جوزى طلقنى غيابى

لمحة نيوز

ظرفًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله ورقة كتب عليها ابني الكبير
إلى أغلى أم في الدنيا... كل نجاح حققناه، وكل بيت فتح لنا بابه، وكل لقمة أكلناها بالحلال، كانت بسببك. علمتِنا أن الكرامة أغلى من المال، وأن التعب لا يضيع عند الله. سنظل نفتخر أننا أبناء امرأة صنعت المستحيل.
لم أتمالك دموعي، واحتضنت الورقة إلى صدري.
وفي تلك اللحظة، رفع حفيدي رأسه وقال
تيتة... لما أكبر عايز أبقى زيك.
ضحكت وربتُّ على رأسه وقلت
لا يا حبيبي... خليك أحسن مني.
ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت
الحمد لله... أخذت مني أشياء كثيرة، لكنك يا رب عوضتني بأجمل منها.
وهكذا انتهت رحلتي... لا كامرأة هجرها زوجها، بل كامرأة انتصرت على اليأس، وربّت أبناءً صالحين، وتركت اسمًا طيبًا، وأثبتت أن الله لا يخذل من يصبر ويجتهد ويستعين به.
تمت بحمد الله مرّت سنوات أخرى، وكبر الأحفاد، وصار لكل واحد منهم حلم يسعى إليه.
وفي كل مناسبة عائلية كانوا يطلبون مني أن أحكي لهم كيف بدأت رحلتي.
لم أكن أحكي لهم عن وجع الطلاق، ولا عن قسوة الناس، بل كنت أحكي لهم عن أول خطوة، وعن أول مرة وقفت فيها في المطبخ وأنا أدعو الله أن يبارك في رزقي.
كنت أقول لهم
النجاح لا يبدأ بالمال... النجاح يبدأ عندما ترفض أن تستسلم.
وفي يوم تكريمي كرائدة أعمال ناجحة، وقفت على المسرح وأمام مئات الحضور، طلبوا مني أن أقول كلمة.
أمسكت الميكروفون وقلت
أنا لستُ أقوى من غيري، لكنني عندما أُغلقت في وجهي الأبواب، طرقت باب الله، فلم يردّني خائبة. وكل امرأة تمر بظرف صعب، تذكري أن النهاية التي يخيفك الناس منها، قد تكون البداية التي كتبها الله لك.
ضجّت القاعة بالتصفيق، بينما كان أولادي يقفون في الصف الأول، وعيونهم تفيض فخرًا.
عندما عدنا إلى المنزل تلك الليلة، نظرت إلى صورتي القديمة وأنا أحمل طفلَيَّ الصغيرين، فابتسمت وقلت
شكرًا لتلك المرأة التي لم تستسلم... لولا صبرها، ما وصلنا إلى هنا.
وأغلقت ألبوم الصور، وقد امتلأ قلبي يقينًا بأن أجمل انتصار ليس أن تثبت للناس أنك نجحت... بل أن تنام كل ليلة مطمئن القلب، راضيًا عن نفسك،
شاكرًا لله على كل ما مضى وكل ما هو آتٍ.
تمت وبعد انتهاء الحفل، اقتربت مني فتاة في أوائل العشرينات، كانت عيناها مليئتين بالدموع.
قالت وهي تمسك بيدي
حضرتك ما تعرفينيش... لكن قصتك أنقذت حياتي. كنت فاكرة إن الدنيا انتهت بعد طلاقي، وإني مش هقدر أبدأ من جديد.
ابتسمت وربتُّ على يدها وقلت
كل بداية صعبة، لكنها ليست مستحيلة. المهم ألا تفقدي ثقتك بالله ولا بنفسك.
بعد أشهر، وصلتني منها رسالة.
كتبت فيها
افتتحت مشروعي الصغير، وأول مكسب جالي افتكرت كلامك ودعيتلك.
ابتسمت وأنا أحمد الله، وأدركت أن الخير لا يقف عند شخص واحد، بل يمتد من قلب إلى قلب.
وفي إحدى الليالي، جلست وحدي أتأمل هدوء البيت بعد أن عاد كل واحد إلى حياته.
لم أشعر بالوحدة، بل شعرت بالسلام.
