دخلت ام العريس

لمحة نيوز

منتصف الأوراق صورة لرجل غريب.
خلف الصورة مكتوب
المشتبه الرئيسي... اختفى قبل القبض عليه.
رفع حسن الصورة.
وبمجرد ما العجوز فؤاد شافها...
قال اسم الرجل.
في نفس اللحظة تقريبًا...
سقطت المفكرة من يد دنيا.
لأنها تعرفت على الاسم.
تعرفت عليه من مكان غير متوقع أبدًا.
اسم الرجل كان
عبدالحميد.
نفس الاسم الذي كانت تسمعه كل يوم تقريبًا في بيت أبو نعيمة.
الاسم الذي كان يردده أبو نعيمة عندما يتحدث في الهاتف سرًا ويغلق المكالمة فور دخول أي شخص عليه.
وساعتها فقط...
بدأت دنيا تشعر أن قصة ضياعها مرتبطة ببيت أبو نعيمة أكثر مما كانت تتخيل رجعت دنيا بذاكرتها سنين طويلة لورا.
مواقف كانت تعدي عادية وقتها...
لكن دلوقتي بقت مخيفة.
افتكرت مرة كانت صغيرة، وصحيت بالليل تشرب مية.
ولقت أبو نعيمة واقف في البلكونة بيتكلم في التليفون بصوت واطي.
أول ما شافها سكت فجأة.
وقفل المكالمة.
وقتها ما فهمتش حاجة.
لكنها سمعته قبل ما يقفل يقول
متقلقش يا عبدالحميد... محدش هيعرف حاجة.
كانت طفلة.
فنسيت الموضوع.
لكن الذكرى رجعت دلوقتي واضحة كأنها حصلت امبارح.
حسن لاحظ تغير ملامحها.
مالك؟
حكت له كل اللي افتكرته.
كل كلمة.
كل موقف غريب.
كل مرة كانت تشوف فيها خوف في عيون أبو نعيمة لما تسأله عن أهلها.
بعد ما خلصت...
سكت حسن ثواني.
ثم قال
لازم نرجع له.
في نفس الليلة.
وقفوا قدام بيت أبو نعيمة.
البيت اللي عاشت فيه دنيا عمرها كله.
لكن لأول مرة كانت داخلاه وهي حاسة إنه مليان أسرار.
فتح أبو نعيمة الباب.
وأول ما شاف حسن ودنيا مع بعض...
اتوتر بشكل واضح.
خير يا ولاد؟
دخل حسن من غير مقدمات.
وحط صورة عبدالحميد قدامه.
تعرفه؟
اختفى الدم من وجه أبو نعيمة.
ورجعت خطوات لورا.
خطوة...
واتنين...
وتلاتة.
كأنه شاف كابوس قديم رجع يطارده.
أم نعيمة خرجت من المطبخ على الصوت.
ولما شافت الصورة هي كمان...
وقعت الصينية من إيديها.
واتكسرت على الأرض.
دنيا بقت تبص لهم بعدم فهم.
إنتوا مخبيين إيه؟
لكن محدش رد.
لحد ما صرخ حسن
الحقيقة!
جلس أبو نعيمة على الكرسي.
وكان واضح إنه انهار.
رفع عينه ناحية دنيا.
ولأول
مرة من سنين طويلة...
بكت أم نعيمة.
بكاء حقيقي.
مش غيرة.
ولا غضب.
ولا ضيق.
بكاء شخص شايل حمل عمر كامل.
قال أبو نعيمة بصوت مكسور
يوم ما لقيناكي... ما كانش صدفة.
اتجمدت دنيا مكانها.
يعني إيه؟
إحنا ما لقينكيش تايهة في الشارع زي ما قولنالك.
شهقت دنيا.
أما حسن فقبض على يده بقوة.
كمل الرجل وهو يبكي
عبدالحميد هو اللي جابك لينا.
ساد الصمت.
صمت مرعب.
ثم همست دنيا
جابني؟!
هز رأسه.
قال إنك بنت يتيمة مالهاش حد... وطلب مننا نربيكي كام يوم لحد ما يرجع.
وبعدها؟
اختفى.
أم نعيمة انفجرت في البكاء.
استنيناه شهور... وبعدين سنين.
ومحدش جه يسأل عليكي.
وأبو نعيمة خاف يبلغ الشرطة بعد ما عرف إن الموضوع فيه ناس كبار ومشاكل كبيرة.
