كل يوم جمعه

لمحة نيوز

هقدر أعمل كل حاجة لوحدي.
من غير ما أحس بالذنب اللي كان زمان بيخليني أكمل وأنا بتكسر جوايا.
البيت نفسه بقى شكله أهدى مش في الشكل بس، لكن في الإحساس.
مفيش توتر مستني يوم معين ييجي يمتحنني.
ومفيش توقعات تقيلة أنا شايلة همّها لوحدي.
وفي مرة من المرات، قعدت مع حماتي في الصالون بعد الغدا، والكل مشي.
قالتلي فجأة
عارفة؟ أنا كنت فاكرة إن الست الشاطرة هي اللي تستحمل.
بصيت لها من غير ما أقاطع.
وكملت هي
بس اتعلمت إن الاستحمال لوحده مش كفاية لازم حياة تتوزع على الكل.
هزّيت راسي بهدوء.
وقلت لها
وأنا اتعلمت إن السكوت على التعب مش فضيلة.
سكتنا شوية.
بس المرة دي السكوت كان مريح.
مش تقيل.
وفي آخر جمعة من الشهر ده، أحمد جه وقعد جنبي وقال
أنا عايز أقولك حاجة
بصيت له.
قال
أنا فخور بيكي مش عشان بتعملي كل حاجة لكن عشان وقفتي وغيّرتي حاجة كانت غلط.
ابتسمت.
مش ابتسامة كبيرة لكن ابتسامة اللي ارتاح من جوه.
وبعدها ما اتكلمناش كتير.
بس كنا قاعدين في نفس المكان، من غير أي ضغط، ومن غير أي دور مفروض على حد.
وساعتها فهمت حاجة أخيرة
إن القصة اللي بدأت بيوم جمعة مرهق
انتهت بحياة أخف.
مش لأن الناس اتغيرت فجأة
لكن لأن حد قرر يوقف الاستنزاف ويبدأ يعيد ترتيب الحياة بهدوء ومع الوقت، بقى عندنا شيء أغرب من التغيير نفسه الاستقرار.
مش استقرار جامد أو ممل، لكن استقرار مبني على تفاهم.
بقى كل واحد في البيت يعرف إن المساعدة مش دور شخص واحد، وإن البيت مش مسؤولية فرد.
حتى الضيوف اللي كانوا بييجوا زمان كل جمعة، بقوا ييجوا على فترات، من غير ضغط يوم محدد لازم يجهز بالكامل.
وأنا بقيت أستغرب من نفسي أحيانًا
إزاي كنت قادرة سنين أشيل كل ده لوحدي وأنا فاكرة إن ده الطبيعي؟

