لما سمعت شرط مراتي
جملة صدمتني
لا يا ابني... مراتك ما طلبتش مني أمشي.
تجمدت مكاني.
قلت
إزاي؟!
قالت
أنا اللي مشيت بإرادتي.
بس هي قالت قدامي إنها مش عايزاني أقعد!
قالت
كانت متعصبة، لكن بعدها بساعات دخلت تعتذرلي.
سكتت وأنا مش مستوعب.
وأكملت أمي
وقالت إنها غلطانة وإنها هتكلمك الصبح.
أمال ليه سافرتي؟
نزلت أمي عينيها للأرض.
وقالت
لأني سمعت كلام بينكم وحسيت إني بقيت سبب مشكلة كبيرة.
ثم رفعت رأسها وأضافت
كنت فاكرة إن ابتعادي هيحل الأزمة.
في اللحظة دي بدأت الصورة كلها تختلف عن اللي كنت متخيله.
لا أمي كانت عايزة تخرب بيتي.
ولا مراتي كانت تكرهها بالشكل اللي صورته لنفسي.
لكن كان لسه سؤال واحد ناقص...
إذا كانت مراتي اعتذرت لأمي فعلًا...
فليه وقفت قدامي بعد كده وقالت الشرط القاسي ده؟
وليه أصرت عليه قدام أهلها؟
السؤال ده فضل معايا طول الطريق وأنا راجع للقاهرة...
ولما وصلت البيت، لقيت رسالة صوتية جديدة من مراتي مرسلة من ساعات.
ضغطت تشغيل...
وأول جملة سمعتها خلتني أقف مكاني من الصدمة
أنا قلت الشرط ده... عشان كنت بحاول أحمي حد، مش عشان أؤذي أمك.
يتبع...شغلت الرسالة الصوتية مرة تانية.
كنت محتاج أتأكد إني سمعت كويس.
أنا قلت الشرط ده... عشان كنت بحاول أحمي حد، مش عشان أؤذي أمك.
فضلت أبص للموبايل ثواني.
وبعدين كملت الرسالة
عارفة إنك مش هتصدقني بعد اللي حصل... لكن فيه حاجة ماقدرتش أقولها قدام أهلي.
وقفت الرسالة فجأة.
واضح إنها اتقطعت أو اتسجلت على جزئين.
بعدها بدقائق لقيت رسالة تانية.
شغلتها فورًا.
صوتها كان مليان بكاء
بعد ما والدتك عرفت موضوع
اتوترت وأنا بسمع.
قالت
كل شوية تبعت رسائل وتقول إنها هتفضحني قدامك وقدام العيلة.
بدأت أفهم جزء جديد من الحكاية.
لكن لسه مش فاهم علاقة أمي بالموضوع.
وفجأة قالت
وفي يوم قالت لي جملة خوفتني جدًا...
سكتت لحظة قبل ما تكمل
قالت لي لو الست الكبيرة دي فضلت تتدخل، هي اللي هتدفع التمن.
اتسعت عينيا.
الست الكبيرة...
تقصد أمي.
كملت مراتي
أنا خفت عليها. وخفت يحصلها أي أذى أو مشاكل بسبب اللي عملته عشاني.
جلست على الكرسي وأنا أسمع في ذهول.
وقالت
بدل ما أقول الحقيقة، اخترت أغلط. افتكرت إن لو والدتك بعدت عن البيت وعن المشكلة، كل حاجة هتنتهي.
أغلقت الرسالة وأنا حاسس بثقل كبير فوق صدري.
أول مرة من شهور أحس إن الصورة اللي رسمتها في دماغي كانت ناقصة.
وفي نفس الليلة طلبت أقابل مراتي.
وافقت بعد تردد.
تقابلنا في مكان هادئ بعيد عن أهلها وأهلي.
أول ما قعدت قدامي كانت ملامحها متعبة جدًا.
واضح إنها ما نامتش كويس من فترة طويلة.
قلت بهدوء
ليه ما قولتيش الكلام ده من الأول؟
نزلت عينيها وقالت
لأني كل ما كنت أحاول أشرح، كنت ألاقي نفسي غرقت أكتر في الغلط.
ثم رفعت رأسها وأضافت
ومع الوقت بقيت خايفة إنك تكرهني.
سكتنا لحظات طويلة.
وبعدين سألتها
الست دي لسه بتضايقك؟
هزت رأسها بالإيجاب.
وقالت
آخر رسالة بعتها كانت من أسبوع.
مدت لي موبايلها.
فتحت الرسائل.
وقرأت كلمات قليلة...
لكنها كانت كفاية تخلي ملامحي تتغير.
لأن اسم المرسل ماكانش اسم صاحبتها.
ولا اسم أي شخص غريب.
كان اسم شخص
شخص عمره ما خطر على بالي إنه يكون له أي علاقة بكل اللي حصل.
رفعت رأسي إليها ببطء.