سلام الإنسان الذي عرف أن كل دمعة ذرفها كانت تُكتب له بها درجة، وكل تعب تحمله كان الله يدخر له مقابله فرحة.
أغمضت عيني وقلت
يا رب... كما جبرت خاطري يومًا، اجبر خاطر كل مكسور، وارزق كل مهموم فرجًا، وكل مجتهد ثمرة تعبه.
وانتهت الحكاية، لكنها تركت رسالة لن تنتهي أبدًا
قد تتأخر الأيام في رد حقك، وقد يطول الطريق، لكن ما دام قلبك متعلقًا بالله، فلن يضيع تعبك أبدًا، وسيأتي يوم تنظر فيه إلى ماضيك وتبتسم، لأن الله كان يدبر لك أجمل مما تمنيت.
النهاية ومع مرور الأعوام، بدأت أشعر أن رسالتي لم تعد تقتصر على إعداد الطعام أو إدارة المشروع، بل أصبحت أزرع الأمل في كل امرأة تظن أن الحياة انتهت.
كنت أستقبل كل أسبوع سيدات يردن أن يتعلمن الصنعة، فأعلمهن بلا مقابل، وأقول لهن
العلم رزق... وإذا احتفظتِ به لنفسك قلّ، وإذا شاركتِه مع غيرك باركه الله.
وفي احتفال مرور عشرين عامًا على تأسيس مشروعي، وقف أولادي بجانبي وأعلنوا أمام الجميع أنهم قرروا إطلاق مؤسسة خيرية تحمل اسمي، هدفها تدريب السيدات ومساعدتهن على بدء مشروعات صغيرة.
لم أتمالك دموعي.
لم أكن أحلم يومًا أن يتحول تعبي إلى باب رزق لعشرات الأسر.
اقترب ابني الأصغر، وقبّل رأسي وقال
يا أمي... كنتِ دائمًا تقولين إن الإنسان يرحل، لكن أثره يبقى... واليوم
بدأ أثرك يكبر أكثر.
ابتسمت وأنا أنظر إلى الوجوه المليئة بالأمل، وأيقنت أن الله إذا أراد لعبدٍ خيرًا، جعل من ألمه سببًا في سعادة غيره.
وفي نهاية ذلك اليوم، عدت إلى بيتي، وصليت ركعتين شكرًا لله، ثم دعوت من أعماق قلبي
اللهم كما بدّلت خوفي أمنًا، وفقري سعة، وحزني فرحًا، فبدّل حال كل مهموم إلى أحسن حال، واجعل لنا جميعًا خاتمةً ترضيك.
وأغلقت عيني وأنا أشعر براحة لم أعرفها من قبل، لأنني أدركت أن أجمل قصة نجاح هي تلك التي تبدأ بالصبر، وتُكتب بالتعب، وتنتهي برضا الله ومحبة الناس لكن الحياة لم تتوقف عند هذا الحد.
في كل صباح كنت أفتح نافذة بيتي، أشكر الله على نعمة الستر، ثم أنزل إلى مشروعي الذي بدأ بطاولة صغيرة، وأصبح اليوم مكانًا يعمل فيه عشرات الأشخاص.
كنت أحرص أن أوظف السيدات اللاتي ضاقت بهن الدنيا، خصوصًا المطلقات والأرامل، لأنني كنت أعرف جيدًا معنى أن تبحث امرأة عن فرصة تحفظ بها كرامتها.
وكنت أقول لهن دائمًا
أنا لا أعطيكن صدقة... أنا أعطيكن فرصة، كما أعطاني الله فرصة من قبل.
وبمرور الوقت، صار المكان أشبه بعائلة كبيرة، يجمعها الاحترام والعمل والإخلاص.
وفي أحد الأيام، جاءتني سيدة تحمل ابنتها الصغيرة، وقالت لي
من عشر سنوات ساعدتِني في أول فرصة عمل، واليوم جئت لأشكرك، لأن ابنتي دخلت كلية الطب بفضل الله ثم بسبب وقوفك بجانبي.
لم أجد كلمات أرد بها، فاكتفيت بأن رفعت يدي إلى السماء وقلت
اللهم اجعل كل خير فعلناه خالصًا لوجهك الكريم.
