المليونير شاف طليقته بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

العنوان
المليونير شاف طليقته بتعيط في الصيدلية... وبنته الصغيرة همست بكلمة كسرت قلبه
الجزء الأول
كان صوت البنت واطي جدًا، لدرجة إنه كان هيضيع وسط دوشة الصيدلية.
لكن كريم المنشاوي سمعه كأن حد صرخ في ودنه.
يا ماما... متعيطيش... أنا ممكن أبطل أعيى... أوعدك.
وقف كريم مكانه عند باب صيدلية في مصر الجديدة، والموبايل بيرن في جيب بالطوه الأسود. كان رئيس مجلس إدارة شركة المنشاوي جروب بيتصل بيه، لكن لأول مرة من سنين، ما اهتمش يرد.
هو أصلًا دخل الصيدلية يستخبى من المطر اللي كان نازل بغزارة، والسواق واقف بالعربية آخر الشارع.
لكن أول ما دخل... شافها.
ست واقفة قدام الكاونتر، لابسة بالطو أزرق قديم، شعرها البني مرفوع بسرعة، وفي إيدها روشتة متكرمشة.
كريم عرف الكتفين دول.
وعرف الطريقة اللي كانت واقفة بيها، مستقيمة رغم إن الدنيا كلها ضاغطة عليها.
دي كانت مريم عزت...
مراته السابقة.
الست اللي من 3 سنين سابت فيلا التجمع، وحطت دبلة الجواز على السفرة، وسابت جواب صغير مكتوب فيه
سامحني... أنا خلاص مبقتش قادرة.
ومن يومها، كريم دوّر عليها في كل مكان... لكنه عمره ما لقاها.
أو على الأقل... ده اللي كان فاكره.
قالت مريم للصيدلي بصوت كله تعب
ممكن أدفع نص المبلغ النهارده... والباقي يوم الجمعة، بالله عليك... بنتي لازم تاخد المضاد الحيوي الليلة.
الصيدلي وطّى عينه وقال بأسف
والله يا مدام، شركة التأمين رفضت تغطي العلاج... من غير موافقة، الحساب هيكون 4860 جنيه.
حضنت مريم الروشتة على صدرها.
ما عيطتش.
غمضت عينيها ثواني، كأنها بتحسب هتبيع إيه... أو تستلف من مين... أو تستحمل قد إيه كمان.
جنبها كانت بنت صغيرة عندها حوالي سنتين و شهور، لابسة جزمة وردي عليها بط صغير أصفر.
بشرتها بيضا...
وشعرها غامق...
وعنيها رمادي.
نفس عيون كريم.
شدّت كم أمها وقالت بابتسامة ضعيفة
يا ماما... أنا مش محتاجة الدوا... أنا شاطرة.
حس كريم إن نفسه اتقطع.
اتقدم خطوة وقال بحزم
اصرف الروشتة كلها.
مريم

اتجمدت.
وبعدين لفت ببطء.
أول ما عينيهم اتقابلوا... اختفى صوت المطر، والكاشير، والناس اللي في الصيدلية.
كريم...
قالتها بصوت مليان وجع سنين.
بص للبنت وقال بهدوء
اسمك إيه يا حبيبتي؟
استخبت ورا أمها.
سارة.
شعر بزغللة في عينه.
أهلاً يا سارة.
شالتها مريم بسرعة وقالت
إحنا ماشيين.
قال كريم بصوت أعلى
لأ.
بصتله بغضب.
متصدرليش أوامر.
طلع كارت البنك الأسود وحطه قدام الصيدلي.
المضاد الحيوي... وخافض الحرارة... والمحلول... والترمومتر... وكل اللي محتاجاه.
همست مريم وهي بتكتم غضبها
كريم... لأ.
لكن كريم ما بصّش لها.
كان باصص للبنت.
وقال
مش علشانك.
الكلمة وجعتها أكتر من أي إهانة.
استلمت العلاج، وخرجت تحت المطر.
كريم مشي وراها من بعيد.
ماكانش عايز يحاصرها.
