جوزى قرر يجوز عليه بقلم أمانى السيد

لمحة نيوز

وإنها كانت فاكرة الجواز فسح وخروج ودلع، لكن بعد ما بقت شايلة بيت وطفل، كل حاجة اتغيرت.
سكت شوية، وكمل
وأمي كبرت، وما بقتش قادرة تساعدها زي الأول، وكل يوم بينهم مشاكل.
بصيتله وقلت
وده جاي تقولهولي ليه؟
قال وهو باصص في الأرض
لأني عرفت متأخر إن الست اللي استحملت معايا السنين الصعبة... كانت إنتِ.
ابتسمت ابتسامة فيها وجع.
وقلت
الكلام ده كان لازم يتقال قبل ما تجرح قلبي قدام بناتي.
نزل دموعه لأول مرة قدامي.
وقال
سامحيني.
قلت بهدوء
المسامحة سهلة... لكن النسيان صعب.
قام ومشي، وهو عارف إن بعض الأخطاء مهما اعتذر عنها صاحبها، بتفضل سايبة أثر.
وقفت أقفل الباب، وبصيت لبنتايا وهما نايمين.
ابتسمت، وحمدت ربنا إني ما استسلمتش، وإني اخترت كرامتي، لأن الإنسان لما يحافظ على نفسه، ربنا بيعوضه في الوقت المناسب بعد حفل التخرج، افتكرت إن الحكاية وصلت لنهايتها...
لكن الحياة كان لسه فيها مفاجأة.
بعد كام يوم، بنتي الكبيرة دخلت عليا وهي مترددة وقالت
ماما... في عريس متقدملي.
قلبي فرح، لكني في نفس الوقت خفت.
سألتها وإيه رأيك؟
قالت موافقة... بس خايفة.
وقلت طالما في احترام وتقدير، متخافيش.
ولما جه العريس مع أهله، كانت المفاجأة إن جوزي حضر وقعد جنبي، وقال قدام الناس
أنا يمكن غلطت مع أم بناتي، لكن مستحيل أسمح إن بنتي تعيش اللي هي عاشته.
كل الموجودين سكتوا.
وبص للعريس وقال بمنتهى الحزم
لو في يوم فكرت تهينها أو تكسر قلبها أو تفرق بينها وبين أي زوجة تانية، يبقى من دلوقتي اعتبر الجوازة دي مفيش.
العريس رد باحترام اطمن يا عمي... بنت حضرتك هتكون في عيني.
بصيت لجوزي، وحسيت إنه لأول مرة
بقى أب فعلًا.
بعد الجوازة، وهو خارج، وقف جنبي وقال
عارفة؟
قلت إيه؟
قال كل ما بشوف بناتنا ناجحين، بحس قد إيه كنت أعمى.
ابتسمت وقلت المهم إنك فتحت عينيك قبل ما يضيع كل شيء.
ابتسم هو كمان، ومشي.
وقفت أبص لباب البيت وهو بيقفل، وحسيت إن القصة اللي بدأت بوجع، انتهت بدروس عمر كامل.
فالكرامة لا تُشترى، والعدل لا يُؤجل، ومن يزرع الرحمة في أولاده يحصد احترامهم ومحبتهم في النهاية.
النهاية الحقيقية بدأ جوزي يثبت إنه اتغيّر بالفعل.
كان ييجي كل أسبوع يشوف البنات، ياخدهم يفسحهم، ويحضر اجتماعات المدرسة، ويحاول يعوضهم عن السنين اللي فاتت.
وفي يوم، بنتي الكبيرة رجعت من المدرسة وهي فرحانة، وقالت
ماما... بابا جه حفلة المدرسة النهارده، وكل صحابي شافوه وهو بيصورني.
ابتسمت، لأن البنت لأول مرة حست إن أبوها فخور بيها.
مرت الشهور، وحماتي خرجت من المستشفى، لكنها كانت أضعف بكتير من الأول.
وفي يوم طلبت تشوف العيلة كلها.
لما اتجمعنا، قالت بصوت هادي
أنا عملت ظلم كبير... وعايزة أصلحه.
طلعت ملف من الدولاب، وقالت
البيت ده هيتقسم بالعدل، ومحدش هيظلم حد بعد النهارده.
الكل اتفاجئ.
لكن الزوجة التانية اعترضت وقالت
إزاي؟! ابني هو الولد الوحيد.
ردت حماتي بحزم
الحق حق... والبنات زي الولاد في المحبة والكرامة، والشرع له أحكامه، لكن أنا مش هفضل أفرق بين أحفادي.
سكتت الزوجة التانية، وهي حاسة إن الأيام اتغيرت.
بعدها خرجت أنا، وجوزي لحقني.
وقال
أنا عارف إني خسرتك يوم ما فضلت غيرك عليكي.
قلت
يمكن... لكن اللي يهمني دلوقتي إن بناتي يكبروا وهم شايفين أبوهم بيعدل بينهم.
ابتسم وقال
وده وعد.