حينها أدركت أن أعظم نجاح لم يكن المال، ولا الشهرة، ولا كبر المشروع...
بل الدعوات الصادقة التي خرجت من قلوب الناس، والابتسامات التي رسمها الله على وجوههم بسبب يد امتدت لهم في وقت حاجتهم.
وهكذا علمتني الحياة أن الرزق الحقيقي ليس فيما نملكه، بل فيما نتركه من أثر طيب في قلوب الآخرين.
فإذا رحل الإنسان يومًا، بقي اسمه يُذكر بالخير، وبقيت أعماله الصالحة شاهدة له، وذلك هو الفوز الحقيقي وبعد سنوات، جلست أراجع ألبومات الصور القديمة.
وجدت صورة لأول مطبخ بدأت فيه، وصورة لأول لافتة علقتها على باب المشروع،
وصورة لأول سيارة اشتريتها من تعب يدي، ثم صورة لأولادي يوم تخرجهم.
ابتسمت وأنا أقلب الصفحات، وكل صورة كانت تحكي معركة انتصرت فيها بالإيمان قبل أي شيء آخر.
دخل حفيدي الكبير وجلس بجواري، وقال
تيتة... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ تتمني إن كل اللي حصل ما يحصلش؟
صمتُّ للحظة، ثم قلت
زمان كنت هقول أيوه... لكن النهارده لأ.
نظر إليّ متعجبًا، فأكملت
لولا الأيام الصعبة، ما كنتش عرفت قيمتي، ولا اكتشفت قوتي، ولا ربيت رجالًا ونساءً يعرفون معنى الكرامة والتعب الحلال.
ابتسم وهو يمسك بيدي وقال
إحنا محظوظين إنك جدتنا.
ضحكت من قلبي، وشعرت أن الله قد عوضني عن كل لحظة بكيت فيها.
وفي تلك الليلة، كتبت آخر جملة في مذكراتي، ثم أغلقت الدفتر بهدوء
قد يخسر الإنسان بيتًا، أو مالًا، أو أشخاصًا أحبهم... لكنه إذا لم يخسر نفسه، ولم يفقد ثقته بالله، فإنه سيجد يومًا ما هو أجمل مما فقد. وهذه كانت حكايتي.
تمت بحمد الله وبعد وفاتي بسنوات، لم يكن أحد يتذكر كم كان في حسابي من المال، ولا كم امتلكت من العقارات، لكنهم جميعًا كانوا يتذكرون شيئًا واحدًا...
أن هناك امرأة لم تستسلم.
كان أولادي يجتمعون كل عام في ذكرى رحيلي، يقرأون القرآن، ويدعون لي، ثم يجلسون يحكون للأحفاد عن بداية الحكاية.
قال ابني الأكبر ذات مرة
كانت أمي تقول لنا دائمًا لو أُغلق باب، افتحوا بابًا آخر، ولو ضاقت الدنيا، فتأكدوا أن رحمة ربنا أوسع.
وأضافت ابنتي وهي تبتسم
وعمرها ما رجعت محتاجة لحد بعد ما استندت على ربنا.
كان الأحفاد يستمعون باهتمام، وكأنهم يعيشون الأحداث بأنفسهم، حتى قالت أصغر حفيدة
أنا لما أكبر هساعد الناس زي تيتة.
ابتسم الجميع، وقال ابني
وهكذا تفضل جدتكم عايشة... في أخلاقكم قبل أسمائكم.
وفي نهاية المجلس، رفعوا أيديهم جميعًا وقالوا
اللهم اغفر لها، وارحمها، واجزها عنا خير الجزاء، واجعل كل تعب تعبته في ميزان حسناتها.
وربما كانت تلك الدعوات هي أعظم ثمار رحلة بدأت بدمعة... وانتهت بدعاء لا ينقطع.
فليست كل النهايات تُكتب بالحبر، فبعضها يُكتب في قلوب الناس، وفي دعواتهم الصادقة، وفي الأثر
الطيب الذي يظل باقيًا بعد الرحيل.
رحلت صاحبة الحكاية... لكن بقيت سيرتها درسًا لكل من ظن
تم نسخ الرابط