قبل خطوبتى بيوم

لمحة نيوز

في يوم، أم نوال كانت بتنضف المخزن القديم في بيت جدتها، ولقت علبة قطيفة سودا شبه علبة الشبكة بالظبط.
استغربت، ونادت على نوال.
فتحت نوال العلبة...
واتصدمت.
جواها كان فيه طقم دهب مطابق للشبكة، ومعاه ورقة قديمة مكتوب فيها
لو حد لقى العلبة دي، يديها لنوال.
الخط كان خط جدها الله يرحمه.
الورقة كملت
زمان لما أبوكي اتولد، اشتريت طقم دهب عشان يكون هدية لأول حفيدة في العيلة. وخبيته هنا، لكن تعبت قبل ما أقول لحد مكانه.
أم نوال فضلت تبكي وهي بتقول
أبوك كان بيدور عليه سنين، ومحدش كان يعرف إنه موجود.
ابتسمت نوال وهي ماسكة الورقة، وقالت
سبحان الله... بعد كل اللي حصل بسبب شبكة واحدة، ربنا رزقنا بشبكة تانية من غير ما نسعى لها.
قرروا يبيعوا جزءًا منها، ويحافظوا على جزء تاني كتذكار من الجد.
أما هند، فأصرت تشتري من تعبها أول غويشة دهب في حياتها بعد الطلاق، وراحت لنوال وقالت وهي بتضحك
المرة دي لو طلبتها مني حتى ساعة... هقولك لأ!
ضحكت نوال وقالت
وأنا أول واحدة هقولك خدي بالك من أمانتك.
وضحكوا هما الاتنين، لأن الذكرى اللي كانت يومًا سببًا للوجع، بقت بعد السنين مجرد حكاية يتعلم منها كل اللي يسمعها بعد سنوات، وفي عيد ميلاد بنت نوال الثامن، كانت العيلة كلها متجمعة.
وفجأة، خال نوال قال وهو بيضحك
فاكرين ليلة الشبكة؟ لحد النهارده الناس في البلد بتحكي عنها.
الكل ضحك... إلا جدة هند.
قالت بهدوء
في حاجة عمري ما قلتها لحد.
سكت الجميع.
قالت وهي تبص لهند
الليلة اللي خدتي فيها الشبكة، شوفت واحدة كانت بتراقبك وإنتِ خارجة من البيت. كنت فاكرة إنه مجرد فضول، لكن بعد اللي حصل شكيت إن الموضوع أكبر.
إياد سألها عرفتي مين هي؟
هزت رأسها وقالت أيوه... كانت واحدة بتشتغل زمان عند محل الذهب اللي اشترينا منه الشبكة.
بعد أيام، سألوا عنها، واكتشفوا إنها كانت ضمن عصابة بتراقب الزبائن اللي يشتروا ذهب، وتبلغ لصوصًا يتحركون خلفهم.
ساعتها فهموا إن اللي حصل كان ممكن
يبقى أسوأ بكتير، وإن نجاة الشبكة كانت فضلًا من الله قبل أي شيء.
تنهدت نوال وقالت
سبحان الله... كنا فاكرين إن أكبر مشكلة هي إن الشبكة اتأخرت، لكن ربنا نجانا من مصيبة أكبر ما كناش نعرفها.
ابتسم إياد وهو ماسك إيدها وقال
يمكن الليلة دي كانت بداية خوف كبير... لكنها كانت كمان بداية بيت اتبنى على الصراحة، مش على الأسرار.
وانتهت الحكاية، وبقيت تُروى في العائلة كدرس بسيط
لا تُسلِّم الأمانة إلا لمن يستطيع حفظها، ولا تؤجل قول الحقيقة، فالحقيقة المؤلمة اليوم أهون من الكذب الذي يكبر مع الوقت.