مرت سنوات.
..
كبرت البنتين، ودخلوا الجامعة، وبقوا مصدر فخر لكل العيلة.
أما الولد، فكبر هو كمان وسط أخواته، من غير ما يتحمل ذنب الكبار.
وفي يوم تخرج بنتي الكبيرة، وقفت على المسرح وقالت أمام الجميع
النجاح ده هدية لأمي... الست اللي علمتني إن الكرامة أهم من أي حاجة.
ساعتها، دموع الفرح نزلت من عيني، وحسيت إن كل وجع عشته ما راحش هدر، وإن ربنا عوضني بأجمل تعويض... نجاح بناتي واحترامهم لأنفسهم.
تمت القصة بعد جواز بنتها الكبيرة بسنة، كانت البطلة قاعدة في بلكونة بيتها تشرب الشاي، لما رن تليفونها.
كان رقم الزوجة التانية.
استغربت جدًا، لكنها ردت.
جالها صوتها مكسور
ممكن أشوفك؟
سألتها باستغراب خير؟
قالت أرجوكي... محتاجاكي.
وافقت تقابلها في كافيه بعيد عن بيت العيلة.
لما وصلت، اتفاجأت بشكلها.
وشها شاحب، وعينيها باين فيها السهر والتعب.
أول ما قعدت، قالت وهي بتعيط
أنا ظلمتك.
فضلت ساكتة.
كملت افتكرت إن الجمال والدلع هيخلوا الراجل يحبني طول العمر، لكن اكتشفت إن الحياة أكبر من كده.
قالت البطلة بهدوء كلنا بنتعلم.
قالت الزوجة التانية لما كنتي في البيت، كنتي شايلة كل المسؤولية، وأنا كنت فاكرة إن ده حق طبيعي... لكن بعد ما بقيت لوحدي، عرفت قد إيه كنتِ متحملة.
سكتت لحظة، ثم قالت أنا وجوزك... اتطلقنا.
رفعت البطلة عينيها في هدوء، لكنها ما فرحتش.
قالت ربنا يعوضك خير.
استغربت الزوجة التانية وقالت مش شمتانة فيا؟
ابتسمت وقالت الشماتة عمرها ما تبني إنسان... أنا اكتفيت بالدرس اللي أخدته.
خرجت من اللقاء وهي حاسة إن الصفحة القديمة اتقفلت تمامًا.
رجعت بيتها، لقت حفيدتها الصغيرة بتجري عليها وهي
بتنادي
تيتا... تيتا.
شالتها بين إيديها، وبصت للسماء وقالت
الحمد لله... بعد كل اللي شوفته، ربنا عوضني راحة وسكينة.
وهكذا انتهت رحلة طويلة من الألم، لكن نهايتها كانت مليئة بالرضا، بعدما اختارت البطلة كرامتها، وربّت بناتها على القوة والاحترام، وتركت الأيام تُظهر لكل شخص نتيجة أفعاله. تمت بعد سنوات طويلة، مرض الزوج مرضًا شديدًا، وأصبح عاجزًا عن الحركة. الزوجة الثانية تركت البيت وأخذت طريقها، والابن الذي كان الجميع يراهن عليه سافر للعمل خارج البلد، فلم يبقَ بجواره إلا ابنتاه اللتان تجاهلهما يومًا.
كانتا تزورانه كل يوم، تحضران له الدواء والطعام، وتسألان عنه دون أن تذكراه بما فعله مع أمهما.
وفي أحد الأيام، أمسك بيد زوجته الأولى وقال والدموع في عينيه
سامحيني...
ضيعت عمري وأنا بجري ورا وهم، وما عرفتش قيمة الإنسانة اللي وقفت جنبي إلا بعد ما خسرتها.
ابتسمت في هدوء وقالت
أنا سامحتك من زمان... عشان أرتاح أنا قبل ما ترتاح إنت. لكن في حاجات الزمن ما بيرجعهاش.
بعد فترة قصيرة، توفي الزوج، وبعد انتهاء العزاء، جمعت الأم ابنتيها وقالت
أوعوا تشيلوا من أبوكم... ادعوله بالرحمة، واتعلموا من اللي حصل. الست كرامتها غالية، والعدل بين الناس هو اللي بيحفظ البيوت، والولد والبنت نعمة من ربنا، ومفيش حد فيهم أحسن من التاني.
مرت السنوات، وتزوجت البنتان من رجلين صالحين قدّرا مكانتهما، ورُزقت الأم بأحفاد ملأوا بيتها ضحكًا وحياة.
وفي آخر مشهد، جلست في شرفة منزلها وقت الغروب، تنظر إلى بناتها وأحفادها وهم يمرحون في الحديقة، فابتسمت وقالت
زمان كنت فاكرة إن نهايتي هتكون بالوجع... لكن
ربنا عوضني لأنني صبرت، وتمسكت بكرامتي، وربيت بناتي على الأخلاق والعلم، وده كان أعظم انتصار.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط