المليونير شاف طليقته بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

انغلق الباب الحديدي بينهما فجأة، وفصل الأب عن ابنته مرة أخرى، بينما دوّى صوت الرجل المجهول في أنحاء الغرفة
كل إجابة لها ثمن... ولسه الحساب الحقيقي ما بدأش تبادل كريم ومريم نظرة سريعة.
الظلام كان دامسًا، ولا يُسمع سوى صوت المطر بالخارج وخطوات الرجل التي تقترب ببطء.
أخرج كريم هاتفه وشغّل الكشاف.
تحرك الضوء في أرجاء المكتب...
لكن لم يكن هناك أحد.
وفجأة جاء الصوت مرة أخرى، هذه المرة من خلف الباب.
اطفي النور... وإلا أول رصاصة هتكون من نصيبك.
أمسك كريم بيد مريم وأشار لها أن تبتعد خلف المكتب.
وفي اللحظة نفسها، سُمع صوت سيارات الشرطة وهي تدخل الفيلا.
صرخ الضابط من الخارج
أستاذ كريم... إحنا وصلنا!
ساد صمت مفاجئ.
ثم سمع الجميع صوت نافذة تُفتح بعنف.
ركض الضباط إلى الحديقة الخلفية.
لكن الشخص الذي كان داخل الفيلا اختفى، ولم يترك خلفه إلا قفازًا أسود.
التقطه أحد أفراد الأدلة الجنائية بحذر.
أما كريم، فأغلق باب المكتب وأمسك بالملف.
فتح الصفحة الأولى.
كانت تحتوي على عشرات المستندات القديمة.
عقود.
تحويلات مالية.
وصور لاجتماعات خاصة.
وفي آخر الملف ظرف صغير مكتوب عليه
إلى كريم... إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعرف أن كل ما عرفته عن عائلتنا ليس الحقيقة كاملة.
تردد لثوانٍ، ثم فتح الرسالة.
لكن قبل أن يبدأ القراءة، سقطت من داخلها صورة فوتوغرافية قديمة.
انحنى ليلتقطها.
وبمجرد أن رآها، اتسعت عيناه.
كانت الصورة تجمع والده، ووالدته، وشريف...
ومعهم مريم.
لكن مريم في الصورة لم تكن شابة كما هي الآن.
كانت طفلة لا تتجاوز خمس سنوات.
رفعت مريم الصورة وهي ترتجف.
أنا... أنا عمري ما شوفت الصورة دي.
قلب كريم الصورة على ظهرها.
وجد تاريخ التقاطها.
قبل أكثر من عشرين عامًا.
ومكتوب أسفلها بخط اليد
يوم عودة الأمانة إلى أصحابها.
لم يفهم أي منهما المقصود.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الرسالة.
قرأ كريم أول سطر بصوت مرتفع
إذا وصلت إلى هنا، فاعلم أن مريم لم تدخل حياتك بالصدفة.
..
توقف فجأة.
نظر إلى مريم، ثم أكمل بصوت منخفض
... بل كانت جزءًا من سر بدأ قبل ولادتكما بسنوات.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف مريم.
رقم غير معروف.
فتحت المكالمة على مكبر الصوت.
جاءها صوت طفلة صغيرة تبكي.
ماما... أنا خايفة.
صرخت مريم
سارة! حبيبتي... إنتِ فين؟
ردت سارة وهي تبكي
في بيت كبير... وفيه راجل بيقول إن بابا لازم يقرأ الورقة كلها... وإلا مش هرجع لكم.
ثم انقطع الاتصال فجأة.
لكن قبل أن يغلق الخط، سمع كريم في الخلفية دقات ساعة حائط قديمة...
عرف صوتها فورًا.
كانت نفس الساعة الأثرية الموجودة في القصر القديم لعائلة المنشاوي... القصر الذي أُغلق منذ خمسة عشر عامًا، ولم يدخله أحد منذ ذلك الوقت ارتطم كريم بالباب الحديدي بكل قوته.
افتح الباب!
كانت سارة على الجانب الآخر تمد يديها الصغيرتين وهي تبكي.
بابا... خدني معاك.
أحس كريم أن قلبه يتمزق، وحاول الضباط تشغيل القفل الإلكتروني، لكن الشاشة أظهرت رسالة واحدة
النظام مغلق.
في اللحظة نفسها، عاد صوت الرجل المجهول عبر مكبرات الصوت
اهدى يا كريم... بنتك بخير. ولو كنت عايزها تفضل بخير، اسمع للنهاية.
صرخ كريم
إنت عايز إيه؟
قال الرجل
الحقيقة.
ثم أُضيئت شاشة كبيرة في منتصف الغرفة.
ظهر عليها تسجيل قديم يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
كان والد كريم يجلس في المكتب نفسه، وبجواره هدى المنشاوي، وشريف، ورجل ثالث لم يكن وجهه واضحًا.
سمع الجميع والد كريم يقول
الملف ده لازم يفضل مستخبي... لأنه لو خرج للنور، العيلة كلها هتتدمر.
ثم انتهى التسجيل فجأة، وكأن أحدًا تعمد حذف بقيته.
قال الضابط
أكيد فيه جزء ناقص.
ابتسم الرجل المجهول.
طبعًا ناقص... لأن الجزء التاني معايا.
وفجأة انفتح الباب الحديدي وحده.
اندفع كريم نحو سارة، وحملها بين ذراعيه بقوة.
كانت ترتجف، لكنها لم تُصب بأي أذى.
بكت مريم وهي تضم ابنتها إليهما، لأول مرة منذ اختفائها.
لكن فرحتهم لم تستمر سوى لحظات.
إذ دوّى صوت إنذار حاد في أنحاء القصر.
قال أحد الضباط
وهو ينظر إلى جهازه
فيه عد تنازلي!
نظر الجميع إلى الشاشة.
ظهر رقم كبير باللون الأحمر
0959
ويبدأ في التناقص.
سأل كريم بحدة
ده إيه؟
رد الرجل المجهول بهدوء
بعد عشر دقائق... كل الملفات الموجودة في الغرفة دي هتتحرق تلقائيًا.
اقترب كريم من الشاشة.
ليه؟
لأنها تحتوي على الدليل الوحيد على اللي حصل من ثلاثين سنة.
حاول الضباط فصل الكهرباء، لكن النظام كان يعمل على مولد مستقل.
قال الرجل
قدامك اختيار واحد.
إيه هو؟
إما تنقذ الملفات... أو تخرج بعيلتك قبل ما المكان كله يتقفل.
نظر كريم إلى مريم وسارة.
ثم إلى الملفات التي قد تكشف الحقيقة.
كان القرار مستحيلًا.
لكن قبل أن ينطق...
أمسكت سارة بطرف قميصه، وهمست بصوت ضعيف
بابا...
نظر إليها بسرعة.
أخرجت من جيب فستانها الصغير شيئًا لم ينتبه إليه أحد.
مفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
وقالت
الراجل اللي كان معايا قال لي... أديه لبابا... وقوله ما يفتحش الخزنة الكبيرة... يفتح الباب اللي جنبها.
تجمد كريم في مكانه.
لأنه لم يخبر أحدًا...
أنه بالفعل رأى داخل الغرفة، قبل دقائق، بابًا حديديًا صغيرًا ملاصقًا للخزنة الكبيرة، لكنه ظنه مجرد مخزن قديم ولم يهتم به.
وهنا أدرك أن السر الحقيقي...
ليس داخل الملفات التي أمامه...
بل خلف ذلك الباب الذي لم يلاحظه أحد أمسك كريم المفتاح النحاسي بقوة، ثم حمل سارة بين ذراعيه، وقال لمريم
خليكي ورايا... ومهما يحصل، متسبوش إيد بعض.
اتجه نحو الباب الحديدي الصغير المجاور للخزنة.
كان يبدو قديمًا، لا يحمل أي أقفال إلكترونية، فقط ثقب مفتاح صدئ.
أدخل المفتاح.
دار بصعوبة.
ثم سُمع صوت تكة قوية، وانفتح الباب ببطء.
في الداخل كانت غرفة صغيرة، لا تحتوي على أموال ولا ذهب.
فقط صندوق خشبي، وجهاز تسجيل قديم، وعدة ملفات مغلقة بالشمع الأحمر.
ضغط كريم على زر التشغيل.
خرج صوت والده بوضوح
لو بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا مش موجود. يا كريم... أنا عارف إنك هتزعل مني، لكن كل اللي عملته كان علشان أحميك.
تجمد كريم وهو
يسمع صوت أبيه لأول مرة منذ سنوات.
تابع التسجيل
من تلاتين سنة، كان في شريك حاول يستولي على شركات العيلة بالتزوير. ولما اكتشفنا الحقيقة، هرب، لكنه أقسم ينتقم من كل أفراد الأسرة. أخفيت كل الأدلة هنا، وطلبت من هدى تحافظ عليها. لكن بعد وفاتي، عرفت إن حد استغل اسمها بعد رحيلها، وبدأ ينفذ خطته.
فتح كريم الملف الأول.
وجد كل العقود الأصلية، وأدلة تثبت تزوير توقيعات، وتحويلات مالية بملايين الجنيهات، وأسماء المتورطين.
وفي آخر صفحة...
كانت صورة حديثة للرجل الغامض.
شهقت مريم.
ده... مدير مكتب والدتك القديم... شريف!
أدرك كريم الحقيقة.
شريف لم يكن مجرد منفذ...
بل كان العقل المدبر لكل شيء.
هو من أخفى رسائل مريم عندما كانت حامل.
وهو من استغل اسم هدى المنشاوي بعد وفاتها.
وهو من وضع الحظر على علاج سارة، حتى يضغط على كريم إذا ظهرت الحقيقة يومًا.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت الشرطة من الخارج.
لقيناه!
حاول شريف الهرب من ممر خلفي في القصر، لكن رجال الشرطة حاصروه وألقوا القبض عليه.
اقتاده الضباط مكبل اليدين.
وقف أمام كريم وقال بابتسامة مهزوزة
كنت فاكر إنك هتعيش طول عمرك بعيد عن بنتك... زي ما عشت بعيد عن الحقيقة.
رد كريم بهدوء
انتهى كل شيء.
وبعد أشهر...
أغلقت القضية رسميًا، واستعادت عائلة المنشاوي حقوقها، وكُشف تزوير شريف وكل من ساعده، ونُسبت الجريمة إلى أصحابها الحقيقيين.
أما كريم...
فلم يعد إلى الفيلا الكبيرة وحده.
اشترى بيتًا دافئًا يناسب أسرته، بعيدًا عن ذكريات الماضي.
ومريم، بعد سنوات من الألم وسوء الفهم، سامحته عندما تأكدت أنه لم يكن يعرف شيئًا عن الرسائل التي أُخفيت عنه، وأنه بحث عنها طوال تلك السنوات.
وفي أول يوم عادت فيه سارة إلى الحضانة بعد شفائها، أمسكت يد أمها بيد أبيها،
وقالت بابتسامة بريئة
دلوقتي إحنا بقينا مع بعض... صح؟
نظر كريم إلى مريم.
ابتسمت له لأول مرة منذ ثلاث سنوات، ثم هزت رأسها بالإيجاب.
ضم كريم زوجته وابنته إلى صدره، وقال
مهما
حصل... عمرنا ما هنسيب بعض تاني.
وانتهت الحكاية، بعدما انتصرت الحقيقة، وعادت أسرة تفرقت بسبب الخداع لتجتمع من جديد، ويبدأوا حياة جديدة مبنية على الصدق والثقة والمحبة.

تم نسخ الرابط