كل يوم جمعه

لمحة نيوز

الدور اتغير فعلاً.
ومع مرور الوقت، حتى العلاقة بيننا بقيت أبسط.
مفيش توتر قديم.
مفيش توقعات غير معلنة.
فيه بس وضوح.
وفي يوم هادي جدًا، قعدت لوحدي في البلكونة بعد الغروب.
أحمد جه قعد جنبي وقال
فاكرة يوم ما قررتي توقفي كل حاجة؟
قلت له
فاكرة إني كنت خايفة وقتها
قال
بس وقفك ده هو اللي خلّى كل حاجة تمشي صح بعد كده.
سكتنا شوية.
وبعدين قال
أنا فخور إنك ما استنيتيش حد يفهمك إنتي فهمتي نفسك الأول.
بصيت قدامي، على الشارع الهادي، وقلت
يمكن ده أهم قرار في حياتي إني ما أكملش حاجة بتكسرني وأنا ساكتة.
وفي اللحظة دي
ما كانش في حاجة كبيرة بتحصل.
بس كان في إحساس كبير بالسلام.
سلام مش مبني على إن كل حاجة مثالية
لكن على إن كل واحد فينا بقى عارف حدوده، وبيحترم حدود التاني.
وساعتها بس، فهمت إن النهاية الحقيقية للقصة دي
مش في تغيير يوم جمعة
لكن في تغيير حياة كاملة بدأت بكلمة كفاية ومع إن كلمة كفاية كانت بداية التغيير، إلا إن تأثيرها فضل يكبر مع الوقت بشكل أعمق مما توقعت.
البيت بقى فيه نوع من التوازن مش مثالي، لكن مستقر.
كل واحد فيه بقى عارف إنه مسؤول، لكن مش لوحده.
وفي مرة، أخو أحمد الصغير قال وهو بيهزر
أنا فاكر زمان كنتوا بتستنزفوا طنطا كلها في يوم الجمعة!

