جوزى طلقنى غيابى
المحتويات
أتمالك نفسي، واحتضنتهم وأنا ببكي من الفرحة.
وفي أثناء الافتتاح، فوجئت بشخص يدخل يحمل باقة ورد.
كان طليقي.
اقترب ووضع الورد على الطاولة وقال
أنا مش جاي أفسد فرحتكم... أنا جاي أقول قدام الكل إن الست دي هي سبب نجاح ولادي، وأنا كنت أكبر غلطة في حياتي لما فرطت فيها.
ساد الصمت، ثم بدأ الحضور يصفقون لها بحرارة.
ابتسمت وشكرته على اعترافه، ثم قلت
الاعتراف بالخطأ شجاعة... لكن الأجمل إن الإنسان يتعلم منه.
ابتسم لأول مرة من قلبه، ثم التفت إلى ابنيه وقال
افتخروا بأمكم كل يوم... لأنها عملت اللي أنا فشلت أعمله.
خرج بهدوء، دون أن يلتفت خلفه.
نظرت إلى أولادي، وإلى المطبخ الذي بدأ بحلة صغيرة فوق بوتاجاز قديم، ثم صار اسمًا يعرفه الجميع.
وأيقنت أن أصعب البدايات قد تصنع أعظم النهايات... لمن يصبر ولا يفقد ثقته بالله بعد شهور من افتتاح الفرع الجديد، كنت قاعدة في المكتب أراجع الحسابات، لقيت السكرتيرة دخلت وقالت
في راجل كبير بره، بيقول لازم يقابلك.
استأذنتها تدخله.
دخل رجل وقور، شعره أبيض، ووشه باين عليه التعب.
أول ما قعد قال
أنا والد طليقك.
اتصدمت... لأن الراجل ده عمره ما سأل عني ولا عن حفيديه من يوم ابنه سابنا.
قال وهو منزل عينه في الأرض
أنا جاي أعتذر... ظلمناكي كلنا.
فضلت ساكتة.
طلع من شنطة جلد قديمة ملف، وحطه قدامي.
وقال
قبل ما أموت، لازم أرجعلك حقك.
فتحت الملف، لقيت فيه عقود ملكية قطعة أرض ومحلات كانت باسم ابنه، ومعاها ورقة تنازل مكتوبة باسمي وباسم حفيديه.
قلت باستغراب
ليه؟
تنهد وقال
لأن ابني اعترفلي بكل حاجة... اعترف إنه بدأ تجارته من دهبك، وإن كل اللي وصله كان بفضل وقفتك معاه. وأنا زمان صدقته لما قال إنك سيبتي البيت بإرادتك.
سكت لحظة ومسح دموعه.
وقال
سامحيني... أنا ضيعت سنين من عمر حفيديّ.
أقفلت الملف بهدوء وقلت
أنا مش هقبل حاجة ليا... لكن أي حق لأولادي، هاخده.
ابتسم لأول مرة وقال
وده اللي كنت متأكد إنك هتعمليه.
خرج الرجل وهو مرتاح، وكأنه شال حملًا من على قلبه.
بصيت من الشباك وأنا شايفاه بيبعد، وحسيت إن ربنا بيرجع الحقوق، حتى لو بعد سنين طويلة.
وفي نفس اللحظة، دخل ابناي المكتب، وقالا بابتسامة
يلا
ابتسمت، وقفلت الملف، ومشيت معاهم... لأن المستقبل كان أجمل من أي ماضٍ حاول يكسرنابدأنا الحلم الجديد، وكان مصنع صغير لتجهيز الأطعمة المجمدة. ابني الكبير تولى الإدارة، والصغير كان مسؤولًا عن التسويق، أما أنا فكنت أراجع جودة كل أكلة تخرج من المصنع.
بعد سنتين، بقى اسمنا معروف في محافظات كتير، وبقينا نوظف عشرات السيدات اللي ظروفهم شبه ظروفي زمان.
وفي يوم، وإحنا بنحتفل بمرور عشرين سنة على بداية المشروع، وقف ابني الكبير قدام الموظفين وقال
في حاجة عمرنا ما حكيناها لحد.
