جوزى كان بيعمل ضرتى كأنها ملكة

لمحة نيوز

مكاني.
ومشيت ناحيتها.
وحضنتها.
البنت انفجرت في البكاء.
وقلت لها
طول ما أنا عايشة... مش هتكوني لوحدك.
في مساء اليوم نفسه...
رجعت البيت.
وحكيت لمحمود كل حاجة.
فضل ساكت شوية.
ثم قال
سعاد كانت نفسها تعمل كده من زمان.
تعمل إيه؟
تصلح اللي أفسدته.
وفي الأسبوع اللي بعده...
بدأت البنت تشتغل معانا في الجمعية.
ومع الوقت...
بقت واحدة من أنجح الناس فيها.
وفي يوم، بعد سنوات، وقفت هي نفسها على المسرح في احتفال كبير.
وقالت قدام الجميع
حياتي اتغيرت بسبب ست قررت ترد الأذى بالرحمة.
ساعتها بصيت للسماء.
وافتكرت سعاد.
وابتسمت.
لأن بعض الناس بيتأخروا جدًا في فهم معنى الحياة...
لكن أول ما يفهموه، بيسيبوا أثرًا ما بيموتش.
وهكذا اكتملت الحكاية.
حكاية بدأت بالظلم...
ومرت بالصبر...
وانتهت بالمغفرة.
وبقي اسم نادية يُذكر في كل مكان ليس لأنها كانت ضحية يومًا ما...
بل لأنها اختارت أن تكون سببًا في نجاة الآخرينبعد الاحتفال بسنة تقريبًا...
كنت قاعدة في شرفة البيت وقت الغروب.
الهواء هادي.
وصوت الأذان جاي من بعيد.
وأحفادي بيلعبوا في الجنينة.
بقيت أتفرج عليهم وأبتسم.
وأقول لنفسي
معقول كل اللي عشته ده عدى فعلًا؟
في اللحظة دي، جالي حفيدي الكبير.
نفس الطفل الصغير اللي كشف الحقيقة يوم ما سعاد رفعت إيدها عليا.
لكن دلوقتي بقى شاب طويل وفي آخر سنة جامعة.
قعد جنبي وقال
تيتا... ممكن أسألك سؤال؟
قلت
طبعًا.
قال
لو رجع بيكي الزمن... كنتِ هتختاري نفس الحياة؟
السؤال فاجئني.
وسكت شوية.
بصيت للسماء.
ثم قلت
لا.
اتصدم.
وقال
لا؟
ابتسمت وقلت
كنت هختار حياة أسهل.
من غير دموع كتير.
من غير ظلم.
من غير ليالي طويلة من الوجع.
ثم سكتُّ لحظة وأكملت
لكن لو سألتني هل أندم على اللي حصل؟ هقولك لا برضه.
قال باستغراب
ليه؟
قلت
لأن كل حاجة حصلت صنعت الإنسانة اللي أنا بقيت عليها.
لو ما اتوجعتش...
مكنتش هفهم وجع الناس.
ولو ما انكسرتش...
مكنتش هعرف أساعد حد مكسور.
ولو ما سامحتش...
مكنتش هعرف يعني
إيه سلام.
ظل يفكر في كلامي طويلًا.
ثم قال
أنا عايز أبقى زيك.
ضحكت.
وقلت
لا يا حبيبي.
ابقى أحسن مني.
دي أمنيتي.
مرّت الشهور.
ثم السنوات.
وفي عيد ميلادي الثمانين...
اجتمعت العيلة كلها.
أولادي.
وأحفادي.
وأولاد أحفادي.
والجمعية اللي بدأت من أوضة صغيرة بقى ليها فروع كتير.
وفي نهاية الحفل، طلبوا مني أطلع أقول كلمة.
وقفت بصعوبة بسيطة بسبب السن.
وأمسكت الميكروفون.
وكانت القاعة كلها ساكتة.
قلت
طول عمري كنت فاكرة إن أقوى الناس هم اللي ما بيقعوش.
لكن اتعلمت إن أقوى الناس هم اللي بيقعوا... ويقوموا تاني.
وسكتُّ لحظة.
ثم أكملت
ولو في حاجة أتمنى الناس تفتكرها عني بعد ما أمشي...