النهاية بعد شهر من وفاة هند، كانت نوال بترتب أغراضها القديمة، ولقت صندوقًا خشبيًا صغيرًا كانت سارة سلمتهولها بعد العزاء، وقالتلها
ماما قالت متفتحهوش غير لما تكوني لوحدك.
فتحت نوال الصندوق وهي مستغربة.
كان جواه فلاشة صغيرة، ومعاها ورقة مكتوب عليها
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مشيت من الدنيا. وفي سر لازم تعرفيه.
وصلت الفلاشة بالتليفزيون، واشتغل فيديو لهند.
كانت قاعدة قدام الكاميرا، وشكلها واضح إنه قبل وفاتها بشهور.
قالت
يا نوال... في حاجة عمري ما قدرت أقولها وأنا عايشة.
سكتت لحظة، ومسحت دموعها.
فاكرة يوم ما قلتلك إني كنت هبيع الشبكة؟... الحقيقة إني كنت كذبت عليكي.
شهقت نوال وهي بتبص للشاشة.
كملت هند
أنا عمري ما فكرت أسرقك... لكن جوزي هو اللي أجبرني آخد الشبكة. هددني إنه لو مرجعتهاش ومعايا الدهب هيضربني وهيأذي أبويا. كنت خايفة، ومش لاقية مخرج.
وبعدين قالت
أنا تحملت اللوم كله، لأني كنت فاكرة إني بحمي أهلي، لكن اكتشفت إن السكوت على الظلم بيكبره.
في آخر الفيديو ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
أوعي تخلي بنتك تسكت على أي ظلم... حتى لو كان من أقرب الناس.
أغلقت نوال الفيديو وهي تبكي بحرقة.
احتضنت ابنتها ليان، وقالت
أهم حاجة في الدنيا... إن الإنسان يلاقي حد يسمعه قبل ما يغرق لوحده.
ومن يومها، خصصت نوال جزءًا من وقتها لمساعدة النساء اللاتي يتعرضن
للعنف الأسري، حتى لا تعيش واحدة منهن ما عاشته هند.
وهكذا انتهت الحكاية، لكن بقي الدرس لا تحكم على أحد قبل أن تعرف كل الحقيقة بعد عشرين سنة...
كانت نوال قاعدة وسط أولادها، بيقلبوا في ألبوم الصور القديم.
وقفوا عند صورة الخطوبة، وإياد وهو بيلبسها الشبكة.
ابنها الكبير سألها
ماما... صحيح الصورة دي وراها حكاية؟
ابتسمت نوال وقالت
ودي أطول حكاية في حياتي.
وقبل ما تبدأ، رن جرس الباب.
فتحت، ولقت شابة في أوائل العشرينات.
قالت باحترام
حضرتك طنط نوال؟ أنا اسمي سارة... بنت هند.
اتسعت عيون نوال.
حضنتها وقالت
اتفضلي يا بنتي.
دخلت سارة، وأخرجت علبة صغيرة من شنطتها.
وقالت
ماما توفت من أسبوع... وقبل ما تموت سابتلي العلبة دي وقالت أوصلها بنفسى ليكي.
فتحت نوال العلبة وهي تبكي.
كان جواها الغويشة الوحيدة اللي هند اشترتها من شقاها بعد الطلاق.
ومعها رسالة قصيرة
يا نوال... دي أول حتة دهب اشتريتها بعرقي. مش هديه... لكنها رمز إني اتعلمت إن قيمة الإنسان مش في اللي يلبسه، لكن في أمانته. احتفظي بيها، ولما بنتك تكبر احكيلها حكايتي، يمكن تتعلم من غلطتي ومتكررهاش.
بكت نوال، وأغلقت الرسالة، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت
شايفة يا ليان؟ الإنسان ممكن يغلط... لكن أعظم حاجة إنه يعترف بغلطه ويحاول يصلحه.
في اليوم التالي، ذهبت نوال إلى قبر هند، ووضعت باقة ورد، وقالت
سامحتك من زمان... وربنا يجعل اللي بينا شفاعة لينا يوم القيامة.