وبصلي وقال
فاكرة يا ماما أول يوم رجعتي من الفيلا وإنتِ ساكتة؟
ابتسمت وقلت أفتكره إزاي وأنساه؟
قال أنا كنت صاحي وقتها، وسمعتك وإنتِ بتعيطي في أوضتك. ومن يومها أقسمت إني أكبر بسرعة عشان أشيل عنك.
سكتت وأنا بحاول أمنع دموعي.
كمل كلامه
كل نجاح حققناه كان هدفه إنك ما تعيطيش تاني.
في اللحظة دي، الموظفين كلهم وقفوا يصفقوا، لكن التصفيق وقف فجأة لما دخل المحاسب يجري وهو بيقول
يا مدام... في واحد برا بيقول معاه جواب ليكي، وبيقول إنه وصية.
استغربت، وأخدت الظرف.
فتحته...
كان مكتوب بخط طليقي
لو الجواب ده وصلك، يبقى أنا خلاص مشيت من الدنيا. عمري ما قدرت أصلح كل اللي كسرته، لكن آخر حاجة عملتها إني كتبت كل اللي أملكه باسم ولادي. يمكن ميغفروش، لكن أملي إنهم يعرفوا إن أبوهم مات وهو ندمان.
سادت لحظة صمت.
بص ابني الصغير ليّ وقال
هنعمل إيه يا ماما؟
تنهدت وقلت بهدوء
هندعيله بالرحمة... لأن الحساب الحقيقي بقى عند رب العالمين، وإحنا هنكمل حياتنا من غير كراهية.
ورفعنا جميعًا أيدينا ندعو له بالمغفرة، ثم عدنا نكمل الاحتفال... بعدما تعلمنا أن أقسى الدروس قد تصنع أقوى البشر، وأن الله لا يضيع أجر من صبر وسعىبعد قراءة الوصية بأيام، قرر الولدان يزوروا قبر أبوهم لأول مرة.
وقفوا قدام القبر في صمت، وكل واحد فيهم كان شايل وردة.
قال ابني الكبير
أنا زعلان منك... لكني مش هعيش باقي عمري وأنا شايل كره.
أما الصغير فحط وردته وقال
ربنا يرحمك.
رجعوا البيت وهم أخف من قبل، وكأنهم أخيرًا قفلوا صفحة عمرها سنين.
مرت الأيام، وفي ليلة
فتحت لها، فقالت
حضرتك طنط أم أحمد؟
ابتسمت وقلت أيوه.
قالت وهي منكسة رأسها
ماما بعتاني... بتقول لو ينفع تشتغل عند حضرتك.
استغربت وسألت مين مامتك؟
رفعت البنت عينيها وقالت
هي... زوجة بابا أحمد الثانية.
اتجمدت في مكاني.
بعد لحظات، دخلت الست بنفسها.
لكنها ما كانتش الست الأنيقة اللي شفتها زمان في الفيلا.
كانت مرهقة، وملابسها بسيطة، وملامحها مليانة تعب.
قالت بصوت مكسور
الدنيا دارت... وكل اللي كان معانا راح. وأنا مش جاية أطلب فلوس... جاية أطلب شغل، عشان أعرف أصرف على بنتي.
بصيت لها طويلًا.
افتكرت اليوم اللي شفتها فيه لأول مرة، وهي واقفة جنبه، لابسة الألماس، وأنا شايلة صواني الأكل.
ثم قلت بهدوء
الشغل موجود... لكن هنا كل الناس سواسية. اللي يشتغل بإخلاص ياخد حقه.
انفجرت في البكاء وقالت
أنا ظلمتك حتى من غير ما أعرفك.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقلت
كلنا بنتعلم... المهم نتغير.
ومن يومها بدأت تشتغل عندي، ومع الوقت أصبحت من أكثر العاملات إخلاصًا.
وهكذا، جمعت الحياة بيننا مرة أخرى... لكن هذه المرة لم تجمعنا على رجل، بل جمعتنا على لقمة عيش شريفة، ورحمة، وصفحة جديدة لا تحمل في قلبها إلا السلام. تمت فعلًا بعد سنة من شغلها معانا، بقت من أكتر الناس التزامًا وإخلاصًا.
وفي يوم، طلبت مني تقعد معايا لوحدنا.
قالت وهي بتبكي
أنا عمري ما حكيتلك الحقيقة... أحمد الله يرحمه خدعني أنا كمان.
