ابويا عزم العيله كلها عندنا

لمحة نيوز

مكان وقوفه في البيت، بل أخلاقه، واجتهاده، واحترامه لنفسه بعد الجواز بست شهور، كنت فاكرة إن الصفحة القديمة اتقفلت.
لكن في يوم، سكرتيرة آسر دخلت المكتب وقالت
يا فندم... والد الآنسة إيمان برة، وبيقول لازم يشوف حضرتك.
بصيت لآسر باستغراب.
قال بهدوء
تحبي أقوله يمشي؟
هزيت راسي وقلت
لأ... خليه يدخل.
دخل أبويا.
كان أول مرة أشوفه بالشكل ده.
بدلته القديمة بقت واسعة عليه، وشعره كله شاب، ونظرة الكبرياء اللي كانت مالية وشه اختفت.
وقف قدامي وقال بصوت مكسور
ممكن أتكلم معاكي لوحدنا؟
آسر خرج من المكتب في هدوء، وسابنا.
فضل أبويا ساكت كام دقيقة، وبعدها طلع من جيبه ظرف بني قديم.
حطه قدامي وقال
الظرف ده كان حقك من سنين.
فتحته.
لقيت كل شهادات التكريم اللي أخدتها وأنا في الجامعة، وخطابات الترشيح للمنح الدراسية، وحتى جواب القبول في بعثة برة مصر.
بصيتله بصدمة.
قال وهو منزل عينه
أنا اللي خبيتهم... كنت خايف تسافري وتسيبينا، وكنت شايف إن أخوكي أولى بالفلوس والمستقبل.
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.
مش عشان الورق...
عشان عرفت إن الحلم اللي كنت فاكرة إنه ضاع بسبب الظروف، كان ضاع بسبب أقرب الناس ليا.
أبويا قال وهو بيبكي
سامحيني... أنا ظلمتك.
سألته بهدوء
ليه دلوقتي؟
قال
لأن بعد ما الناس بعدت عني، فهمت إن البنت الوحيدة اللي كانت بتحبني بجد هي اللي أنا كسرت قلبها.