فهي إني حاولت أكون رحيمة.
بس.
مش أكتر.
الناس كلها وقفت تصفق.
وأحفادي كانوا يبكوا.
أما محمود...
فكان جالسًا في الصف الأول.
شعره أبيض مثلي.
وعيناه مليئتان بالدموع.
ولما نزلت من على المسرح...
مسك إيدي كما كان يفعل دائمًا في آخر سنوات عمرنا.
وهمس
سامحيني على كل يوم اتأخرت فيه عن نصرتك.
ابتسمت.
وقلت
خلاص يا محمود...
الحساب ده اتقفل من زمان.
وفي تلك الليلة...
وأنا محاطة بكل من أحببتهم...
شعرت براحة لم أعرفها من قبل.
راحة إن الرحلة الطويلة لم تذهب هباءً.
وأن البيت الذي امتلأ يومًا بالظلم...
امتلأ أخيرًا بالمحبة.
وأن قصة نادية لم تعد قصة امرأة صبرت فقط...
بل قصة امرأة حوّلت الألم إلى نورٍ بقي بعد عمرها كله. مرت سنوات أخرى...
وفي أحد الأيام، بعد عيد ميلادي الثالث والثمانين بشهور قليلة، كنت جالسة في غرفتي أرتب بعض الأوراق القديمة.
كنت أحب الاحتفاظ بالرسائل.
والصور.
وكل الذكريات التي صنعت العمر.
وبين الأوراق، وجدت دفتراً صغيراً لم أره منذ سنوات.
فتحته.
فوجدت أول صفحة مكتوب فيها بخط يدي
الأشياء التي أتمنى أن أفعلها إذا جاءتني فرصة ثانية.
ابتسمت.
لأنني كتبت تلك الكلمات وأنا في الأربعين تقريباً.
في أصعب أيام حياتي.
وقت ما كنت أشعر أن عمري يضيع بين خدمة الناس وتحمل الأذى.
وبدأت
أقرأ.
أسافر إلى البحر.
أتعلم الرسم.
أفتح مشروعاً يساعد السيدات.
أعيش يوماً واحداً من غير خوف.
توقفت فجأة.
لأن كل أمنية تقريباً كانت قد تحققت.
بطريقة أو بأخرى.
جلست صامتة.
وأدركت شيئاً غريباً.
أنني طوال سنوات كنت أظن أن السعادة حدث كبير.
مفاجأة عظيمة.
معجزة تنزل من السماء.
لكن الحقيقة أنها جاءت على هيئة أشياء صغيرة جداً.
فنجان قهوة هادئ.
ضحكة حفيد.
اعتذار صادق.
ليلة أنام فيها من غير وجع في قلبي.
وفي مساء ذلك اليوم...
طلبت أن يجتمع كل أفراد العائلة.
جاؤوا جميعاً.
الكبير قبل الصغير.
وامتلأ البيت كعادته.
لكن هذه المرة لم يكن هناك شجار.
ولا غيرة.
ولا منافسة.
فقط حب.
أخرجت الدفتر القديم.
وأعطيته لحفيدي الأكبر.
وقلت له
احتفظ به.
سألني
ليه يا تيتا؟
قلت
عشان تفتكر دايماً إن الإنسان ما يدفنش أحلامه حتى لو اتأخرت سنين.
ثم نظرت للجميع.
وقلت بابتسامة
وأوعوا تستنوا أربعين سنة عشان تقولوا كلمة طيبة للي بتحبوهم.
ساد الصمت.
ثم بدأت الدموع تنزل من أكثر من عين.
وفي تلك الليلة...
جلسنا نحكي الذكريات حتى الفجر.
نتذكر من رحلوا.
ونضحك على المواقف القديمة.
ونحمد الله على كل ما بقي.
وفي آخر السهرة...
وقفت أمام نافذة البيت.
أنظر إلى الحديقة التي لعب فيها أولادي ثم أحفادي.
وشعرت بامتنان عميق.
امتنان لكل شيء.
حتى للأيام الصعبة.
لأنها هي التي جعلت الأيام الجميلة تستحق أن تُعاش.
وربما كانت هذه هي أعظم حكمة خرجت بها من العمر كله
ليس المهم كم مرة ظلمك الناس...