ضحكنا كلنا، حتى أحمد ضحك وقال
كنا فاكرين ده كرم طلع ده كان إرهاق متغلف بالعادة.
الكلام كان خفيف، بس حقيقي.
وأنا وقتها حسّيت إننا مش بس عدّلنا نظام إحنا عدّلنا مفهوم كامل عن الواجب.
وفي يوم من الأيام، حصل موقف بسيط جدًا
كنت تعبانة من الشغل، وراجعة البيت متأخرة.
وأول ما دخلت، لقيت أحمد محضر أكل بسيط، والأولاد قاعدين مستنيني.
قال لي
النهارده دورك ترتاحي مفيش أي حاجة عليك.
وقتها حسّيت بشيء غريب امتنان مش بس له، لكن لنفسي كمان.
لإني أخيرًا وصلت لمرحلة إني ما أقبلش أكون مرهقة طول الوقت.
وفي آخر جمعة من الشهر، قعدنا كلنا على السفرة بعد أكل بسيط جدًا.
الجو كان هادي، لكن دافئ.
وأحمد قال فجأة
عارف إيه أجمل حاجة في اللي حصل؟
سألناه.
قال
إن البيت بقى بيت مش مشروع شغل.
سكتنا لحظة، وبعدين ضحكنا.
بس الضحك كان مختلف فيه فهم، وفيه رضا.
وبعد ما الناس مشيت، قعدت أنا وهو في المطبخ ننضف سوا.
مش بسرعة زي زمان لكن بهدوء.
وقال وهو بيرص الطبق
تفتكري لو ماكنتيش وقّفتي وقتها، كنا وصلنا لإيه؟
قلت له
كنا هنفضل فاكرين إننا عايشين صح وإحنا أصلاً مش مرتاحين.
هزّ راسه وقال
الحمد لله إنك وقفتي.
وساعتها بس
حسّيت إن القصة كلها، من أول جمعة مرهقة لآخر جمعة هادية
ماكانتش
عن تغيير نظام.
لكن عن إن حد أخيرًا قرر يحافظ على نفسه ويخلي الآخرين يشوفوه بوضوح ومع استمرار الأيام، الهدوء اللي في البيت ما بقاش محتاج مجهود عشان يتثبت بقى طبيعي.
حتى الخلافات لو حصلت، ما بقتش بتكبر زي الأول.
بقت مجرد كلام يتقال ويتفهم ويتقفل عليه.
وفي مرة،
وأنا براجع شغل في أوضة الصالون، لقيت أحمد قاعد بعيد شوية بيبصلي.
سألته
فيه حاجة؟
قال
كنت بفكر إزاي إحنا اتغيرنا بالشكل ده؟
قلت له وأنا باصة في الورق
مش مرة واحدة خطوة خطوة.
سكت شوية وبعدين قال
بس البداية كانت منك.
رفعت عيني له
البداية كانت لما حد فينا وقف وقال مش هكمل بنفس الطريقة.
هزّ راسه وقال
يمكن بس مش أي حد كان هيقدر يعمل كده.
وساعتها سكتنا.
لأننا الاتنين كنا عارفين إن الكلام مش عن بطولة لكن عن تراكم ضغط كان لازم يطلع في لحظة.
وفي يوم جمعة هادي جدًا، من غير أي ضيوف، قعدنا كلنا نتفرج على فيلم في الصالون.
ضحكنا، واتكلمنا، وأكلنا فشار بسيط.
وأحمد بصلي فجأة وقال
فاكرة أيام الجمعة اللي كانت بتخلص وإنتي مش قادرة تقفي؟
قلت له
فاكرة إني كنت بعتبرها عادية.
قال
دلوقتي عرفت إنها كانت مش عادية خالص.
سكت لحظة وبعدين كمل
دلوقتي الجمعة بقت يوم نستناه مش يوم نخلصه.
ابتسمت من غير ما أرد.
لأن الجملة
دي كانت كفاية.
وفي آخر الليل، لما الناس مشيت والنور خف، وقفت في المطبخ لوحدي ثواني.
بصيت على المكان اللي كان زمان رمز للتعب وبقى مكان عادي.
وهمست لنفسي
مش كل القصص لازم تنتهي بحدث كبير
فيه قصص بتنتهي لما الألم مايبقاش أسلوب حياة وفي جمعة هادية جدًا، من غير ضيوف ولا تجهيزات ولا جري من الصبح
قعدنا كلنا على السفرة بشكل بسيط.
أكل عادي، كلام عادي، وضحك خفيف من غير أي توتر.
وأحمد بص حواليه وقال بابتسامة
هو ده البيت اللي كنت نفسي فيه من زمان بس مكنتش أعرف أعمله.
سكت لحظة، وبعدين بصلي
شكرًا إنك علمتينا نعيش صح.
ما رديتش بكلام كتير بس ابتسمت.
لأن الحقيقة إن الموضوع ماكنش تعليم كان صحوة حصلت متأخرة شوية، بس في وقتها المناسب.
بعد ما الناس مشيت، قعدت في المطبخ أرتب بهدوء.
مش مرهقة مش مضغوطة لأول مرة حاسة إن المكان ده مش عبء.
دخل أحمد، وقف جنبي وقال
لسه حاسة إنك محتاجة تثبتي حاجة؟
هزّيت راسي
لا أنا خلاص فهمت مكاني.
سكت، وبعدين قال
وأنا فهمت إن البيت مش بيقف على شخص واحد.
وقتها قفلت الدرج، ولفيت له.
وقلت
وإن الحب الحقيقي مش في إن حد يذوب نفسه لكن في إننا نفضل واقفين سوا.
ابتسم.
وقعدنا سوا في المطبخ، من غير كلام كتير.
بس المرة دي
الهدوء ماكنش تعب.
كان
راحة.
وساعتها بس فهمت إن النهاية الحقيقية للقصة دي
مش إن كل حاجة بقت مثالية.
لكن إن ولا حد فينا بقى بيختفي عشان يعيش غيره.

تم نسخ الرابط