دخلت ام العريس
المحتويات
قابلها...
أخته كانت واقفة قدامه فعلًا.
لكن قبل ما يقدر يقرب منها...
اتفتح باب الغرفة فجأة.
ودخل رجل كبير في السن يلهث وهو بيقول
أستاذ حسن! لازم تيجي حالًا... في واحد ظهر دلوقتي وبيأكد إنه الشاهد الحقيقي على اللي حصل ليلة الحادثة!
التفت حسن بسرعة.
أما الرجل فبص ناحية دنيا بصدمة شديدة وقال
معقول... البنت دي عايشة؟!
وتغير لون وشه كأنه شاف شبح من الماضي...
ودنيا حست إن السر الحقيقي لسه ما اتكشفش دنيا خطفت الصورة من إيد حسن وهي مش مصدقة.
عينيها فضلت تتنقل بين ملامح الست وبين الكلمات المكتوبة على ضهر الصورة.
يعني إيه ما ماتتش؟
همست بيها أكتر ما قالتها.
أما حسن فكان واقف مذهول.
لأن طول عمره كان فاكر إن أمه ماتت في الحادث.
وده اللي كل الناس قالوه له.
وده اللي اتربى عليه.
وده اللي عاش بيه سنين عمره كلها.
قلب حسن الظرف مرة تانية.
فوقع منه ورقة صغيرة مطوية.
فتحها بسرعة.
وكان مكتوب فيها
لو عايزين تعرفوا الحقيقة... روحوا بيت الحاج عبد الجليل في قرية السواقي القديمة. هو الوحيد اللي يعرف كل حاجة.
اتبادل الأخوات النظرات.
الاسم كان غريب عليهم.
لكن واضح إن اللي بعت الرسالة قاصد يوصلهم لطريق معين.
بعد يومين كانوا واقفين قدام بيت قديم في طرف القرية.
البيت شبه مهجور.
والحيطان متشققة.
والباب الخشبي متآكل من الزمن.
خبط حسن الباب.
وبعد دقائق طويلة فتح رجل عجوز الباب.
أول ما شاف الصورة في إيد دنيا...
اتغير لون وشه.
وقال بصوت مرتعش
أخيرًا... جيتوا.
دخلوا البيت.
والعجوز قعد قدامهم وهو بيبص لهم كأنه شايف أشباح من الماضي.
قال حسن مباشرة
إحنا عايزين الحقيقة.
تنهد الرجل طويلًا.
وقال
أمكم كانت عايشة بعد الحادث فعلًا.
دنيا شهقت.
أما حسن فقبض على طرف الكرسي بقوة.
إزاي؟!
رد العجوز
بعد الحادث اتصابت إصابة خطيرة وفقدت ذاكرتها لفترة طويلة. الناس افتكرت إنها ماتت، لكن الحقيقة إنها اتنقلت لمستشفى بعيد وماحدش عرف يوصلها.
سكت لحظة.
ثم أكمل
ولما بدأت
الدموع نزلت من عيون دنيا بلا توقف.
سنين كاملة كانت فاكرة نفسها يتيمة.
وحسن كمان.
وفجأة ظهر أمل جديد.
هي فين دلوقتي؟
سأل حسن بسرعة.
لكن العجوز نزل بعينيه للأرض.
وساد صمت ثقيل.
في إيه؟
قالها حسن بقلق.
رفع العجوز رأسه وقال
كانت هنا من شهرين.
اتسعت عيون دنيا.
يعني سابت المكان؟
هز رأسه ببطء.
كانت مريضة جدًا... وقبل ما تمشي سابت أمانة ليكم.
قام من مكانه واتجه ناحية دولاب قديم.
فتح درجًا سريًا.
وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وحطه قدامهم.
إيد دنيا كانت بترتعش وهي بتفتحه.
في الداخل كان فيه
عقد قديم.
وصور.
وخاتم.
ومفكرة جلد صغيرة.
لكن الحاجة اللي لفتت انتباه حسن فورًا...
كانت صورة حديثة نسبيًا لأمهم.
مكتوب خلفها تاريخ من شهرين فقط.
يعني كانت قريبة جدًا منهم.
أقرب مما كانوا يتخيلوا.
فتح حسن المفكرة بسرعة.
وفي أول صفحة قرأ
لو أولادي وصلوا للمفكرة دي، يبقى الوقت قرب أعرفهم الحقيقة كلها... الحقيقة اللي خبيتُها خوفًا عليهم من الرجل اللي دمر حياتنا.
نظر حسن إلى دنيا.
ونظرت له هي بخوف.
ثم قلب الصفحة التالية.
فتجمدت ملامحه فجأة.
وشحب وجهه بشكل مخيف.
إيه؟!
سألت دنيا بلهفة.
لكن حسن ما ردش.
كان بيبص على اسم مكتوب في الصفحة.
اسم شخص يعرفه جيدًا جدًا...
شخص موجود في حياته من سنين.
وشخص عمره ما تخيل إنه يكون له علاقة باختفاء أمه وضياع أخته.
رفع عينيه ببطء نحو دنيا وقال
الظاهر إن اللي بدأ الحكاية زمان... لسه موجود لحد النهارده سادت لحظة صمت ثقيلة.
حسن قرب خطوة من الرجل وقال بحدة
تعرفها منين؟
الرجل فضل يبص لدنيا وعينيه مليانة ذهول.
وبعدين قال بصوت متقطع
دي... دي نفس الطفلة.
دنيا عقدت حاجبيها.
طفلة إيه؟
بلع الرجل ريقه وقال
من أكتر من عشرين سنة... كنت شغال سواق أتوبيس بين المحافظات. وفي يوم حصلت حادثة كبيرة على الطريق.
حسن اتجمد مكانه.
أما دنيا فحست إن قلبها هيخرج من مكانه.
كمل الرجل
كان فيه طفل
شهقت دنيا.
وحسن قبض على إيده بقوة.
تقصد إني أنا ودنيا؟
هز الرجل رأسه.
أيوة... وأنا عمري ما نسيت وشوشكم.
خرج حسن مع الرجل بسرعة لسماع شهادته كاملة.
أما دنيا فرجعت الحجز وهي لأول مرة من سنين حاسة إن ربنا بدأ يفتح لها باب.
في اليوم التالي...
بدأ حسن يقلب الدنيا كلها.
راجع محاضر قديمة.
وسأل شهود.
ودور في أرشيف الحوادث.
لحد ما وصل لحقيقة مهمة جدًا.
الراجل اللي اتهم دنيا بالاعتداء عليه...
عنده سوابق كتير في التعرض للبنات ومضايقتهن.
وفيه بلاغات قديمة ضده.
لكن أغلب الضحايا كانوا بيتراجعوا خوفًا من الفضيحة.
وفي الجلسة التالية...
كانت القاعة مليانة.
حسن وقف بثقة وقال
سيادة المستشار، الدفاع عنده شاهد جديد وكاميرات إضافية تم استخراجها من محل آخر قريب من مكان الواقعة.
بدأ الفيديو يشتغل.
وظهر الراجل وهو يترنح في الشارع.
ثم يقترب من دنيا.
ثم يحاصرها عند الحائط.
ثم يحاول الإمساك بها بالقوة.
أما هي...
فكانت بتتراجع في رعب واضح.
القاعة كلها سكتت.
والقاضي تابع الفيديو للنهاية.
ثم نظر إلى الأوراق أمامه طويلًا.
بعد أيام من الانتظار...
صدر القرار بإخلاء سبيل دنيا وبراءتها من التهمة.
أول ما سمعت الحكم...
انهارت من البكاء.
مش بسبب القضية فقط.
لكن لأن أول شخص استقبلها خارج المحكمة كان حسن.
واقف مستنيها.
مبتسم.
وعينيه مليانة دموع.
لأول مرة من سنين طويلة...