ثم قرأت لها الفاتحة، وغادرت وهي تشعر أن صفحة ظلت مفتوحة سنوات طويلة قد أُغلقت أخيرًا.
تمت بعد مرور أيام، كانت نوال تظن أن كل الأسرار انتهت.
لكن وهي تقلب بين أوراق والدها القديمة بعد وفاته، لفت نظرها إيصال قديم من محل الذهب بتاريخ قبل خطوبتها بثلاثة أيام.
استغربت جدًا، لأن الإيصال كان مكتوبًا عليه
تعديل مقاس الخاتم واستبدال قطعة تالفة.
قالت لنفسها إزاي؟ إحنا عمرنا ما رجعنا الشبكة للمحل بعد ما اشتريناها!
أخذت الإيصال وذهبت إلى محل
الذهب.
صاحب المحل كان رجلًا مسنًا، وما إن رأى الإيصال حتى قال
أيوه... فاكر اليوم ده كويس.
سألته نوال بلهفة مين اللي جه بالشبكة؟
رد والد خطيبك... الله يرحمه.
اتسعت عيناها.
قال الرجل قبل الخطوبة بكام يوم، اكتشف إن في عيب بسيط في قفل الكوليه، فجاب الشبكة من غير ما يقول لحد، وطلب نصلحها بسرعة عشان متحرجوش يوم الخطوبة.
ابتسمت نوال لأول مرة وهي تسمع القصة.
قال الرجل ويومها قال لي كلمة عمري ما نسيتها... قال البنت دي داخلة بيتنا أمانة، ولازم كل حاجة تفرحها تكون كاملة.
خرجت نوال من المحل وهي متأثرة جدًا.
رجعت البيت، وحكت لإياد.
ابتسم وقال أبويا عمره ما كان بيحب يتكلم عن الخير اللي بيعمله.
في تلك الليلة، أخرجت نوال الشبكة من الخزنة، ونظرت إليها طويلًا.
ثم قالت لابنتها ليان
عارفة يا بنتي؟ الناس كلها فاكرة إن قيمة الشبكة في تمنها... لكن الحقيقة إن قيمتها كانت في الدروس اللي علمتهالنا.
وأغلقت العلبة بهدوء، بعدما أدركت أن الذكريات، مهما كانت مؤلمة، قد تتحول مع الزمن إلى حكمة تُورَّث للأجيال.
تمت القصة بعد سنوات من عمل نوال في مساعدة السيدات، كانت تظن أن قصة هند انتهت بكل أسرارها.
لكن في صباح هادئ، وصلها خطاب رسمي من المحكمة.
استغربت، لأنها لم يكن لها أي قضايا.
فتحت الخطاب، فوجدت أنها مطالبة بالحضور لاستلام أمانة مودعة باسمها منذ أكثر من عشرين عامًا.
ذهبت وهي لا تفهم شيئًا.
أخرج الموظف صندوقًا حديديًا صغيرًا، وقال
الصندوق ده اتودع باسمك من سيدة اسمها هند، وكان شرطها ما يتفتحش إلا بعد مرور عشرين سنة.
ارتجفت يد نوال وهي فتحت الصندوق.
لم تجد ذهبًا ولا أموالًا.
وجدت فقط صورة قديمة تجمعهما وهما طفلتان، ومعها خطاب.
قرأت فيه
يا نوال... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أكيد الزمن عدى، ويمكن تكوني نسيتي وجع اللي حصل. أنا كنت عايزة أفضل فاكرة إن قبل ما نبقى طرفين في حكاية الشبكة، كنا بنتين صغيرين، بنقسم السندوتش بينا ونحلم سوا. لو في حاجة
أتمنى تفضل، فهي الذكرى دي، مش ليلة الخطوبة.
وقفت نوال تبكي، ثم ضمت الصورة إلى صدرها.
خرجت من المحكمة، وبدل ما ترجع البيت،
تم نسخ الرابط