كل يوم جمعه
كل يوم جمعة
كان بيتنا بيتجمع فيه العيلة كلها.
حماتي.
وأخوات جوزي.
وأولادهم.
وأحيانًا ضيوف كمان يعدّوا بالصدفة ويتغدوا معانا.
وكانت العادة واضحة أنا اللي بطبخ.
من بدري جدًا.
أقوم على الساعة 8 الصبح، أبدأ في المطبخ.
أجهز.
أطبخ.
أنضف.
وأرتب السفرة كأنها مناسبة كبيرة.
وفي الآخر، الكل يقعد ويقول
تسلم إيدك الأكل حلو.
وأحمد، جوزي، كان دايمًا قاعد وسط الرجالة في الصالون، ويقول بفخر
مراتي ست بيت بجد.
وكان ده بيبان كأنه تقدير، بس مع الوقت بقيت حاسة إنه عبء أكبر من تقدير.
فضل الوضع كده سنين.
لحد يوم جمعة مختلف.
صحيت الصبح على مكالمة من المستشفى.
بابا وقع فجأة.
لبست بسرعة وجريت عليه من غير ما أفكر في أي حاجة.
فضلت معاه في المستشفى لحد العصر.
وبعدين افتكرت إن النهارده جمعة يوم العزومة.
اتصلت بأحمد وقلت له بهدوء
أنا في المستشفى مع بابا، مش هعرف أطبخ النهارده.
سكت شوية، وقال
ماشي المهم سلامته.
قفلت المكالمة وأنا مطمنة نسبيًا.
رجعت البيت قبل المغرب بساعة.
وأول ما دخلت، لاحظت إن في دوشة غريبة.
صوت ضحك وكلام جاي من الصالون.
وقفت لحظة عند الباب.
وكنت ناوية أعدي على المطبخ
لكن سمعت حماتي بتقول
بصراحة البيت بقى أهدى من غير شغل الجمعة التقيل ده.
وردت واحدة من قرايبه وقالت
أيوه، الواحد ماكنش واخد باله قد إيه كانت بتتعب.
وسكت أحمد لحظة وبعدين قال
هي بس كانت محتاجة ترتاح شوية، وأنا كنت مقصر معاها.
وقتها اتجمّدت مكاني.
مش لأن في حاجة اتقالت وحشة
لكن لأن فجأة حسّيت إن كل التعب اللي فات اتشاف لأول مرة.
دخلت عليهم بهدوء.
كلهم بصوا ناحيتي.
أحمد قام فورًا وقال
أنا كنت بقولهم إنك تستحقي تقدير أكتر من كده.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت
وأنا فعلًا محتاجة ده ومحتاجة كمان إننا نغير نظام يوم
سكتوا.
وأحمد قال
تقصدي إيه؟
أخدت نفس عميق وقلت
من النهارده الجمعة مش هتبقى عزومة كبيرة كل أسبوع. يا نتشارك، يا كل واحد يجيب أكله، يا نتجمع على قد طاقتنا.
حماتي بصّتلي شوية، وبعدين قالت
يمكن ده الصح فعلًا إحنا تعبناكي من غير ما نحس.
والغريب
إن أحمد وافق فورًا.
ومن يومها
الجمعة بقت مختلفة.
مش ضغط.
ولا تعب شخص واحد.
لكن وقت عيلة فعلاً كل واحد فيه ليه دور، مش حمل على حد لوحده ومن يوم ما اتغيّر نظام الجمعة
حسّيت لأول مرة إن البيت بيتنا كلنا بجد.
أول جمعة بعد القرار، حصل ارتباك بسيط.
أحمد اشترى أكل جاهز من بره، وأخواته جابوا سلطات وحاجات بسيطة، وأنا عملت طبق واحد بس على قدّي من غير ضغط ولا وقفة من الصبح.
في الأول، حماتي كانت قاعدة متحفظة شوية.
وقالت
مش متعودة على كده
بس بعد ساعة، وهي بتضحك مع الأولاد، قالت جملة ما توقعتش أسمعها
الواحد كان فاكر إن التعب ده طبيعي طلع ممكن نعيش من غيره.
وأحمد بصلي وقتها وقال بهدوء
أنا كنت فاكر إني بريحك لما أسيبك تعملي كل حاجة طلعت بعكس كده.
هزّيت راسي بسكتة.
مش عايزة ألومه ولا أرجع للوراء.
أنا كنت عايزة نظام جديد بس.
الأسابيع اللي بعدها، حصل تغيير تدريجي.
مرة حد يطبخ.
مرة حد يطلب أكل جاهز.
مرة نتجمع في أي وقت من غير تحضير كبير.
والأغرب إن الضحك زاد.
والمشاحنات قلت.
وبقي في وقت فعلاً نتكلم فيه بدل ما كل حد يبقى مشغول في حاجة.
وفي يوم جمعة، وأنا قاعدة على السفرة مش في المطبخ
أحمد بصلي وقال فجأة
فاكرة يوم المستشفى؟
سكت لحظة وبصيتله.
قال
أنا كنت فاكر إني بكلمة هعدّي اليوم بس اكتشفت إني كنت بخسرك من غير ما أحس.
ما اتكلمتش كتير.
بس ابتسمت.
لأني فهمت حاجة مهمة وقتها
إن التغيير مش بييجي بالصوت العالي ولا بالقرارات الكبيرة.
بييجي
ويقرر ما يكملش نفس التعب لوحده تاني.
ومن بعدها
مافيش جمعة تقيلة في البيت.