وقلت بعدم تصديق
مستحيل...
ردت وهي تبكي
للأسف... دي الحقيقة.
وفي اللحظة دي بالذات، بدأت أفهم إن الأزمة الحقيقية ما كانتش بيني وبين مراتي من الأساس...
لكن بيننا وبين شخص قريب جدًا منا، كان بيحرّك الأحداث من وراء الستار طوال الشهور الماضية.
يتبع...بصيت للاسم المكتوب على الشاشة مرة واتنين وثلاثة.
كنت رافض أصدق.
قلت
أكيد فيه غلط.
هزت مراتي رأسها وقالت
يا ريت.
أخذت الموبايل منها وبدأت أراجع الرسائل.
كل رسالة كانت أوضح من اللي قبلها.
مفيش تهديد مباشر، لكن كلها تلميحات وضغط نفسي ومحاولات لإشعال الخلافات.
وأكتر حاجة صدمتني إن صاحب الرسائل كان يعرف تفاصيل مستحيل يعرفها إلا لو كان قريب جدًا من العيلة.
رفعت عيني وسألتها
إنتِ متأكدة إن ده رقمه؟
قالت
متأكدة.
سكت شوية.
ثم سألت السؤال اللي كان لازم يتسأل
ليه يعمل كده؟
ردت وهي تمسح دموعها
عشان الفلوس.
استغربت.
قالت
فاكر الأرض اللي ورثتها بعد وفاة والدك؟
هنا بدأت الصورة تقترب.
الأرض دي كانت محل كلام كتير بين أفراد العيلة من سنين.
لكن عمرها ما سببت مشكلة مباشرة.
قالت
فيه حد كان مستني إن الخلاف بينك وبين مراتك يكبر... وإن المشاكل بينك وبين والدتك تزيد.
قلت
عشان إيه؟
قالت
عشان يقنع والدتك تكتب جزء من أملاكها أو تتنازل عن حقوق معينة وهي مكسورة ومحتاجة حد يقف جنبها.
حسيت ببرودة في جسمي.
لأول مرة بدأت أفهم حجم اللعبة اللي كانت بتحصل.
وفي الأيام اللي بعدها بدأت أراجع حاجات كتير
مكالمات غريبة.
كلام كان بيتنقل من مكان لمكان.
مواقف صغيرة كنت فاكرها صدفة.
لكنها ما كانتش صدفة أبدًا.
وكان أخطر اكتشاف لما سألت أمي بشكل مباشر.
قلت لها
حد طلب منك توقعي على أوراق الفترة اللي فاتت؟
سكتت.
وبعدين قالت
أيوة.
شهقت.
وقالت
بس رفضت.
سألتها بسرعة
مين؟
نظرت لي بحزن وقالت
قريب لينا.
ورفضت تقول الاسم.
واضح إنها كانت بتحاول تحافظ على ما تبقى من صلة الرحم.
لكن الأدلة كانت بتزيد يوم بعد يوم.
وفي النهاية قررت أجمع كل الأطراف في جلسة واحدة.
أنا ومراتي وأمي وبعض كبار العيلة.
ماكنتش عايز خناقات.
كنت عايز الحقيقة وبس.
وفي يوم الاجتماع، دخل الشخص اللي كنت أشك فيه.
أول ما دخل، حسيت بالتوتر في عيون أكتر من واحد.
قعد في مكانه عادي جدًا وكأنه مش فاهم حاجة.
وبدأت أتكلم بهدوء.
عرضت الرسائل.
ثم عرضت التواريخ.
ثم حكيت كل اللي عرفته.
ومع كل كلمة كان وشه بيتغير أكتر.
لحد ما وصلت لآخر ورقة كانت معايا.
ورقة تثبت إنه حاول فعلًا يقنع أمي بالتوقيع على مستندات تخص الأرض.
ساعتها عم الصمت المكان.
وبعد دقائق طويلة من الإنكار والمراوغة...
اعترف.
اعترف إنه كان بينقل الكلام ويضخم
المشاكل.
واعترف إنه استغل خوف مراتي من أزمة الديون.
واعترف إنه كان يعتقد إن تفكك الأسرة هيخليه يحقق مصلحة شخصية.
في اللحظة دي، بصيت لأمي.
لقيتها بتبكي.
لكن مش من القهر.
من الراحة.
راحة إن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
أما مراتي فانهارت من البكاء واعتذرت لأمي قدام الجميع.
وقبل ما أمي ترد، قامت من مكانها واحتضنتها.
وقالت
كلنا بنغلط يا بنتي... المهم ما نضيعش
وساعتها عرفت إن البيت اللي كاد يضيع بسبب سوء الظن والخوف، لسه فيه أمل يتصلح.
أما الشخص اللي تسبب في كل ده، فخسر أهم حاجة كان بيحاول يكسبها...
ثقة العيلة كلها.
النهاية.