هي أصلًا خدت من الدنيا أكتر من نصيبها.
وصلت لعمارة قديمة فوق مغسلة هدوم.
مبنى بسيط، الحيطة متشققة، والسلم رطب.
ناداها
مريم...
وقفت من غير ما تبصله.
قال برجاء
لو سمحتي.
لفت.
المطر كان نازل على وشها.
قالت ببرود
مفيش بينا كلام.
بص لسارة وهي نايمة على كتف أمها.
وسأل
عندها كام سنة؟
وش مريم اتغير.
متسألش.
كرر السؤال
كام سنة؟
أخدت نفس طويل.
سنتين و شهور.
حس كريم إن الأرض بتميد بيه.
وقال بصوت مخنوق
دي... بنتي.
ماكانش سؤال.
ردت مريم بعد لحظة صمت
أيوه.
المطر زاد.
سألها وهو مذهول
ليه مخبيتيش عني؟
ضحكت ضحكة كلها مرارة.
أنا حاولت.
إزاي؟
اتصلت بمكتبك ست مرات... وبعتلك جوابات... وصور السونار... وروحت الفيلا... واستنيتك بالساعات.
وقف كريم مصدوم.
ولا حاجة وصلتني.
قالت وهي باصة للأرض
عارفة... وده كان المقصود.
مين؟
رفعت عينيها وقالت
والدتك.
ابتدى الغضب يظهر على وش كريم.
أمي ماتت من سنتين.
ردت بهدوء
بس وهي عايشة... كانت عارفة إني حامل.
في اللحظة دي...
كحت سارة كحة قوية.
مريم بخوف.
يا ماما... صدري بيوجعني.
طلع كريم موبايله فورًا.
هنروح المستشفى... حالًا.
المرة دي...
مريم ما اعترضتش.
وصلوا مستشفى خاص، وكريم اتصل بأكبر
دكاترة الأطفال.
لكن أول ما بيانات سارة ظهرت على الكمبيوتر، الممرضة اتفاجئت.
مدام مريم... فيه حظر مالي على ملف الطفلة.
وش مريم اصفر.
حظر؟
لفت الممرضة الشاشة.
قرأ كريم الاسم المكتوب.
صندوق عائلة المنشاوي.
المعتمد بواسطة هدى المنشاوي.
...أمه.
لكن التاريخ كان صادمًا.
لأن والدته كانت متوفية بقالها ست شهور قبل التاريخ المكتوب على القرار.
وهنا... أدرك كريم إن فيه حد بيستخدم اسم أمه بعد وفاتها... وإن السر الحقيقي لسه ما بدأش نظر كريم إلى الرسالة أكثر من مرة، ثم رفع عينيه ناحية غرفة سارة.
عقله كان بيقوله ينزل فورًا.
لكن قلبه كان رافض يسيب بنته بعد ما لقاها أخيرًا.
لاحظت مريم تغير ملامحه.
في إيه؟
خبّى الموبايل بسرعة وقال بهدوء
مفيش... مكالمة شغل.
لكن مريم كانت تعرف كريم جيدًا.
لما كان بيحاول يخبي حاجة، كان دايمًا يقبض على موبايله بنفس الطريقة.
قالت وهي بتراقبه
أنت رايح فين؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
هرجع بعد خمس دقايق.
ونزل بسرعة ناحية الجراج.
...
الجراج كان شبه فاضي.
المطر لسه بينزل، وصوت الميه بيتردد بين الأعمدة الخرسانية.
وقف كريم يبص حواليه.
أنا جيت.
ماحدش رد.
وفجأة، خرج راجل كبير في السن من بين العربيات، لابس جاكيت قديم وكاب أسود.
كان ماسك فلاشة صغيرة.
قال بصوت منخفض
خد دي... قبل ما يوصلوا.
مد كريم إيده، لكن الراجل رجع خطوة.
اسمعني الأول... اللي عمل كل ده مش والدتك.
مين؟
اللي كان بيدير كل حاجة باسمها.
شريف؟
هز الراجل رأسه.