فيه بس عيلة بتتعلم تتشارك، بدل ما حد واحد يشيل الكل لوحده ومرت الشهور
وبقى نظام الجمعة جزء طبيعي من حياتنا، لدرجة إن محدش بقى يفتكره قرار جديد.
بقى مجرد عادة مختلفة أهدى وأخف.
وأنا
اتغيرت من غير ما أحس.
بقيت أقعد مع أحمد أكتر.
أتكلم معاه بدل ما أستنى آخر اليوم وأنا مرهقة.
وأبسط حاجة كانت بتفرق إني مش واقفة طول الوقت في المطبخ.
وفي مرة، وأنا قاعدة على الكنبة بعد الغدا، حماتي قعدت جنبي.
بصتلي وقالت بهدوء
تعرفي أنا عمري ما كنت أقصد أتعبك.
هزّيت راسي بهدوء.
فكملت
بس يمكن كنا متعودين إنك تقدري لحد ما نسينا إنك كمان ليكي طاقة.
سكتنا شوية.
وبعدين ضحكت وقالت
النهارده لو رجع بيا الزمن، كنت هطلب منك تقعدي معانا بدل ما تقفي في المطبخ.
ابتسمت.
وقلت لها
وكنتوا هتتعودوا عليا أقعد معاكم من بدري.
ضحكت هي كمان.
ومن بعيد، أحمد كان سامع.
قام قعد جنبنا وقال
أنا أكتر واحد اتعلم الدرس ده متأخر.
وفي لحظة صمت بسيطة
لقيت نفسي حاسة براحة غريبة.
مش راحة إن كل حاجة مثالية.
لكن راحة إن التعب بقى موزّع، والكلام بقى واضح، والحدود بقت مفهومة.
ومع الوقت
البيت بقى أهدى فعلًا.
بس مش لأنه فاضي من العزومات
لأنه بقى فيه احترام متبادل.
وفي يوم جمعة عادي جدًا
وأحمد بيساعد في تجهيز السفرة لأول مرة بنفسه،
بصلي وقال بابتسامة
تخيلي لو كنا كملنا نفس الطريقة القديمة كنا زماننا لسه في نفس الدوامة.
ضحكت وقلت له
كنا هنتعب أكتر ونحب أقل.
وساعتها فهمنا الاتنين
إن أكبر تغيير حصل مش في نظام الجمعة
لكن فينا إحنا ومع الوقت اللي فات، بقى عندنا نوع جديد من الهدوء في البيت
هدوء مش معناه سكون، لكن معناه إن كل واحد عارف مكانه
حتى الأطفال اللي كانوا بييجوا كل جمعة، بقوا يستنوا اليوم ده كأنه يوم لعب مش يوم أكل وخدمة.
بقوا يدخلوا المطبخ يضحكوا، ويساعدوا في حاجات بسيطة، من غير ما حد يقولهم سيبوا مش شغلكم.
وأنا اكتشفت حاجة غريبة
إني طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن قيمتي في البيت هي في كمية التعب اللي بقدمه.
لكن لما بطلت أكون شغالة طول اليوم، ما اختفتش قيمتي بالعكس، ظهرت بشكل أهدى وأوضح.
بقيت أتكلم أكتر.
أقعد أطول.
وأقول لا من غير خوف.
وفي يوم، وأنا بجهز فنجان شاي لنفسي
بعد الغدا، أحمد جه وقف جنبي.
قال بابتسامة خفيفة
فاكرة أول جمعة اتغيّر فيها النظام؟
قلت له
فاكرة كل حاجة
قال
أنا ساعتها كنت متوتر فاكر إن البيت هيتلخبط.
سكت شوية وبصلي
بس الحقيقة إحنا ما خسرناش حاجة. إحنا كسبناكي إنتي.
الكلمة دي بالذات خلتني أسكت.
مش لأن فيها مبالغة
لكن لأن معناها كان بسيط جدًا
إن وجودي مش لازم يكون مرتبط بالإرهاق عشان يبقى له قيمة.
وبعدها بشهور
حصلت حاجة صغيرة جدًا، بس كانت علامة كبيرة بالنسبة لي.
في جمعة من الجُمع، واحدة من قرايب أحمد قالت وهي بتضحك
مش مصدقة إني كنت فاكرة إن اليوم ده لازم يبقى عزومة تقيلة كل أسبوع.
ردت حماتي وقالت بهدوء
كنا فاكرينه واجب طلع مجرد عادة ممكن تتغير.
وأحمد بصلي وقتها وقال
واضح إننا كبرنا مع بعض بس متأخر شوية.
ضحكت وقلت له
المهم إننا كبرنا صح.
ومن ساعتها
ما بقاش عندنا قصة جمعة مرهقة نتهرب منها أو نستناها بخوف.
بقى عندنا يوم عادي فيه ناس بتحب بعض، بس من غير ما حد يذوب نفسه عشان الباقي.
والأهم من كل ده
إني لأول مرة بقيت حاسة إن البيت مش مكان خدمة بس
لكن مكان أقدر أعيش فيه أنا كمان ومع مرور السنين، بقى اللي حصل في قصة الجمعة دي بالنسبة لينا
بس أثرها فضل موجود في تفاصيل صغيرة جدًا.
أحمد بقى أول واحد يلاحظ لو أنا مرهقة، ويقول ببساطة
خدي راحتك النهارده.
من غير ما أشرح ولا أبرر.
وأنا بقيت أقولها بدري
أنا مش