.
كانت الرسمة فيها تلاتة واقفين ماسكين إيد بعض، وفوقهم جناحين كبار.
سألها عمر
واللي واقفة جنبك دي مين؟
ضحكت ملك وقالت
دي سارة... لأنها وعدت ماما إنها تفضل معانا.
نظر عمر إلى سارة، وقال
في حاجة عمري ما قدرت أقولهالك...
شكراً.
هزت رأسها وهي تبتسم
أنا معملتش غير واجبي.
رد عمر
لا... أنتي رجعتيلي بنتي... ورجعتيلي نفسي.
بعد شهور...
افتتح عمر مركزًا مجانيًا لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، وأسماه مركز ليلى تخليدًا لذكرى زوجته.
وكان أول قرار أخذه...
أن تكون سارة مديرة المركز، لأنها عرفت أن الرحمة أحيانًا تعالج ما تعجز عنه الأدوية.
وفي يوم الافتتاح...
وقفت ملك على المسرح، وأمسكت بالميكروفون.
الجميع كان
ثم بدأت تغني...
نفس التهويدة التي كانت أمها تغنيها لها وهي صغيرة.
لكن هذه المرة...
لم تكن أغنية حزن.
كانت أغنية أمل.
وبينما كان التصفيق يملأ القاعة، رفع عمر عينيه إلى السماء وهمس
اطمني يا ليلى... وعدك اتنفذ، وبنتنا بقت بخير.
تمت بعد انتهاء الحفل، وبينما كان الجميع يستعد للمغادرة، استوقف رجلٌ مسن عمر عند باب المركز.
قال بهدوء
أستاذ عمر... ممكن دقيقة؟
التفت إليه عمر باستغراب.
اتفضل.
أخرج الرجل ملفًا قديمًا وقال
أنا كنت المحاسب القانوني لوالدك... والملف ده كان أمانة، ومكتوب عليه إنه يتفتح بعد ما مركز ليلى يشتغل.
تغيرت ملامح عمر.
فتح الملف بسرعة.
وجد عقدًا قديمًا ورسالة بخط والده.
قرأ فيها
يا عمر... لو وصلت للرسالة دي، يبقى عرفت إن القوة مش في الفلوس، لكن في الناس اللي بتحبك. أنا أخطأت كتير وأنا ببني الإمبراطورية دي، وظلمت ناس كتير. لو قدرت، رجّع الحقوق لأصحابها.
ظل عمر صامتًا لدقائق.
ثم أغلق الملف وقال
هنفذ وصية أبويا.
وخلال الأشهر التالية...
بدأ يراجع كل ملفات الشركات.
وأعاد تعويضات لعائلات موظفين تعرضوا للظلم في الماضي، وسدد ديونًا قديمة لم يكن أحد يتوقع أن تُسدَّد بعد كل هذه السنوات.
الناس استغربت.
وقالوا
عمر الدمنهوري اتغير.
أما هو فكان يبتسم ويقول
أنا ما اتغيرتش... أنا أخيرًا بقيت الشخص اللي كانت ليلى تتمنى أشوفه في المراية.
وفي إحدى الأمسيات...
دخلت ملك إلى
قالت بفخر
بابا... لما أكبر، هبقى دكتورة أطفال.
وقال
وأنا أول واحد هيقف في الصف يصفقلك.
ضحكت ملك، ونظرت إلى صورة أمها المعلقة على الحائط، ثم قالت
ماما أكيد فرحانة.
ساد الصمت للحظة...
ثم ارتفعت ضحكاتهم، وامتلأ البيت بالحياة من جديد بعد عشرين سنة...
وقف عمر الدمنهوري بعصاه الخشبية أمام المبنى الذي أصبح أكبر مستشفى لعلاج الأطفال في الشرق الأوسط.
توقفت سيارة، ونزلت منها شابة ترتدي بالطو الأبيض.
ابتسمت وهي تقول
صباح الخير يا بابا.
كانت ملك.
كبرت.
وأصبحت طبيبة أورام أطفال، كما كانت تحلم.
ربت عمر على كتفها وقال
أمك كانت هتفرح بيكي أوي.
ابتسمت ملك، ثم دخلت إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.
كانت سارة تجلس هناك، وقد غزا الشيب شعرها.
انحنت ملك وقبلت يدها.
قالت سارة وهي تضحك
لسه بتعمليها؟
ردت ملك
لو الزمن رجع ألف مرة... هعملها برضه. أنتِ بعد أمي، أكتر واحدة ربتني.
وفي مساء ذلك اليوم، اجتمعوا جميعًا في حديقة البيت القديم.
رفع عمر كوب الشاي وقال
أنا كنت فاكر إن القوة في النفوذ والمال... لكن طلع أقوى حاجة في الدنيا هي الرحمة.
نظر إلى صورة ليلى المعلقة على الحائط، وقال
وعدك يا ليلى فضل عايش... وفضل يكبر.
وفي تلك الليلة، نام عمر لأول مرة منذ سنوات طويلة وهو مطمئن القلب، بعدما رأى ابنته تحقق حلمها، ورأى الوعد الذي بدأ بأغنية حزينة يتحول إلى حياة كاملة مليئة
بينما كانت الدكتورة ملك تنهي مناوبتها الليلية، دخلت ممرضة مسرعة وهي تحمل طفلًا صغيرًا فاقد الوعي.
قالت بلهفة
الدكتورة ملك... الحالة حرجة، ومفيش أي بيانات عن أهله.
بدأت ملك إسعاف الطفل بكل هدوء.
وبينما كانت تخلع السلسلة من رقبته لتوصيل الأجهزة، توقفت فجأة.
كانت سلسلة ذهبية يتدلى منها نفس الصليب الصغير الذي احتفظت به سارة طوال سنوات.
نادت بسرعة
طنط سارة... تعالي شوفي!
دخلت سارة، وما إن رأت السلسلة حتى شحب وجهها.
همست
مستحيل... السلسلة دي لها نسخة واحدة بس.
رفعت نظرها إلى الطفل، واغرورقت عيناها بالدموع.
قالت بصوت مرتجف
واضح إن الماضي... لسه مخلصش.
ثم نظرت إلى ملك وقالت
في حكاية ماحكتهاش لحد... وحان وقت تعرفوها تنهدت سارة وهي تجلس على الكرسي بجوار سرير الطفل.
كان عمر قد وصل بعد أن اتصلت به ملك، وظل ينظر إلى السلسلة في صمت.
قال بهدوء
احكي يا سارة... المرة دي من غير أسرار.
أغمضت سارة عينيها للحظة، ثم قالت
قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة... كان عندي أخ صغير اسمه يوسف.
في يوم حصل حريق في دار الأيتام اللي كان عايش فيها، وكل الناس افتكرت إنه مات.
لكن أنا طول عمري كنت حاسة إنه عايش.
نظرت إلى السلسلة.
كان معاه نسخة مطابقة للسلسلة دي.
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة...
فتح الطفل عينيه ببطء.
همس بصوت ضعيف
فين... بابا؟
اقتربت منه ملك وسألته برقة
اسمك إيه يا حبيبي؟
قال بصعوبة
آدم.
وبابا... قال لي... لو جراله حاجة... أدور على الست اللي لابسة صليب زيه.
شهقت سارة، وانهمرت دموعها.
لكن قبل أن يتكلم أحد...
دخل
متابعة القراءة