شريف مجرد منفذ... فيه حد أكبر.
وقبل ما يكمل...
دخلت عربية سوداء بسرعة للجراج.
فتح بابها الخلفي، ونزل منها اتنين ملثمين.
صرخ الراجل
اجري يا كريم!
جرى كريم ناحيته، لكن أحد الملثمين خطف الفلاشة من إيده، ودفع الراجل بقوة.
وقع الرجل على الأرض وارتطم رأسه بعمود خرساني.
أما الملثمان فركبا العربية واختفيا في ثوانٍ.
ركض كريم نحو الرجل.
كان بينزف، لكنه ما زال واعيًا.
قبض على ياقة قميص كريم وهمس بصعوبة
في... خزنة... في الفيلا القديمة.
.. مكتب الحاجة هدى... الكود... تاريخ ميلاد...
وفجأة توقف.
فتح عينيه في ذهول كأنه رأى شخصًا خلف كريم.
ثم قال بخوف شديد
إياك... تثق... في...
ولم يكمل.
أغلق عينيه وفقد الوعي.
في اللحظة نفسها، دوى صوت صرخة من داخل المستشفى.
التفت كريم وركض بكل قوته.
وصل إلى غرفة سارة، فوجد الباب مفتوحًا، والممرضات يركضن في الممر.
أما مريم...
فكانت واقفة مكانها، ووجهها شاحب.
قالت بصوت مرتجف
سارة... كانت هنا من دقيقة...
ثم أشارت إلى السرير الفارغ.
بنتنا اختفت وصلوا غرفة الطوارئ، والدكاترة أخدوا سارة بسرعة، بينما وقفت مريم في الممر وهي بتضم إيديها لبعض من التوتر.
أما كريم، فكان واقف قدام شاشة الكمبيوتر، وعينيه مثبتة على القرار الغريب.
التاريخ مستحيل.
الاسم مستحيل.
لكن المستند قدامه.
دخل مدير قسم الحسابات أول ما عرف اسم كريم المنشاوي، وقال باحترام
إحنا آسفين يا فندم... القرار ده موجود في النظام من سنتين تقريبًا.
سأله كريم بحدة
مين اللي رفعه؟
فتح الموظف سجل العمليات، واتغير لون وشه.
الغريب... إن الدخول تم من حساب خاص بالإدارة العليا... لكن كلمة السر اتغيرت بعدها بدقائق.
مين كان عنده صلاحية الحساب ده؟
بلع الموظف ريقه.
حضرتك... ووالدتك... ومدير مكتبها الأستاذ شريف.
اتجمد كريم.
شريف.
مدير مكتب والدته، والراجل اللي اشتغل مع العيلة أكتر من خمسة وعشرين سنة.
الراجل اللي كريم وثق فيه بعد وفاة أمه، وسابه يدير جزء كبير من الملفات القديمة.
في اللحظة دي خرج الدكتور من أوضة الكشف.
قال بجدية
الحمد لله لحقناها.
مريم جريت عليه.
بنتي عاملة إيه؟
عندها التهاب رئوي شديد، ولو كانت اتأخرت ساعات قليلة كان الوضع هيبقى أخطر.
وهي بتبكي في صمت.
أما كريم فكان قلبه بيتقطع.
دي أول مرة يشوف بنته.
وأول مرة يسمع تشخيص مرضها.
وأول مرة يعرف إنها كانت ممكن تضيع منه للأبد.
اقترب بخطوات هادئة، لكن سارة فتحت عينيها بصعوبة.
بصتله ثواني.
وبعدين مدت إيدها الصغيرة ناحيته.
تردد.
ثم مسك صوابعها برفق.

همست بصوت متعب
أنت... بابا؟
دموع كريم نزلت من غير ما يحس.
هز راسه بالإيجاب.
ابتسمت سارة ابتسامة بسيطة، قبل ما تنام تاني تحت تأثير الدوا.
مريم بصت للمشهد وسكتت.
كان نفسها تحرم كريم من اللحظة دي بعد كل اللي حصل...
لكن
تم نسخ الرابط