كانت دنيا تسمع الكلام كأنها في حلم.
العيلة اللي عاشت معاها عمرها كله...
كانت عارفة من البداية إنها مش بنتهم.
لكن الحقيقة كانت أعمق من كده.
أعمق بكتير.
مد أبو نعيمة إيده ناحية درج قديم.
وطلع ظرف مغبر.
وقال
كنت ناوي أحرقه ميت مرة... لكن مقدرتش.
فتح حسن الظرف بسرعة.
فوجد صورة قديمة.
فيها عبدالحميد...
واقف جنب رجل آخر.
ولما قلب الصورة...
ظهر اسم مكتوب بخط واضح.
تجمد حسن.
وشحب وجهه.
أما دنيا فسألته بقلق
فيه إيه؟
رفع الصورة ببطء.
وقال
الراجل اللي واقف جنب عبدالحميد...
هو أبويا.
وساعتها أدركوا أن اختفاء دنيا لم يكن مجرد حادثة قديمة...
بل جزء من سر عائلي أكبر بكثير مما كانوا يتخيلون تجمدت الدنيا حوالين دنيا وحسن.
كل واحد فيهم كان بيحاول يستوعب اللي سمعه.
دنيا أخدت الصورة من إيد حسن وبصت فيها كويس.
فعلاً...
الرجل اللي واقف جنب عبدالحميد كان نفس الرجل الموجود في الصور القديمة اللي فؤاد احتفظ بيها لأبوهم.
لكن السؤال اللي هزهم من جواهم كان
ليه؟
إيه العلاقة اللي كانت بين أبوهم وعبدالحميد؟
وإزاي انتهى الأمر بضياع بنت صغيرة وتشتت عيلة كاملة؟
في اليوم التالي، رجعوا لفؤاد بالصورة.
أول ما شافها تنهد طويلًا.
وقال
كنت خايف ييجي اليوم ده.
حسن قرب منه.
قول كل حاجة. من غير أسرار.
هز فؤاد رأسه ببطء.
ثم قال
أبوكم كان شريك لعبدالحميد في مشروع كبير.
لكن بعد فترة اكتشف إن عبدالحميد بيزور أوراق وبيستولى على فلوس وأراضي مش من حقه.
وبعدها؟
سأل حسن.
حصل خلاف كبير بينهم. وأبوكم هدد إنه يبلغ عنه.
فتح فؤاد درج مكتبه.
وأخرج تسجيلًا صوتيًا قديمًا كان محتفظًا به.
قال
أبوكم اداهولي قبل الحادث بأيام.
اشتغل التسجيل.
وانطلق صوت رجل مبحوح
لو حصلي حاجة... اعرفوا إن عبدالحميد وراه مصيبة كبيرة.
شعرت دنيا بقشعريرة.
أما حسن فكان يسمع وقلبه بيتقطع.
لأول مرة يسمع صوت أبوه بعد كل السنين دي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في نهاية التسجيل.
صوت الأب قال
وأمانة عندك يا فؤاد... لو ضاعت بنتي الصغيرة، دور عليها مهما طال الزمن.
انتهى التسجيل.
وساد الصمت.
دموع حسن نزلت من غير ما يشعر.
أما دنيا فكانت تبكي بصمت.
بدأوا رحلة جديدة للبحث عن عبدالحميد.
لكن الرجل كان مختفيًا من سنوات.
لا عنوان.
لا رقم.
لا أي أثر واضح.
وكأنه تبخر.
إلى أن جاء اتصال غريب بعد أسبوع.
المتصل رفض يذكر اسمه.
وقال جملة واحدة
لو عايزين عبدالحميد... روحوا المخزن القديم عند الميناء الليلة.
ثم أغلق الخط.
في المساء، ذهب حسن ومعه بعض رجال الشرطة بعد إبلاغهم بالأمر.
أما دنيا فأصرت أن تذهب معهم.
وصلوا إلى المخزن المهجور.
الأبواب كانت نصف مفتوحة.
والظلام يملأ المكان.
دخلوا بحذر.
وفجأة سمعوا صوتًا ضعيفًا من الداخل
الحقوني...
جرى الجميع ناحية الصوت.
ليجدوا رجلًا عجوزًا مقيدًا على كرسي.
هزيلًا ومتعبًا.
ولحيته بيضاء بالكامل.
رفع رأسه بصعوبة.
ونظر مباشرة إلى دنيا.
ثم انفجر بالبكاء.
وقال
سامحيني يا بنتي... سامحيني.