استغربت وسألتها إزاي؟
قالت
لما اتجوزني، قالي إنه مطلق من زمان، وإنه بيصرف على ولاده، وإنك رفضتي ترجعيله. أنا صدقته... ولما اكتشفت الحقيقة كان خلاص بقى عندي بنت، وماعرفتش أتصرف.
سكتت شوية، وكملت
أنا استاهل اللوم إني ما دورتش ورا الحقيقة، لكن والله ما كنت أعرف إنه سايب ولاده بالشكل ده.
بصيتلها بهدوء وقلت
اللي فات خلاص فات... وإحنا مش هنغيره.
ردت وهي ماسكة إيدي
إنتِ أقوى ست عرفتها في حياتي.
ابتسمت وقلت
أنا ماكنتش قوية... أنا كنت مضطرة.
في نفس اللحظة، دخل ابني الكبير وقال وهو بيضحك
ماما... العقد وصل.
سألته عقد إيه؟
قال وهو من الفرحة مش قادر يقف مكانه
اتفقنا
حضنته وأنا أحمد ربنا.
وقفت أبص للمطبخ الكبير، والعمال، والسيدات اللي لقوا فرصة شغل، وافتكرت أول يوم بدأت فيه بطنجرة واحدة في مطبخ صغير، وأنا مش عارفة هجيب أكل ولادي منين.
وقلت في سري
يا رب... لك الحمد على كل وجع كان بدايته صعبة، لكنه كان سبب في كل الخير اللي أنا فيه.
وهكذا انتهت الحكاية كما بدأت...
امرأة تُركت وحدها بطفلين...
لكنها لم تستسلم، بل صنعت من الألم نجاحًا، ومن الانكسار قوة، ومن الصبر حياة جديدةبعد سنوات طويلة، وأنا بقيت جدة، كان أحفادي دايمًا يطلبوا مني أحكيلهم
يا تيتة... احكيلنا حكاية أول مطبخ.
كنت أضحك وأقول
دي أطول حكاية في الدنيا.
يقعدوا حواليا، فأحكي لهم عن الأيام اللي كنت أصحى فيها قبل الفجر، وأطبخ، وألف الشوارع أوصل الطلبات، وأرجع آخر النهار تعبانة... لكن قلبي مطمن إني أكلت ولادي من تعب إيدي.
وفي مرة، حفيدي الصغير سألني
تيتة... لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتتجوزي جدو أحمد تاني؟
سكت شوية...
وبعدين ابتسمت وقلت
لو ما كنتش اتجوزته، يمكن ما كنتوش إنتوا موجودين النهارده.
استغربوا من إجابتي.
فكملت
في حياتنا حاجات بتوجعنا جدًا، لكن ربنا بيطلع منها خير ما كناش نتخيله. المهم إن الإنسان لما يقع... يقوم، وما يفضلش واقف يبكي على اللي ضاع.
ابتسم أحفادي، وجريوا يلعبوا.
فضلت أبص لهم من الشباك، والشمس كانت بتغيب بهدوء.
همست لنفسي
الحمد لله... الرحلة كانت طويلة، لكنها استحقت كل خطوة.
وأغلقت ألبوم الصور، وكانت أول صورة فيه ليا وأنا واقفة في مطبخي الصغير، وآخر صورة ليا وسط أولادي وأحفادي، وكلهم بيضحكوا.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن بقي أثرها، يعلّم كل من يقرأها أن الصبر والعمل والكرامة قد يغيّرون حياة إنسان بالكامل. بعد سنوات، جلستُ في شرفة بيتي وقت الغروب، أتأمل أولادي وهم يضحكون مع أحفادي، فتذكرت اليوم الذي خرجت فيه من بيتي مطلقة، أحمل طفلين صغيرين ولا أعرف كيف سأطعمهما في الغد.
تذكرت دموعي، وتذكرت الليالي التي كنت أنام فيها جائعة حتى يشبع أولادي، وتذكرت أول طلبية طعام صنعتها بيدي، واليوم الذي وقفت فيه أمام طليقي في تلك الفيلا، وهو يظن أنني انكسرت.
ابتسمت وأنا أقول في نفسي
لو كان يعلم أن اللحظة التي ظنها نهايتي... كانت بداية حياتي.
رن جرس الباب، ففتحت، فإذا بساعي البريد يسلمُني
متابعة القراءة