حست إنها مش لوحدها.
مرت أسابيع.
بدأت دنيا تتعرف على تفاصيل حياتها القديمة.
صور.
أوراق.
ذكريات.
وحسن كان يحاول يعوضها عن كل سنة ضاعت.
لكن في أحد الأيام...
وصل ظرف قديم إلى مكتب حسن.
المرسل مجهول.
فتح الظرف باستغراب.
فوجد صورة باهتة جدًا.
فيها طفل صغير...
ودنيا وهي طفلة...
ومعهم امرأة شابة تحتضنهما.
على ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة بخط مرتعش
لو لقيتوا الصورة دي... اعرفوا
تجمد حسن مكانه.
وسقطت الصورة من يده.
أما دنيا...
فلما قرأت الجملة، شعرت أن رحلة البحث الحقيقية بدأت الآن دنيا قربت منه بسرعة.
حسن... مين؟!
لكن حسن فضل ساكت للحظات.
عينه مثبتة على الاسم المكتوب في المفكرة.
وكأن عقله رافض يصدق.
مدت دنيا إيدها وخدت المفكرة منه.
وبصت على الصفحة.
لكن الاسم ما كانش يعني لها حاجة.
قالت باستغراب
مين الأستاذ فؤاد المنشاوي؟
تنهد حسن ببطء.
وقال
مش مجرد أستاذ... ده الراجل اللي رباني.
اتسعت عينا دنيا.
إيه؟!
بعد ما ضعت منك، هو اللي تكفل بمصاريف تعليمي. وكان دايمًا يقول إنه صاحب فضل على عيلتنا.
سكت لحظة.
ثم أكمل
عمره ما خلاني أحتاج حاجة.
العجوز هز رأسه بحزن.
عشان كده أمكم كانت خايفة.
خايفة من إيه؟
سأل حسن.
رد الرجل
لأنها اكتشفت متأخر إن الحادث ما كانش مجرد حادث.
ساد الصمت.
وكأن البيت كله توقف عن التنفس.
تقصد إيه؟
قالتها دنيا وهي ترتجف.
فتح العجوز المفكرة على صفحة معينة.
وكان فيها كلام بخط متعب ومتقطع
في الليلة اللي ضاع فيها أولادي، سمعت فؤاد بيتخانق مع أبوهم بسبب ورث كبير وأرض واسعة. وبعدها بساعات حصل الحادث.
بلع حسن ريقه بصعوبة.
أما دنيا فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
رجعوا المدينة وكل واحد فيهم غارق في أفكاره.
لكن حسن رفض يصدق أي اتهام بدون دليل.
قرر يواجه فؤاد بنفسه.
في مساء اليوم التالي دخل مكتبه الكبير.
كان الرجل في أواخر الستينات.
هيبته ما زالت قوية.
أول ما شاف حسن ابتسم.
نورت يا ابني.
لكن حسن ما ابتسمش.
ووضع المفكرة على المكتب.
اختفت الابتسامة من وجه فؤاد فورًا.
ولأول مرة...
ظهر الخوف في عينيه.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم قال فؤاد بصوت منخفض
منين جبت دي؟
جاوبني الأول.
رد حسن بحدة.
تعرف أمي؟
تنهد الرجل.
وأغلق عينيه.
كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
ثم قال
أيوه.
دنيا كانت واقفة بجوار الباب.
ولما سمعت الإجابة شهقت.
أما حسن فشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه.
والحادث؟
رفع فؤاد رأسه ببطء.
وقال
الحادث حصل فعلًا... لكن فيه حد استغله.
مين؟!
ضرب حسن المكتب بقبضته.
لكن فؤاد أخرج من درج مكتبه ملفًا قديمًا.
ملف أصفر متآكل من الزمن.
وقال
قبل ما تحكموا عليا... شوفوا ده.
فتح حسن الملف.
فوجد صورًا وأوراق تحقيق قديمة.
وتقارير لم يرها من قبل.
وفي
متابعة القراءة