سكت شوية، ثم مدلي ملف تاني.
وقال
كتبت كل أملاكي بالتساوي بينكم... ومش طالب منك غير فرصة أصلح اللي فات.
بصيت للملف، وقفلتُه بهدوء، وقلت
أنا مش جاية أخد حقي في الورق يا بابا... أنا كنت محتاجة حقي في قلبك.
انحنى لأول مرة في حياته، وقبّل رأسي وهو بيبكي.
وفي اللحظة دي، حسيت إن بعض الجروح ممكن تفضل آثارها موجودة... لكن الاعتراف بالخطأ أحيانًا يكون بداية شفاء، حتى لو جه متأخر جدًا مرّت سنة كاملة.
كنت حامل في شهري الثامن، وآسر كان رافض يسيبني أرهق نفسي في الشغل، لكني كنت مصرة أروح يومين في الأسبوع على الأقل.
وفي ليلة، وأنا راجعة البيت، رن تليفوني.
كان رقم شيرين.
أول ما رديت، سمعت صوتها وهي بتعيط
إيمان... الحقيني.
قلبي وقع.
جريت أنا وآسر على بيتهم.
دخلنا لقينا جوزها لامم هدومه، وواقف عند الباب.
أول ما شافني قال بسخرية
أهو جت أختك الغنية... خليها تصرف عليكي بقى.
شيرين كانت منهارة.
عرفت وقتها إن الراجل خسر كل فلوسه في ديون ومشروعات فاشلة، وكان عايز يبيع الشقة باسمها عشان يسدد، ولما رفضت قرر يطلقها ويسيبها هي وولادها.
بصيت لأختي...
دي نفس الأخت اللي كانت زمان بتسيبني في المطبخ وهي قاعدة وسط الضيوف.
لكنها كانت دلوقتي مكسورة.
خرج جوزها، وقعدت جنبها.
قالت وهي بتبكي
أنا آسفة يا إيمان... كنت فاكرة إن الفلوس والجمال هم اللي بيخلوا الإنسان له قيمة.
.. لكن أول ما الفلوس راحت، محدش وقف جنبي.
مسكت إيدها وقلت
إحنا أخوات... والخلاف عمره ما يخليني أشوفك بتقعي وأسكت.
بعد شهور، ساعدتها تبدأ مشروع صغير كانت بتحلم بيه من زمان.
أما كريم...
فهو كمان جه في يوم يعترف إنه كان بياخد فلوس من أبويا باسم مشروعات وهمية، وإنه السبب في خسارة جزء كبير من ثروة العيلة.
أبويا وقتها مرض، لكن المرة دي محدش وقف جنبه غيري.
أمي بصتلي وهي بتعيط وقالت
أنا ظلمتك يا بنتي... وكنت فاكرة إنك هتسيبينا.
ابتسمت بهدوء وقلت
اللي اتربى على الأصل... عمره ما يسيب أهله، حتى لو اتوجع منهم.
ومن يومها، اتغيرت العيلة كلها.
مش لأنهم بقوا أغنيا...
لكن لأنهم أخيرًا عرفوا إن أغلى شخص في البيت، كان الشخص اللي طول عمرهم اعتبروه الأقل أهمية بعد ثلاث سنوات...
كان ابني ياسين بيجري في جنينة البيت وهو بيضحك، وآسر بيجري وراه كأنه طفل زيه.
كنت واقفة في البلكونة، وفجأة رن تليفوني.
المتصل كان رقم المستشفى.
مدام إيمان... والد حضرتك تعبان جدًا، وطلب يشوفك.
روحت فورًا.
دخلت أوضة الرعاية، لقيت أبويا أضعف بكتير من آخر مرة شفته فيها.
أول ما شافني، ابتسم بصعوبة وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
قعدت جنبه ومسكت إيده.
قال بصوت متقطع
فاكرة يوم العيد... لما لقيتك واقفة بالمريلة؟
هزيت رأسي.
قال
اليوم ده ربنا كشفني قدام نفسي... مش قدام الناس.
سكت لحظة، ثم أشار
للمحامي الواقف برة.
دخل المحامي وسلمّني ملف.
قال
دي مؤسسة خيرية باسم أمك... لكن مديرها والمسؤولة عنها هتكوني إنتِ.
فتحت الملف، ولقيت مكتوب
مؤسسة إيمان لدعم تعليم الفتيات غير القادرات.
بصيت له باستغراب.
ابتسم وقال
حرمتك من تعليمك زمان... فسيبيني أكفّر عن ذنبي قبل ما أموت.
انهمرت دموعي.
قلت
أنا مسامحاك يا بابا.
ابتسم لأول مرة براحة حقيقية، وردد الشهادة، ثم أغمض عينيه في هدوء.
...
بعد شهور، افتتحنا المؤسسة.
وأول بنت حصلت على منحة دراسية، كانت بنت شغالة بسيطة كانت هتسيب المدرسة بسبب المصاريف.
وأنا بسلمها خطاب المنحة، افتكرت نفسي من سنين.
ابتسمت وقلت لها
متخليش حد يقنعك إن أحلامك أقل من أحلام غيرك.
ابتسمت البنت وهي مش مصدقة.
وفي اللحظة دي، حسيت إن كل وجع عشته اتحول لسبب يخلي حياة حد تاني أحسن.
وهكذا انتهت الحكاية... بعدما انتصرت الكرامة على التمييز، والمحبة على القسوة، وأثبتت الأيام أن الخير الذي يزرعه الإنسان يعود إليه، ولو بعد حين مرّت خمس سنوات أخرى...
كبر ياسين، وبقى عنده أخت صغيرة اسمها ليلى.
وفي كل عيد، كنت حريصة إن بيتنا يفضل مفتوح لكل أفراد العيلة.
لكن المرة دي، كان فيه فرق واحد...
مفيش حد بيخدم حد.
كل واحد كان بيقوم يشيل طبقه بنفسه، والرجالة قبل الستات كانوا داخلين المطبخ يساعدوا.
آسر كان واقف بيحشي الحمام وهو بيضحك، وياسين بيجري
وراه وهو بيقول
بابا... أنا هساعدك!
ضحكت وقلت
خليه يتعلم من دلوقتي إن البيت مسؤولية كل اللي فيه.
في وسط الضحك، دخلت
تم نسخ الرابط