المهم كم مرة اخترت أن تبقى إنساناً رغم ذلك.
وأغلقت نادية دفتر الذكريات.
بينما كان صوت ضحكات عائلتها يملأ البيت.
البيت الذي بدأ بالحزن...
وانتهى ممتلئاً بالحب.
ستار. لكن يبدو أن بعض الحكايات لا ينزل عليها الستار بسهولة...
بعد تلك الليلة بأيام، كان حفيدي الأكبر يقلب في الدفتر الذي أعطيته له.
وفجأة وجد بين الصفحات ورقة مطوية لم أنتبه لوجودها.
ورقة صفراء قديمة جدًا.
فيها كلمات قليلة بخط أمي.
أمي التي
رحلت منذ أكثر من خمسين سنة.
قرأها ثم جاءني مسرعًا.
وقال
تيتا... شوفي دي.
أخذت الورقة.
وأول ما وقع بصري على الخط، شعرت أن الزمن رجع بي عشرات السنين.
كانت رسالة قصيرة.
كتبتها أمي قبل وفاتها بأشهر.
وفي آخرها جملة جعلت دموعي تنزل فورًا
يا نادية... إذا ضاقت بك الدنيا يومًا، تذكري أن الإنسان لا يُقاس بما يأخذه من الحياة، بل بما يتركه فيها.
ظللت أنظر للجملة طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني أدركت أن كل ما فعلته طوال حياتي...
لم يكن إلا محاولة بسيطة لتنفيذ وصية أمي دون أن أشعر.
بعدها بأسابيع...
اقترح أحفادي فكرة جديدة.
قالوا
عايزين نوثق قصة الجمعية وبدايتها.
قلت ضاحكة
وإيه اللي يستاهل يتوثق؟
قال حفيدي
الناس لازم تعرف إن حاجة كبيرة بدأت من ست بسيطة رفضت تستسلم.
وبالفعل بدأوا يجمعون الصور والرسائل والذكريات.
وأجروا مقابلات مع سيدات كثيرات تغيرت حياتهن بسبب الجمعية.
إحداهن قالت
كنت داخلة الجمعية وأنا مكسورة... خرجت منها وأنا قادرة أصرف على أولادي.
وأخرى قالت
نادية ما أعطتناش فلوس بس... أعطتنا ثقة في نفسنا.
كل شهادة كنت أسمعها كانت تجعلني أشعر بالخجل.
لأنني لم أكن أرى نفسي بطلة أبدًا.
كنت فقط أحاول أن أفعل ما أستطيع.
وفي يوم افتتاح معرض الصور الخاص بتاريخ الجمعية...
علّقوا صورة كبيرة جدًا عند المدخل.
صورتي.
اعترضت طبعًا.
وقلت
شيلوها.
لكن أحفادي رفضوا.
وقالوا
الناس محتاجة تشوف وش الإنسان اللي بدأ الحكاية.
فوقفت أمام الصورة.
أتأملها.
ثم ضحكت.
وقلت
سبحان الله...
زمان كنت أبكي لأن لا أحد يراني.
والنهارده أتمنى أحيانًا أن يتركوني أختبئ قليلًا.
فضحك الجميع.
ومرت الأيام.
ثم الشهور.
ثم الأعوام.
وكان كل جيل جديد في العائلة يسمع الحكاية من الجيل الذي قبله.
لكن الجميل أن التفاصيل كانت تتغير.
أما الرسالة فكانت تبقى نفسها
أن الكرامة مهمة.
وأن الرحمة أقوى من القسوة.
وأن الاعتذار لا يُنقص من قيمة صاحبه.
وفي أحد الأيام، سألني أصغر أحفادي
تيتا... إنتِ مبسوطة؟

نظرت إليه.
ثم نظرت حولي.
إلى البيت.
والعائلة.
والوجوه التي أحببتها.
وقلت بابتسامة هادئة
جدًا.
قال
ليه؟
ربتُّ على رأسه وقلت
لأن ربنا عوضني بأكثر مما تمنيت.
ولأن النهاية الحقيقية لأي إنسان...
ليست يوم يرحل.
بل يوم يترك وراءه قلوبًا تدعو له بالخير.
وبقيت ضحكته الصغيرة ترن
تم نسخ الرابط