ابويا عزم العيله كلها عندنا
بنت صغيرة عمرها حوالي عشر سنين.
كانت ماسكة باقة ورد.
قربت مني وقالت
حضرتك مدام إيمان؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي.
قالت
أنا اسمي مريم... من مؤسسة إيمان.
افتكرتها فورًا.
كانت أول طفلة المؤسسة تكفل تعليمها.
قالت وهي منورة من الفرحة
أنا طلعت الأولى على الجمهورية... وجاية أقول لحضرتك إن حلمي بقى إني أبقى دكتورة.
حضنتها بقوة، والدموع نزلت من عيني.
في اللحظة دي، حسيت إن كل تعب السنين كان يستحق.
بصيت حواليا...
لقيت أمي بتلعب مع أحفادها، وشيرين بقت صاحبة مشروع ناجح، وكريم اشتغل من جديد واعتمد على نفسه، وآسر واقف يبصلي بنفس الابتسامة اللي دخل بيها مطبخ بيتنا أول مرة.
همس في ودني وقال
فاكرة أول مرة شوفتك؟
ضحكت وقلت
وأنا واقفة بالمريلة.
رد وهو ماسك إيدي
لأ... وأنا شوفت إنسانة عظيمة، بس أهلها كانوا لسه مش شايفينها.
ابتسمت، وبصيت لأولادي وهم بيضحكوا وسط العيلة.
وقتها أيقنت أن أجمل انتقام من الظلم... ليس أن ترد الأذى، بل أن تصنع حياة مليئة بالحب، فلا يتكرر الظلم مع جيل جديد.
تمت بحمد الله بعد
كانت مؤسسة إيمان بقت من أكبر المؤسسات اللي بتدعم تعليم البنات في المحافظات.
وفي يوم، كنت واقفة على المسرح في حفل تخرج الدفعة الجديدة من الطالبات.
وأثناء توزيع الشهادات، نادت المذيعة
والآن مع كلمة الطالبة الأولى على الدفعة...
طلعت شابة جميلة، ووقفت قدام الميكروفون.
بصت ناحيتي وابتسمت.
وقالت
قبل ما أشكر أي حد... لازم أشكر الست اللي غيرت حياتي.
ثم نزلت من على المسرح، وجت لحد مكاني.
قدام مئات الناس، حضنتني وقالت
لو حضرتك ما كنتيش وقفتِ جنبي، كنت زماني بشتغل خدامة في البيوت، لأن أهلي كانوا شايفين إن تعليم إخواتي الولاد أهم مني.
سكتت القاعة كلها.
أما أنا... فافتكرت نفسي، وأنا واقفة في مطبخ بيت أبويا بالمريلة.
الفرق الوحيد...
إن الزمن دار.
لكن النهاية كانت مختلفة.
بعد الحفل، رجعت البيت.
لقيت ياسين بيسألني
ماما... هو صحيح جدو كان بيعاملك وحش؟
بصيتله، وقلت بابتسامة هادئة
كان بيغلط... لكنه عرف غلطه قبل ما يمشي.
قال
ولو أنا غلطت في يوم؟
حضنته وقلت
هعلمك تعترف بغلطك بسرعة.
في المساء، خرجت للبلكونة.
آسر وقف جنبي، وسألني
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتختاري نفس الطريق؟
بصيت للسماء، وقلت
لا كنت هختار طريق أسهل... لكن لو الطريق الصعب هو اللي خلاني أوصل للي أنا فيه، فأنا راضية.
ابتسم، ومسك إيدي.
وفي الداخل، كانت ضحكات أولادنا، ولمّة العائلة، وصوت الحياة يملأ البيت.
بيتٌ لم يعد فيه أحد يقف وحيدًا في المطبخ... ولم يعد فيه أحد يشعر أنه أقل من غيره.
وهكذا بقيت الحكاية تُروى، لا لأنها قصة ملياردير تزوج موظفة، بل لأنها قصة فتاة رفضت أن تسمح للظلم أن يصنع منها إنسانة قاسية، فاختارت أن تصنع منه بدايةً لحياة أفضل لها ولغيرها النهاية
في ليلة عيد جديدة، بعد أكثر من عشرين سنة على اللي حصل...
كان البيت مليان ضحك وأحفاد، وكل واحد ماسك طبق بيساعد التاني.
وقفت إيمان قدام صورة قديمة كانت معلقة في الصالون.
الصورة كانت لنفس ليلة العيد... اللي وقفت فيها بالمريلة في مطبخ بيت أبوها.
ابتسمت، وفجأة دخل ابنها ياسين وسألها
ماما... ليه محتفظة
ربتت على كتفه وقالت
عشان عمري ما أنسى منين بدأت... الإنسان لما ينسى وجعه، ممكن يكرر نفسه مع غيره.
في تلك اللحظة، دخلت أمها ببطء، وجلست بجوارها.
كانت السنوات قد غيرتها كثيرًا.
أمسكت يد ابنتها وقالت
أنا يمكن مقدرتكيش وإنتِ صغيرة... لكن ربنا كرمني إنك مقدرتني وأنا كبيرة.
ابتسمت إيمان، وقبّلت رأس أمها، وقالت
كلنا بنغلط... لكن السعيد هو اللي يتعلم قبل ما يفوت الأوان.
ثم التفتت إلى أولادها وأحفادها وقالت
أوعوا في يوم تميزوا بين ولد وبنت... أو بين أخ وأخته... لأن الظلم اللي بيبدأ جوه البيت، بيفضل يوجع صاحبه طول عمره.
ساد صمت قصير، ثم دوّى البيت بضحكات الأطفال من جديد.
نظرت إيمان إلى آسر، فابتسم لها كما ابتسم يوم دخل عليها المطبخ لأول مرة، وقال
أجمل قرار خدته في حياتي... إني دورت على الإنسان، مش على المظاهر.
أمسكت يده، ونظرت إلى عائلتها التي أصبحت أخيرًا تعرف معنى المحبة والعدل.
وأدركت أن أعظم انتصار لم يكن زواجها من رجل ثري، ولا نجاحها في العمل...
بل أنها
تمت.