وفي مرة، وأنا بجهز شاي بالنعناع في المطبخ، دخلت عليا بنت أخت أحمد الصغيرة.
وقفت جنبي وقالت ببراءة
هو ليه إنتي ما بقيتيش بتطبخي كتير زي زمان؟
ابتسمت وقعدت على الكرسي الصغير قدامها.
وقلت لها بهدوء
عشان الطبخ مش شغل شخص واحد ده حاجة بنعملها كلنا.
هزّت راسها وكأنها فهمت المعنى أكبر من سنها.
وفي نفس اللحظة، أحمد كان واقف على الباب سامع.
ابتسم وقال
كويس إن الجيل الجديد هيبدأ صح.
ضحكت وقلت له
مش بس الجيل الجديد إحنا كمان بدأنا صح متأخر شوية.
ومرت الأيام
وبقت حياتنا أبسط.
مش مثالية.
بس حقيقية.
فيها يوم نرتاح فيه من غير تأنيب ضمير.
وفيها يوم نساعد فيه بعض من غير ما نحس إنها تضحية.
وفي آخر جمعة من السنة، كلنا قاعدين على السفرة.
من غير تجهيز مبالغ فيه.
من غير توتر.
أحمد رفع كوباية العصير وقال
على التغيير اللي خلانا أقرب لبعض.
الكل ضحك ورفع معاه.
وأنا بصيت حواليا
ولقيت إن نفس البيت اللي كان زمان بيتعبني
بقى بيت بحبه أعيش فيه.
ومن غير ما أتكلم كتير، قلت جوايا
مش كل التغييرات لازم تكون كبيرة
بعضها بس قرار إنك ما تكملش نفس التعب لوحدك تاني ومع نهاية السنة دي، حسّيت إن القصة اللي عشناها مش بس تغيير نظام جمعة دي كانت إعادة تعريف لحياتنا كلها.
مشيت الأيام بعدها بشكل طبيعي، لكن المختلف إن مفيش ضغط خفي كان بيحركنا.
بقيت أشتغل، وأزور بابا وماما براحة أكتر، وأرجع البيت من غير إحساس إني متأخرة عن واجب.
وأحمد كمان اتغير في حاجات صغيرة مش كلام كبير، لكن تصرفات.
بقى لما يرجع من الشغل، يسأل
إنتي محتاجة حاجة؟
مش الأكل جاهز؟
ودي لوحدها كانت فرق كبير.
وفي مرة، بابا بعد ما خفّ وبقى كويس، قعد معايا وقال
أنا مبسوط إنك بقيتي أهدى كنت دايمًا حاسس
إنك شايلة أكتر من طاقتك.
ابتسمت وقلت له
كنت فاكرة إن ده الطبيعي.
قال
الطبيعي إنك تعيشي مش تتسحبي من حياتك عشان ترضي الكل.
الجملة دي فضلت في دماغي أيام طويلة.
وفي جمعة بسيطة جدًا، من غير أي مناسبة، قعدت مع أحمد على السفرة بعد ما خلصنا أكل بسيط عملناه سوا.
بصلي وقال بهدوء
عارفة إيه أكتر حاجة اتغيرت فينا؟
قلت له
إيه؟
قال
إننا بقينا نسمع بعض قبل ما نحكم.
سكت لحظة، وبعدين كمل
وقبل ما نطلب من حد يضحي، بقينا نسأل هل ده عادل؟
هزّيت راسي وابتسمت.
وساعتها بس فهمت إن كل اللي حصل من البداية لحد اللحظة دي
ماكانش بس عن الأكل أو الجمعة أو العزومات.
كان عن إننا اتعلمنا نعيش من غير ما حد يختفي جوه التعب.
وفي آخر مشهد من اليوم ده
كنت قاعدة لوحدي شوية في
المطبخ، بعد ما الكل مشي.
بصيت حواليا، على الهدوء، على الصحون البسيطة، على البيت اللي ما بقاش عبء.
وهمست لنفسي
أحيانًا أكبر انتصار مش إنك تغيّر الناس.
لكن إنك ترجع نفسك لنفسك ومع الوقت اللي بعد كده، الهدوء اللي دخل بيتنا ما بقاش مجرد راحة بقى طريقة حياة.
بس الحياة، بطبيعتها، ما بتمشيش على خط مستقيم.
في مرة، حصل ظرف عائلي مفاجئ عند أخو أحمد، واضطروا يجوا يقعدوا معانا كام أسبوع.
رجع نفس الجو القديم شوية زحمة، مسؤوليات، ضيوف، وبيت مفتوح طول الوقت.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
مش لأن الظروف اتغيرت
لكن لأننا إحنا اتغيرنا.
أحمد قعد معايا أول يوم وقال
مش عايزك ترجعي لنفس الضغط القديم.
قلت له بهدوء
مش هرجع بس هننظم نفسنا.
والمرة دي ما كانش في توقع إن أنا اللي أشيل كل حاجة.
كنا بنقسم الأكل، التنضيف، والترتيب بين الكل.
حتى الضيوف نفسهم بقوا يشاركوا بشكل طبيعي من غير إحراج.
وفي وسط الزحمة دي، اكتشفت
حاجة مهمة
إن اللي بيتغير بجد مش الظروف لكن الحدود اللي بنحطها جوه الظروف.
وفي ليلة من الليالي، بعد ما الكل نام، أحمد قعد جنبي في الصالة وقال
فاكرة زمان لما كنتي بتعيشي مرهقة كل جمعة؟
هزّيت راسي.
قال
أنا لو رجع بيا الزمن، كنت هوقف ده بدري مش عشانك بس عشان البيت كله كان بيخسر طاقته من غير ما يحس.
سكت شوية وبصلي
إنتي علمتينا حاجة إحنا كنا فاكرينها عادية إنها مش لازم تكون كده.
ابتسمت وقلت له
وأنا اتعلمت إن اللي ما يتقالش بيتكرر.
ومرت الأيام تاني، ورجع الهدوء بيتوازن مع المسؤولية.
وفي آخر مشهد في السنة دي، كان عندنا جمعة بسيطة جدًا
مش زحمة، مش تعب، مش ضغط.
كل واحد جايب حاجة، وكل واحد قاعد مرتاح.
وأحمد بصلي وقال وهو بيضحك
تخيلي لو كنا فضلنا على النظام القديم كنا زماننا لسه بنجري ورا رضا مش بنلحقه.
ضحكت وقلت
كنا هنفقد بعض وإحنا فاكرين إننا بنعمل الصح.
وساعتها، لأول مرة من زمان
حسّيت إن البيت مش مجرد مكان بنعيش فيه
لكن مكان بنحافظ فيه على نفسنا كمان ومع إن الأيام بعد كده بقت أهدى، إلا إن الفكرة اللي اتزرعت جوا البيت ما اختفتش.
بقت أي حاجة جديدة تحصل، حتى لو بسيطة، تتناقش الأول بدل ما تتفرض.
مين هيطبخ؟
مين فاضي؟
هل نحتاج عزومة أصلًا ولا نتقابل بشكل أبسط؟
أسئلة كانت زمان ما بتتسألش دلوقتي بقت طبيعية.
وفي مرة، وأنا بفرّق الخضار في المطبخ، لقيت أحمد واقف على الباب ساكت.
سألته
في حاجة؟
قال
لا بس كنت بفكر إنك بقيتي أهدى بكتير.
ابتسمت وقلت
وأنت كمان.
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا كنت فاكر إن الراحة معناها إنك تتحملي أكتر عشان البيت يمشي طلع العكس.
هزّيت راسي
الراحة إننا ما نحملش حد فوق طاقته.
وفي اليوم ده، حماتي دخلت علينا وهي شايلة
طبق بسيط، وقالت وهي بتضحك
أنا جايبة الأكل النهارده لأول مرة أحس إني داخلة مش جاية أستفيد من حد.
ضحكنا كلنا.
لكن في ضحكها كان فيه اعتراف مهم إن
تم نسخ الرابط