اتسعت عينا دنيا.
أما حسن فشهق
عبدالحميد؟!
هز الرجل رأسه وسط دموعه.
لكن قبل أن يشرح أي شيء...
انطلقت من خارج المخزن صوت خطوات سريعة.
ثم دوى صوت ارتطام قوي بالباب الحديدي.
وأدرك حسن أن هناك من لا يريد لعبدالحميد أن يتكلم أبدًا دوى صوت الارتطام مرة تانية.
لكن المرة دي كانت الشرطة جاهزة.
انتشر الضباط بسرعة حوالين المخزن.
وحاول شخصان الهرب من الباب الخلفي.
وبعد مطاردة قصيرة تم القبض عليهم.
اتضح أنهم كانوا يعملون لحساب رجل أعمال كبير كان شريكًا
لعبدالحميد في عمليات التزوير القديمة، وخاف أن تنكشف الحقيقة بعد كل هذه السنين.
جلس عبدالحميد في المستشفى تحت الحراسة.
وكان واضحًا أنه منهك من المرض والسنين.
طلب أن يتكلم مع دنيا وحسن وحدهم.
أول ما دخلوا الغرفة، انفجر في البكاء.
وقال
أنا السبب في كل اللي حصل.
وسرد الحقيقة كاملة.
بعد الخلاف بينه وبين والدهما، وقع الحادث فعلًا.
وبعد الفوضى التي حدثت، وجد دنيا وحدها تبكي.
في البداية أخذها معه خوفًا من أن تشهد ضده في أمور كان يخفيها، ثم تردد في إعادتها بعدما عرف أن الشرطة تبحث عن أطراف أخرى مرتبطة بالقضية.
ومع مرور الأيام تحولت الأيام إلى شهور، ثم إلى سنوات.
وكلما أراد إصلاح خطئه، كان الخوف يمنعه.
حتى صار أسيرًا لذنبه.
أما أمهما...
فقد كانت حية بالفعل بعد الحادث لسنوات طويلة.
وظلت تبحث عنهما بلا توقف.
وعندما استعادت ذاكرتها بالكامل، بدأت تجمع الأدلة وتكتب كل ما تعرفه في تلك المفكرة.
لكن المرض سبقها.
وقبل وفاتها بشهور قليلة تركت الرسائل والصندوق والصور عند الحاج عبدالجليل، على أمل أن يصل أولادها للحقيقة يومًا ما.
بعد انتهاء التحقيقات، أُغلقت القضية رسميًا.
واستعاد حسن ودنيا اسم عائلتهما الحقيقي وأوراقهما كاملة.
أما عبدالحميد فاعترف بكل ما فعله أمام النيابة.
ولم تطلب دنيا الانتقام.
قالت فقط
السنين اللي ضاعت مش هترجع... وربنا هو الحكم العدل.
فبكى الرجل لأول مرة براحة، بعدما حمل الذنب فوق كتفيه أكثر من عشرين عامًا.
وبعد فترة...
ذهب حسن ودنيا إلى بيت أبو نعيمة وأم نعيمة.
كانا متوترين.
خائفين أن يرفضاهما بعد كل ما حدث.
لكن المفاجأة أن أم نعيمة ما إن رأت دنيا حتى احتضنتها بقوة وبكت.
وقالت
سامحيني يا بنتي... أنا غلطت في حقك كتير.
وبكى أبو نعيمة هو الآخر.
فابتسمت دنيا وسط دموعها وقالت
أنتم
ربّيتوني وكبرت وسطكم... وده عمره ما هيتنسى.
ومن يومها لم تعد هناك عائلتان...
بل عائلة واحدة كبيرة جمعها التسامح بعد سنوات من الفقد.
وفي صباح هادئ بعد أشهر، وقف حسن ودنيا أمام قبر أمهما.
وضعا باقة ورد.
ثم قرأ حسن الفاتحة.
ونظر إلى أخته مبتسمًا.
وقال
أمي
كانت دايمًا تقول إننا لو افترقنا، ربنا هيجمعنا تاني.
ابتسمت دنيا وهي تنظر إلى السماء.
فبعد سنوات من الضياع...
وجدت أخاها.
وعرفت حقيقتها.
واكتشفت أن الحب الحقيقي لا يقاس بالدم فقط...
بل بكل قلب احتضنك وأنت تائه، حتى تجد طريقك إلى البيت من جديد.
تمت.

تم نسخ الرابط